; شكر النعمة أو الطوفان | مجلة المجتمع

العنوان شكر النعمة أو الطوفان

الكاتب الشيخ نادر النوري

تاريخ النشر الأحد 15-مارس-1992

مشاهدات 55

نشر في العدد 993

نشر في الصفحة 36

الأحد 15-مارس-1992


منهج الإسلام في التعامل مع الدنيا


إن الله خلق الإنسان وسخر ما في الكون لخدمته ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ (الإسراء:70)، وأباح الله لنا كل شيء من الطيبات بقدر لا يُنسينا الله ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ ۚ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۗ كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ (الأعراف:32). وحياة المؤمن ليست كحياة الكافرين ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ (محمد:12)، والمال فتنة للإنسان وابتلاء، والغنى ليس تفضيلًا من الله للعبد. والرسول -صلى الله عليه وسلم- يقول: «مَا الْفَقْرَ أَخْشَى عَلَيْكُمْ، وَلَكِنْ أَخْشَى أَنْ تُفْتَحَ عَلَيْكُمْ الدُّنْيَا زِينَتَهَا فَتَنَافَسُوهَا فَتُهْلِكَكُمْ كَمَا أَهْلَكَتْهُمْ»، «وَلَوْ كَانَتِ الدُّنْيَا تَعْدِلُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ مَا سَقَى كَافِرًا مِنْهَا شَرْبَةَ مَاءٍ».

فالدنيا عند الكافر محط آماله، ومنتهى رغباته، وفرصته الوحيدة؛ حتى إنه ﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ﴾ (البقرة:96)، بل إنه يسخر ما أعطاه الله من مال وخير لمعصيته ومحاربة دينه، ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ۚ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ﴾ (الأنفال:36). فلا يمد المؤمن عينيه إلى ما متع الله به هؤلاء ﴿وَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ (التوبة:85).

وحينما تزول الدنيا بما فيها ويُعرض أولئك على النار ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ * ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ (الحجر:2-3). فما أبقى أولئك لآخرتهم نصيبًا، ولقد استنفذوها في حياتهم الدنيا ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ﴾ (الأحقاف:20).

أما المؤمن فإنه يقسم ماله ورغباته على معاشه ومعاده، ولا ينسى نصيبه من الدنيا وهو يستغرق في العمل لآخرته وعبادته، ففي الحج مثلًا ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ (البقرة:198)، وبعد المناسك ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ﴾ (البقرة:200). وبعد صلاة الجمعة ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (الجمعة:10). وفي المساجد ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ * رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾ (النور:36-37).

وجاء النصح لقارون وقد آتاه الله من الكنوز العظيمة ما تشرئب لها أعناق الذين يريدون الحياة الدنيا وزينتها، فقالوا: ﴿يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ (القصص:79)، فقال الله تعالى له: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ ۖ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا ۖ وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ ۖ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ (القصص:77).

فالله تعالى يحب أن يرى أثر نعمته على عبده، والله جميل يحب الجمال، ولكن إياك -يا أخي المؤمن- والتنعم، فإن عباد الله ليسوا بالمتنعمين، [واخْشَوشِنوا] فإن النعم لا تدوم، والبساطة في الملبس والمأكل والمسكن من الإيمان، فالمؤمن يأكل بـ «مَعْيٍ» واحد، والكافر يأكل بسبعة أمعاء، فلا يجعل المسلم حب الشبع والامتلاء وابتكار وسائل الطهي وضروب التلذذ له ديدنًا، فموائد الطعام عامرة بألوان وأصناف تكفي العشرات من الجائعين المحرومين، وأكياس [القمامة] معلومة. والبذخ في الولائم لأجل إطراء الناس ولفت أنظارهم إلى الكرم الزائف معلوم، وحب التفاخر بالبذخ في الأعراس والمُهور هو السائد في مجتمعاتنا اليوم. قال عمر رضي الله عنه: «ألا لا تُغالوا بصداق النساء؛ فإنها لو كانت مكرمة في الدنيا وتقوى من الله، لكان أولاكم بها نبي الله».

وتكالب الناس وتسابقهم على جمع المال من حلال أو حرام؛ حتى أصبح غاية حياة أكثر الناس مركب فاره، ولقب أجوف، وثوب أنيق، وحذاء جذاب، وعطر شذي، ومنظر وسيم، ومظهر لائق، ولو عرض دينه وخلقه وعرضه على مذبح الشهوات لأجل الشهرة والصيت، وحب المتاع والرياش من سكن جذاب، أو قصر منيف، وسيارة فارهة، وأرائك رائعة، وفُرُش وثيرَة «هي الغاية العظمى للغالبية العظمى». ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ * وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ * وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (الزخرف:33-35).

وإبراز النساء محاسنهن للرجال من أساور وخواتم وفصوص ماسية، ومن حلق ذهبي وزينة الأصباغ والمساحيق، وتسابقهن إلى معارض المجوهرات التي تشدهن فيها وسوسة الحلي، فيبذلن لذلك الملايين. فبالله عليكم كم من الثروات من أموال المسلمين تستهلك نساؤنا بتعدد الفساتين والملابس والعطور والكماليات والإكسسوارات، وأبناؤنا في تغيير نماذج السيارات قبل استهلاكها، وفي زخرفة البيوت، وكسو الحيطان بالقماش والألوان. وفي كماليات المآكل والمشارب، ونحن ندخل الأسواق لنشتري الضروري.. وفي أواني الذهب والفضة التي يشرب بها من يجرجر في بطنه نار جهنم، وفي الأسفار والارتحال إلى بلاد الغرب للتسوق، وبذل العرض والدين في محلات «ماركس آند سبنسر، وهارودز، وتيتل وود ..». وكم تشغلنا الماركات العالمية لمصممي الأزياء العالميين مثل بيير كاردان، وكريستيان ديور، وفلان وفلان. فكم تكلف هذه العادات الناس من عنت شديد في حياتهم، وما لا يطيقونه من الفقر، وكم تأكل من حياتهم واهتماماتهم ثم تفسد أخلاقهم وحياتهم، ولا يجدون لأنفسهم منها مفرًّا، ولا يملكون إلا الخضوع لها. يا ترى أتدرون من وراء هذا الاسترقاق المُذل للمسلمين ومن الذي يصنعه؟

إنه تقف وراءه بيوت الأزياء، وتقف وراءه شركات الإنتاج، ويقف وراءه المرابون في بيوت المال والبنوك التي تمول هذه الصناعات بحصيلة كدنا نحن المسلمين. ويقف وراء ذلك كله اليهود الذين يعملون لتدمير البشرية كلها ليحكموها، ولكنهم لا يواجهوننا بالسلاح الظاهر والجند المكشوف، وإنما ينشرون بيننا تلك التصورات والقيم التي يُنشئونها ويؤصلونها بنظريات وثقافات، ويطلقونها تضغط على الناس في صورة عُرْف اجتماعي.

فهل أدركنا أثر هذه الثروة الطارئة على مجتمع القرية والصحراء المحافظ؟ وهل أحسسنا بطغيان الحياة المادية والترف والاتكالية وضعف تحمل المسؤولية على أبنائنا؟

وهل سيستمر الآباء بعيدين عن معايشة أبنائهم وتربيتهم تربية إسلامية قويمة؟ قبل أن يأتينا الطوفان ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ ۖ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ ۖ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ ۖ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ * فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ * ذَٰلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا ۖ وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ﴾ (سبأ:15-17).

 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 1351

78

الثلاثاء 25-مايو-1999

المجتمع الثقافي (1351)

نشر في العدد 1487

61

السبت 02-فبراير-2002

فتاوي المجتمع (العدد 1487)