; شكرًا.. لماذا فقدت معناها.. شكلًا ومضمونًا؟! | مجلة المجتمع

العنوان شكرًا.. لماذا فقدت معناها.. شكلًا ومضمونًا؟!

الكاتب منال أبو الحسن

تاريخ النشر السبت 26-يناير-2008

مشاهدات 47

نشر في العدد 1786

نشر في الصفحة 54

السبت 26-يناير-2008

كم من أم تقضي يومها في عناء وشقاء لقضاء حاجات زوجها وأولادها وبيتها.. ولا تسمع كلمة شكر، وكم من أب.. يقضي يومه في العمل منذ أن يخرج صباحًا حتى يمسي يسمع كلمة يشكر له إنفاقه على بيته! نحن بحاجة لنتعلم شكر الناس على جميلهم ليسود الحب والعطاء. 

ـ من أنعم الله عليهم وفضلهم على كثير ممن خلق بحاجة إلى تذكر شكر سليمان عليه الصلاة والسلام: ﴿ وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ﴾ « النمل: ١٩».

تسابق الطفلان في يوم انقطعت فيه الكهرباء وتوقف المصعد؛ فصعدا سبعة أدوار للوصول لأمهما كل قبل الآخر، للفوز بكلمة «شكرًا يا ماما على الأكل الجميل» وبعد عشرة أعوام سألت الأم الأخ الصغير: هل شكرتني أمس؟ رد قائلًا: على ماذا ؟! فكانت صدمة شديدة : ألم يكن هو هو الذي كان يبكي إذا سبقه أخوه بقول الشكر لها؟ ألم يقل لها : أحبك يا أمي بقدر الدنيا كلها؟ أين ضاع الحب الجميل؟ فأين وصية الله للإنسان؟ هل ستنتظر ربع قرن حتى يبلغ ابنها أشده ويدعو الله أن يلهمه شكر النعمة ويتوب عليه؟ يقول الله تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ «الأحقاف: ١٥».

وحكت أم أن ابنها سألها : عامله إيه النهاردة يا أمي؟ قالت: الحمد والشكر لله؛ معتقدة أنه يسأل عن صحتها، ولكن كانت الصدمة أنه يسأل عن أنواع الطعام الذي أعدته له ولزوجته وابنه!! لا فأين: أمك، ثم أمك، ثم أمك؟

وكم من أم تستيقظ من النوم صباحًا إلى أن تمسي وهي في عناء وشقاء لقضاء حاجات زوجها وأولادها وبيتها، فهل سمعت كلمة شكر أو تقدير! إن كثيرًا من الأزواج يعتبرون هذه الأعمال واجبًا لا يستحق الشكر، وإذا خرجت للعمل ورجعت منهكة متعبة فهل وجدت من يشكرها ويحمل عنها أثقالها! وتجد أعمال المنزل في انتظارها وواجبات الأبناء الدراسية لم تتم وعليها مساعدتهم في الإنجاز، وعندما يوجه إليها الزوج الحديث يقول: «أولادك يا ست هانم».. على سبيل الاستهزاء!! فأين: «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته» ؟!

ويخرج الزوج صباحًا حتى يمسي في العمل فيرجع متعبًا فهل وجد من يشكر له إنفاقه على بيته وزوجه وعياله! أم أن الحوار أصبح في كلمتين فقط: «هات فلوس»؟

 وياتي للأستاذ عدد قليل من الطلبة كل عام ليشكروه على ما قدمه لهم من علم نافع ونصيحة منقذة.

كلمة الشكر فقدت معناها شكلًا ومضمونًا عندما فقدناها مع الله ومع الناس ومع أنفسنا، فكم مرة شكرنا الله على نعمه الظاهرة والباطنة!! نحن بحاجة لتعلم شكر الناس على جميلهم ليسود الحب والعطاء، فمن لم يشكر الناس لا يشكر الله. وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن أشكر الناس لله عز وجلَّ، أشكرهم للناس».

نحن بحاجة لتعلم شكر آل داود المتمثل العمل في رضا الله بما أنعم به علينا، ولمن أنعم الله عليهم وفضلهم على كثير ممن خلق بحاجة إلى تذكر شكر سليمان عليه الصلاة والسلام، يقول الله تعالى: ﴿ حَتَّىٰ إِذَا أَتَوْا عَلَىٰ وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ــ فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِّن قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ﴾ « النمل١٨: ١٩»، وقال تعالى:﴿ قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ ۚ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِندَهُ قَالَ هَٰذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ ۖ وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ ۖ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾ « النمل: ٤٠».

ولمن أعطاه الله الحكمة والعلم بحاجة الشكر لقمان، قال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ ۚ وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ ۖ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ « لقمان: ١٢».

شكر إبراهيم

ولمن هداه الله بحاجة إلى شكر إبراهيم «عليه السلام» قال تعالى: ﴿ إِنَّ إِبرَٰهِيمَ كَانَ أُمَّة قَانِتا لِّلَّهِ حَنِيفا وَلَم يَكُ مِنَ ٱلمُشرِكِينَ﴾ «النحل: ١٢٠».

ونحن جميعًا بحاجة لدعاء الرسول صلى الله عليه وسلم: «اللهم أعنِّي على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك».

وبحاجة لشكر الطعام: فماذا لو عاش الإنسان بالمحاليل أو الأقراص أو الشرب فقط؟.  يقول تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ « البقرة: ١٧٢»، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكْلَة فيحمده عليها، أو يشرب الشربة فيحمده عليها» «مسلم والترمذي وأحمد».

 ونحن بحاجة للشكر الكثير فنعم الله على الإنسان لا تعد ولا تُحْصَى، يقول تعالى:﴿ وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ ۚ وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا ۗ إِنَّ الْإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ « إبراهيم: ٣٤».

نعمة الحواس

فالحواس نعمة، والقلوب نعمة يقول تعالى: ﴿ قُلْ هُوَ الَّذِي أَنشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ ۖ قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ﴾ « الملك: ٢٣».

وللنصر والرزق الكريم شكر. يقول تعالى: ﴿ وَاذْكُرُوا إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ «الأنفال: ٢٦».

والليل والنهار شكر: يقول تعالى: ﴿ وَمِن رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ « القصص: ٧٣».

 ويتحقق شكر الله بالاعتراف بالنعم، والتحدث بها، واستخدامها في طاعة الله، قال تعالى: ﴿ وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ « الضحى: ١١».

 وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «التحدُّث بنعمة الله شكر، وتركها كفر، ومن لا يشكر القليل لا يشكر الكثير، ومن لا يشكر الناس لا يشكر الله» «البيهقي».

وللموت شكر وجزاؤه الجنة والرضا بقضاء الله شكر، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا مات ولد العبد، قال الله لملائكته: قبضتم ولد عبدي؟! فيقولون: نعم، فيقول: قبضتم ثمرة فؤاده؟! فيقولون: نعم، فيقول: ماذا قال عبدي؟ فيقولون: حمدك واسترجع، فيقول الله: ابنوا لعبدي بيتًا في الجنة، وسمُّوه بيت الحمد» «الترمذي وأحمد».

وللفوز شكر فنرى سجدة الشكر للاعب. الكرة المسلم، وللمبعدين، وللرجوع للبلد، وللشفاء، وللنجاح، وللكسب سجدة شكر: فقد علمنا النبي صلى الله عليه وسلم أن نسجد لله سجدة شكر إذا ما حدث لنا شيء يسُرُّ، أو إذا عافانا الله من البلاء.

ولمن يريد منفعة لنفسه وزيادة له في الخير أن يشكر، فقال تعالى: ﴿وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ ۖ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾ « النمل: ٤٠»، ولفضل الشكر الزيادة في الخير والنعم، قال تعالى: ﴿ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ۖ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ « إبراهيم: ٧».

نحن بحاجة للخوف من زوال النعمة لكي نشكرها ومن الأحاديث النبوية المتفق عليها التي تذكرنا بذلك ما ذكره الرسول صلى الله عليه وسلم «في ثلاثة رجال من بني إسرائيل أبرص وأقرع وأعمى. وكان كل منهم يدعو الله أن يزيل ما به من مرض وأن يرزقه المال، فاستجاب الله لهم، وبعث إلى الأبرص  ملكًا وضع يده على جلده، فأصبح حسن اللون، وأعطاه ناقة عُشَرَاءَ ولدت وأصبح لها نسل كثير حتى صار غنيًا، وذهب الملَك إلى الأقرع فمسح رأسه فشفاه الله، وأعطاه بقرة حاملًا فولدت، وصار له قطيع من البقر.

ثم ذهب الملك إلى الأعمى فوضع يده على عينيه، فشفاه الله، وأعطاه الملك شاة وولدها فولدت له حتى صار له قطيع من الغنم، وبعد فترة، جاء إليهم الملك ليختبرهم، هل يشكرون الله - سبحانه - ويتصدقون على الفقراء أم لا؟

فذهب إلى الأبرص ثم ذهب إلى الأقرع، فلم يعطياه شيئًا، وقالا له: إنا ورثنا المال عن آبائنا، فعادا كما كانا، وأصبحا فقيرين.

ثم ذهب الملك إلى الأعمى وطلب منه صدقة فرحب به، وقال له: قد كنتُ أعمى فرد الله عليّ بصري، فخذ ما شئتَ ودع ما شئتَ. فقال له الملك: قد رضي الله عنك».

ونحن بحاجة للخوف من زوال النعمة عند الكفر بها وعدم شكرها، قال تعالى: ﴿ وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ « النحل: ١١٢».

كما أننا بحاجة إلى الحفاظ على فريضة الشكر حتى لا تضيع منا فنقلد غيرنا ونبتدع لها عيدًا، كالأمريكان والكنديين الذين ابتدعوا عددًا للشكر.

فهل المسلمون محتاجون ليوم شكر يتخذونه عيدًا سنويًا؟ أم أنهم خير امة أخرجت للناس؟ فلغيرهم يوم في السنة.. ولنا كل يوم وكل حال وعلى كل شيء ولنا الشكر لله وللناس وللنفس، وفي الحياة والموت، وفي الغني والفقر، والصحة والمرض، فماذا بعد هذا التكريم إلا الإحسان والشكر ؟!

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل