; هؤلاء يشكرهم الله | مجلة المجتمع

العنوان هؤلاء يشكرهم الله

الكاتب توفيق علي

تاريخ النشر الجمعة 23-يوليو-2004

مشاهدات 76

نشر في العدد 1610

نشر في الصفحة 54

الجمعة 23-يوليو-2004

المنعم يشكر عباده وهو الغني عنهم المتفضل عليهم.. فكيف بالعباد لا يشكرون؟!

إن الخالق المنشئ المنعم المتفضل الغني عن العالمين يشكر لعباده صلاحهم وإيمانهم وشكرهم وامتنانهم وهو غني عن إيمانهم وعن شكرهم وامتنانهم، فإذا كان الله يشكر، فما ينبغي للعباد المخلوقين المغمورين بنعم الله تجاه الخالق الرازق المنعم المتفضل الكريم؟!!

حقيقة الشكر

قال سهل بن عبد الله الشكر الاجتهاد في بذل الطاعة مع الاجتناب للمعصية في السر والعلانية.

وقال الشبلي الشكر التواضع والمحافظة على الحسنات ومخالفة الشهوات وبذل الطاعات ومراقبة جبار الأرض والسموات. 

وقال ذو النون المصري الشكر لمن فوقك بالطاعة ولنظيرك بالمكافأة، ولمن دونك بالإحسان والإفضال والشكر: مقابلة النعمة بالقول والفعل والنية، فيشي على المنعم بلسانه ويذيب نفسه في طاعته ويعتقد أنه موليها. الشكر من الله للعبد: قبول طاعته، وثناؤه الجميل عليه، وإثباته إياه. والشاكر والشكور من صفات الله ومعناه أنه يزكو عنده القليل من أعمال العباد فيضاعف لهم الجزاء وشكره لعباده مغفرته لهم. ومعناه أيضًا الذي لا يضيع سعي العاملين لوجهه بل يضاعفه أضعافًا مضاعفة، فإن الله لا يضيع أجر من أحسن عملًا، وقد أخبر في كتابه وسنة نبيه بمضاعفة الحسنات الواحدة بعشر إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، وذلك من شكره لعباده، ومن ترك شيئًا لأجله عوضه خيرًا منه، وهو الذي وفق المؤمنين لمرضاته ثم شكرهم على ذلك وأعطاهم من كراماته ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. وكل هذا ليس حقًا واجبًا عليه. وإنما هو الذي أوجبه على نفسه جودًا منه وكرمًا (۲). وفي معنى قوله تعالى: ﴿ۖ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ﴾ (فاطر:٣٤)، قيل: غفر لهم الذنوب التي عملوها، وشكر لهم الخير الذي دلهم عليه فعملوا به فأثابهم عملهم.

 هؤلاء شكرهم الله في كتابه الكريم

أولًا، من تطوع خيرًا

﴿۞ إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ اللَّهِ ۖ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا ۚ وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ (البقرة:١٥٨). والمراد: تطوع خيرًا في سائر العبادات. وقال ابن كثير في تفسيره ﴿فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾: أي يشيب على القليل بالكثير عليم بقدر الجزاء فلا يبخس أحدًا ثوابه...

ثانيا: المؤمن الشاكر

﴿مَّا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنتُمْ ۚ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا﴾ (النساء:١٤٧).

يقول ابن كثير: ﴿وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا﴾: أي من شكر شكر له، ومن أمن قلبه علمه وجازاه على ذلك أوفر الجزاء وقال الإمام القرطبي: أي يشكر عباده على طاعته، ومعنى يشكرهم يثيبهم، فيتقبل العمل القليل ويعطي عليه الثواب الجزيل وذلك شكر منه على عبادته. وقال الإمام القرطبي: أنه سبحانه وتعالى، لا يعذب الشاكر المؤمن.

ثالثًا: المقرض الله قرضًا حسنًا 

﴿إِن تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ۚ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ﴾ (التغابن: ١٧). قال الحسن: كل ما في القرآن من القرض الحسن فهو التطوع. وقيل: هو العمل الصالح من الصدقة وغيرها محتسبًا صادقًا. قال ابن العربي: «انقسم الخلق بحكم الخالق وحكمته وقدرته وقضائه وقدره، حين سمعوا هذه الآية أقسامًا فتفرقوا فرقًا ثلاثة...

الفرقة الأولى قالوا: إن رب محمد محتاج فقير إلينا ونحن أغنياء فهذه جهالة لا تخفى على ذي لب فرد عليهم بقوله: ﴿لَّقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ (آل عمران: ۱۸۱).

الفرقة الثانية لما سمعت هذا القول أثرت الشح والبخل وقدمت الرغبة في المال. فما أنفقت في سبيل الله ولا فكت أسيرًا، ولا أعانت أحدًا: تكاسلًا عن الطاعة وركونًا إلى هذه الدار.

الفرقة الثالثة لما سمعت بادرت إلى امتثاله وآثر المجيب منهم بسرعة بماله. وانظر إلى هذه الأسرة الطيبة، أسرة الصحابي الجليل أبي الدحداح التي تربت على مائدة القرآن: وكيف كانت مبادرتها وامتثالها لأمر الله قال زيد بن أسلم: لما نزل: ﴿مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ (الحديد: ۱۱). قال أبو الدحداح: فداك أبي وأمي يا رسول الله إن الله يستقرضنا وهو غني عن القرض؟ قال: نعم يريد أن يدخلكم الجنة به. قال: فإني إن أقرضت ربي قرضًا يضمن لي به ولصبيتي الدحداحة معي الجنة؟ قال: نعم قال: فناولني يدك، فناوله رسوله الله ﷺ يده فقال: إن لي حديقتين إحداهما بالسافلة والأخرى بالعالية، والله لا أملك غيرهما، قد جعلتهما قرضًا لله تعالى. قال رسول الله ﷺ: «اجعل إحداهما لله والأخرى دعها معيشة لك ولعيالك.. قال: فأشهدك يا رسول الله أني قد جعلت خيرهما لله تعالى. وهو حائط فيه ستمائة نخلة. قال: إذن يجزيك الله به... فانطلق أبو الدحداح حتى جاء أم الدحداح وهي مع صبيانها في الحديقة تدور الجنة تحت النخل فأنشأ يقول:

إلى سبيل الخير والسداد                   هداك ربي سبل الرشاد 

فقد مضى قرضًا إلى التناد                   بيني من الحائط بالوداد 

بالطوع لا من ولا ارتداد                  أقرضته الله على اعتمادي

فارتحلي بالنفس والأولاد                  إلا رجاء الضعف في المعاد

قدمه المرء إلى المعاد                            والبر لا شك فخير زاد

قالت أم الدحداح: ربح بيعك بارك الله لك فيما اشتريت، ثم أجابته أم الدحداح وقالت: 

مثلك أدى ما لديه ونصح                     بشرك الله بخير وفرج 

بالعجوة السوداء والزهو البلح                 قد منع الله عيالي ومنح

والعبد يسعى وله ما قد كدح                طول الليالي وعليه ما اجترح 

ثم أقبلت أم الدحداح على صبيانها تخرج ما في أفواههم وتنفض ما في أكمامهم حتى أفضت إلى الحائط الآخر.

فقال النبي: «كم من عذق رداح ودار فياح لأبي الدحداح».. فانظر إلى هذا التناغم بين أفراد الأسرة وفرحها بالبذل في سبيل الله والمراد بالقرض في هذه الآية: الحث على الصدقة وإنفاق المال على الفقراء والمحتاجين والتوسعة عليهم، وفي سبيل الله بنصرة الدين. وانظر إلى كناية الله سبحانه عن الفقير بنفسه العلية المنزهة عن الحاجات ترغيبًا في الصدقة، كما كنى عن المريض والجائع والعطشان بنفسه المقدسة عن النقائص والآلام. وهذا كله خرج مخرج التشريف لمن كني عنه ترغيبًا لمن خوطب به. والقرض كما يكون في المال يكون في العرض وفي الحديث عن النبي أيعجز أحدكم أن يكون كأبي ضمضم؟ كان إذا خرج من بيته قال: «اللهم إني قد تصدقت بعرضي على عبادك..» وروي عن ابن عمر أنه قال: «أقرض من عرضك ليوم فقرك يعني من سبك فلا تأخذ منه حقًا، ولا تقم عليه حدًا حتى تأتي موفور الأجر».

هؤلاء شكر الله عملهم، في سنة نبيه

أولًا، رجل آخر غصن شوك

عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «بينما رجل يمشي في طريق إذ وجد غصن شوك فاخره، فشكر الله له فغفر له» (۳).«حديث حسن صحيح».

قال الجزري: في النهاية في أسماء الله تعالى الشكور هو الذي يزكو عنده القليل من أعمال العباد فيضاعف لهم الجزاء، فشكره لعباده مغفرته لهم (٤)

ثانيا: الشاكر للناس: عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ: «من لم يشكر الناس لم يشكر الله»(٥). (حديث حسن صحيح). قال الخطابي: هذا يتأول على وجهين: أحدهما أن من كان من طبعه وعادته کفران نعمة الناس وترك الشكر لمعروفهم، كان من عادته كفران نعمة الله تعالى وترك الشكر له. والوجه الآخر أن الله سبحانه لا يقبل شكر العبد على إحسانه إليه إذا كان العبد لا يشكر إحسان الناس ويكفر معروفهم لاتصال أحد الأمرين بالآخر.

ثالثًا، في كل كبد رطبة أجر: 

عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله ﷺ قال: «بينما رجل يمشي فاشتد عليه العطش فنزل بئرًا فشرب منها ثم خرج، فإذا هو بكلب يلهث يأكل الثرى من العطش، فقال: لقد بلغ هذا مثل الذي بلغ بي فملأ خفه ثم أمسكه بقيه ثم رقى فسقى الكلب فشكر الله له فغفر له. قالوا: يا رسول الله، وإن لنا في البهائم أجرًا؟ قال في كل كبد رطبة أجر» (٥) فشكر الله له قال ابن حجر: أي أثنى عليه أو قبل عمله أو جازاه بفعله... وقال القرطبي معنى قوله: فشكر الله له: أي أظهر ما جازاه به عند ملائكته.

توصيات عملية للشاكرين

  1. سجدة الشكر

عن أبي بكرة عن النبي أنه «كان إذا جاءه أمر سرور أو بشر به خر ساجدًا شاكرًا لله» (٦). وفي زاد المعاد، وفي سجود كعب حين سمع صوت المبشر دليل ظاهر على أن تلك كانت عادة الصحابة وهو سجود الشكر عند النعم المتجددة والنقم المندفعة، وقد سجد أبوبكر الصديق لما جاءه قتل مسيلمة الكذاب وسجد علي لما وجد ذا الثدية مقتولًا في الخوارج، وسجد رسول الله ﷺ حين بشره جبرائيل أنه من صلى عليه مرة صلى الله عليه بها عشرًا، وسجد حين شفع لأمته فشفعه الله فيهم ثلاث مرات وأتاه بشير فبشره بظفر جند له على عدوهم ورأسه في حجر عائشة رضي الله عنها، فقام فخر ساجدًا. (۷). قال الإمام المناوي ينبغي لمن أنعم الله عليه بنعمة أو دفع عنه نقمة أن يسجد لله سجدة...

  1. شكر من أسدى إلينا معروفًا:

من أسدى إليكم معروفًا فكافئوه، فإن لم تستطيعوا فادعوا له هكذا علمنا رسول الله وهؤلاء مثل العلماء والحكماء ومن كان له فضل علينا. 

  1. أداء شكر اليوم والليلة:

قال النبي ﷺ: «من قال إذا أصبح: اللهم ما أصبح بي من نعمة أو بأحد من خلقك فمنك وحدك لا شريك لك فلك الحمد ولك الشكر، فقد أدى شكر ذلك اليوم. ومن قال إذا أمسي: اللهم ما أمسى بي من نعمة أو بأحد من خلقك فمنك وحدك لا شريك لك فلك الحمد ولك الشكر. فقد أدى شكر تلك الليلة».( رواه أبوداود وغيره). وقال فيما يرويه مسلم في صحيحه من حديث أنس -رضي الله عنه-: إن الله ليرضى عن العبد يأكل الأكلة فيشكره عليها ويشرب الشربة فيشكره عليها...

٤-تحقيق قواعد الشكر

والشكر مبني على خمس قوا

عد (۸): خضوع الشاكر للمشكور، وحبه له، واعترافه بنعمته وثناؤه عليه بها، وألا يستعملها فيما يكره فهذه الخمس هي أساس الشكر وبناؤه عليها. 

٥- شكر الوالدين

قال تعالى: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ (لقمان١٤). قال ابن كثير، وإنما يذكر تعالى تربية الوالدة وتعبها ومشقتها في سهرها ليلًا ونهارًا ليذكر الولد بإحسانها المتقدم إليه... ولا تنسى أن النبي ﷺ كان يدعو الله تعالی دبر كل صلاة أن يجعله من الشاكرين فكان يقول: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك.. كما كان يقول: اللهم اجعلنا شاكرين لنعمائك مثنيين بها عليك...... فاللهم اجعلنا من الشاكرين الذاكرين، إنك

سميع مجيب. 

الهوامش:

١-الحق الواضح المبين، ص ٧٠ نقلًا عن أسماء الله الحسنى، د. سعيد الزهراني.

٢- الترمذي رقم (۱۸۸۱).

٣- تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي.

٤-الترمذي رقم (۱۸۷۸).

٥- البخاري ( ٢١٩٠).

٦-سنن أبي دواد رقم (۲۳۹۳).

٧- عون المعبود شرح سنن أبي داود.

٨-ابن القيم- مدارج السالكين (٢/٢٤٤).

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 39

140

الثلاثاء 15-ديسمبر-1970

سلمة بن الأكوع  - بطل معركة الغابة

نشر في العدد 193

116

الثلاثاء 26-مارس-1974

من مائدة النبوة