العنوان شمس الإسلام تشرق من جديد على نهر الدانوب
الكاتب د. عبدالله سليمان العتيقي
تاريخ النشر الأحد 19-يناير-1992
مشاهدات 54
نشر في العدد 985
نشر في الصفحة 22
الأحد 19-يناير-1992
قام الأمين العام لجمعية الإصلاح الاجتماعي وعضو لجنة العالم الإسلامي واللجنة المشتركة لمسلمي روسيا وأوروبا الشرقية المنبثقة عن الهيئة الخيرية الإسلامية العالمية عبدالله سليمان العتيقي، بكتابة هذا الموضوع بعد زيارة وفد اللجنة المشتركة إلى بلغاريا ورومانيا في الفترة من 18 إلى 24 جمادي الآخر عام 1412، الموافق 24 إلى 30 ديسمبر عام 1991.
لقد درسنا تاريخنا الإسلامي من صفحاته السوداء ذات الدم القاني والرؤوس المدحرجة بعد قطعها، أما صفحاته البيضاء فقد شوهوها بالشبهات وعتموها بالتجاهل وأشربنا إياها مُرًا وعلقمًا حتى نخجل من رفع رؤوسنا أمام الأمم وقد كنا سادتهم، وقد كان هدف تخصصي الجامعي بالتاريخ والتربية أن أكشف وجه تاريخنا الناصع للطلبة بعد أن أتخرج وأبدأ بالتدريس، وقد تم لي ذلك ولله الحمد بحيث كنت أشرح لطلابي الوقائع كما هي في صالح أمتنا وديننا، وليس كما كتبت مشوهة ومحرفة في بعض الكتب.
ومن هذا التشويه والتعتيم لتاريخنا الإسلامي الناصع عدم توضيح وإبراز شروق الإسلام وحضارته على دول شرق أوروبا التي يخترق نهر الدانوب[1] وفروعه ربوع أراضيها، حتى ظن الكثير أنه ليس لنا حضارة أو آثار إسلامية أو حتى مسلمون في هذه البقاع.
ولقد أحببت نهر الدانوب قبل أن أراه، ليس لمناظره الجميلة ولا لهوائه العليل ولا للسباحة في مياهه العذبة، ولكن لدخول الإسلام عن طريقه إلى أوروبا الشرقية، أتشوق ولم أحلم يومًا أن أراه على الطبيعة، وإن كنت أتشوق لمعرفة المزيد عن تفاصيل دخول الإسلام إلى هذه الأراضي، وتصوير آثار الحضارة والعمران الإسلامي من قلاع ومساجد ومدارس وجسور وفنادق (خانات) وحمامات وأوقاف إسلامية مختلفة.
ويشاء الله أن يحقق لي هذا الحلم بعد سبع عشرة سنة، حيث رأيت بعيني عزة الإسلام وثبات المسلمين في هذه البقاع من الأرض وآثارهم المختلفة في كل مكان.
لقد مرت على دول شرق أوروبا حول نهر الدانوب فترات من الزمن عاش فيها المسلمون تحت نير الظلم والطغيان من الحكام الملحدين الشيوعيين وخاصة بلغاريا ورومانيا ويوغسلافيا، وأغلقت الأوقاف والمساجد وأعدم الدعاة والأئمة، وتفاقمت أزمة المسلمين في أوروبا الشرقية حول نهر الدانوب وخاصة في عهد تيتو في يوغسلافيا، وتيدوجيف كوف في بلغاريا، وتشاوشيسكو في رومانيا الذين حكموا البلاد بالحديد والنار، وضاقت على المسلمين الأرض بما رحبت وزلزلوا زلزالًا شديدًا واستشهد منهم الآلاف، فقد أبيد المصلون إبادة جماعية في مسجد «فوجا» ببوسنا الشرقية في يوغسلافيا داخل المسجد في يوم العيد، وقد كانت مخازي الحزب الشيوعي ضد المسلمين يندى لها الجبين، فقد تلون نهر الدانوب بدماء المسلمين بعد أن ذبح المسلمون على جسور «فوجا» و«قراجدا»، وألقوا بهم في النهر.
بدايات الشروق الإسلامي ودخوله في بلاد نهر الدانوب
يعتقد بعض المؤرخين أن دخول الإسلام إلى بلاد الدانوب كان مبكرًا، حيث إنه بدأ بعد فتح صقلية (...) وخاصة في يوغسلافيا، ولكن الثابت أن الإسلام قد انتشر في هذه البلد بصفة واضحة بعد الفتح الإسلامي العثماني، وفي رومانيا دخل الإسلام بالجهود الفردية في النصف الثاني من القرن السابع عشر، وقد ذكر التاريخ اسم الداعية التركي سامي سالتيك «حيث باشر الدعوة للإسلام في النطاق الساحلي الشرقي من رومانيا، وظلت الدعوة قائمة على جهود الأفراد مدة قرنين من الزمان» حتى قام العثمانيون بفتح البلقان وما جاورها ومنها بلغاريا (1393هــ - 976م) ورومانيا (1416هــ - 819م) وقد فضلت شعوب هذه المنطقة الحكم والعدل والسماحة الإسلامية على الخضوع للحكم المسيحي الظالم مثل حكم «أسرة هايسبرج».
وكان هناك عامل مهم آخر ساعد على انتشار الدعوة الإسلامية والإسلام في ربوع الدانوب وخاصة يوغسلافيا، وهو وجود المذهب «البوغوميلي» أو الكنيسة البشناقية التي عارضت المذهبين الكاثوليكي والأرثوذكسي، حيث كانت أكثر اعتدالًا في العبادة، ورفضت تقديس البشر والتعميد، ومبدأ النزاع بين الروح والمادة، وطالبت بعودة المسيحية إلى أصولها القديمة، وعندما تعرف البشناق على مبادئ الإسلام، اعتنقوه زرافات ووحدانا، وصاروا من أقوى أنصاره، وأخذوا في تشييد المدن ذات الطابع الإسلامي وأهمها سراييفو «بشناق سراي».
بعض مظاهر اضطهاد المسلمين في ربوع الدانوب في العهد الشيوعي
1- جزيرة التعذيب «بلنا»: ذكر لنا الدكتور الفاتح حسنين وهو أحد المهتمين بتاريخ أوروبا الشرقية:
لقد كان في جزيرة بلنا أكبر معسكر تعذيب للمسلمين في بلغاريا، وقد كتب في مدخله «انس الدين» «الله لا يوجد في هذه الجزيرة».. لقد قتل فيها 300 ألف مسلم رفضوا الانصياع للحكم الشيوعي السابق لتغيير دينهم وهويتهم الإسلامية، وأحاطت الكلاب المسعورة بهذه الجزيرة لتنهش المسجونين وهم أحياء، وكان يعلق المسلم في زنزانته تعليقًا، ويترك دون طعام أو رعاية، وكان يقتل من المسلمين مجموعة مقابل كل دفعة جديدة تدخل السجن في هذه الجزيرة.
2- الإجبار على تغيير الأسماء والعادات والعبادات الإسلامية: لقد صدرت القوانين الحمراء الشيوعية للمسلمين بتغيير أسمائهم وشعائرهم «من ختان وحجاب وصيام ودفن للموتى وذبح للأضاحي» ومن لا يستجيب يسحق ويعذب ويعدم، وقد أجبروا على تغيير أسمائهم بالوسائل الآتية:
1. عدم السماح لهم باستخراج رخصة القيادة.
2. عدم استطاعتهم سحب نقودهم من المصارف.
3. عدم نقل أبنائهم إلى الفصول الأعلى في الدراسة.
4. الإبادة وطرد المسلمين.
قامت السلطات البلغارية عام 1989 م بتشديد الخناق على المسلمين لبلغرتهم، وحين قاموا بمظاهرة سلمية أطلقت عليهم السلطات النار، وأبادت مجموعة منهم، وطردت المسلمين، ورمتهم على الحدود التركية بعد أن صادرت ممتلكاتهم وبلغ عددهم 300 ألف مهاجر.
ورغم كل هذا الجحود والطغيان والقتل والليل الحالك الذي خيم على أمه الإسلام في ربوع الدانوب طيلة حكم الطغاة الشيوعيين، مازال الإسلام شامخًا يحتضن معتنقيه برأفة وحنان، ومازالت قلوبهم تقية عامرة بالإيمان تحت أشعة شمسه المشرقة على نهر الدانوب من جديد، فقد اندحرت النظم الكافرة الشيوعية في جميع بلاد شرق أوروبا، وتبدلت الأنظمة الدكتاتورية بالديمقراطية وتنفس المسلمون الصعداء.
مظاهر شروق الإسلام من جديد على بعض دول الدانوب
أولًا: بلغاريا
لقد توقف الضغط الممارس على المسلمين لتغيير أسمائهم وعاداتهم وعباداتهم، وفتحت بعض المساجد المغلقة، وأعيدت بعض الأوقاف الإسلامية المصادرة، وفتحت أربع مدارس لتعليم الإسلام، وعاد مفتي المسلمين إلى ممارسة نشاطه بحرية وبدأت مدرسة «النواب» لتخريج أئمة المساجد، وبدأت البعثات الدراسية والمنح توجه لأبناء المسلمين للدراسة في المملكة العربية السعودية ومصر، وتركيا، ويوغسلافيا والسودان.
ثانيًا: رومانيا
أعيدت مدرسة المجيدية وهي مدرسة إسلامية أنشأها الأتراك العثمانيون لتعليم الإسلام، وتعد الآن لتبني من جديد، وقد أرسلت بعثات دراسية لدراسة علوم الإسلام خارج رومانيا. وقد أخذ المفتي العام دوره، وبدأ في الاتصال بالمفتين وأئمة المساجد في المناطق، وتقوم لجنة بترجمة معاني القرآن للرومانية استعدادًا لطباعته، وقد نشطت بعض المنظمات الإسلامية لمساعدتهم، وهناك فرصة لبناء مركز إسلامي كبير في رومانيا ينتظر التنفيذ العملي.
ثالثًا: يوغسلافيا
بعد إعلان الحريات نشط المسلمون في يوغسلافيا وخاصة في البوسنة والهرسك لإبراز وجودهم وهويتهم ولإنقاذ أنفسهم من الكماشة المحيطة بهم من قبل الصرب والكروات، فقد أقام حزب العمل الديموقراطي الذي غيبته الشيوعية نصف قرن بعقد مهرجان نظمه المسلمون في البوسنة والهرسك، افتتحه علي عزت بيجوفيتش رئيس الحزب ورئيس جمهورية البوسنة والهرسك، وشارك في الافتتاح سفراء بعض الدول الإسلامية وبعض البعثات الدبلوماسية، وقد ذكر الرئيس علي عزت في ختام كلمته قائلًا: «إننا نقسم بالله أننا لن نركع بعد اليوم أبدًا إلا لله».
إن جذور الإسلام ثابتة وراسخة في ربوع نهر الدانوب، فقد رأيت بعيني المساجد الشامخة وقد بنيت منذ العهد العثماني مثل جامع إبراهيم باشا الذي أنشأ عام 1616 في بلغاريا، وهو معطل منذ 35 سنة. ورأيت في رومانيا جامع السلطان محمود الذي أنشأ عام 1735 ويصلي فيه أيام الجمع الآن، ورأيت مدينة قسطنطينية المجيدية ومازالت تحتفظ باسمها الإسلامي، وتقع في ولاية قسطنطينية في رومانيا، ولا يزال هناك شارعان من شوارعها يحملان الأسماء الإسلامية منذ عهد الخلافة العثمانية، وهما شارع جمال علي أحمد، وقد كان واليًا سابقًا لها، وشارع محمد نزيه أحد العلماء الذين درسوا في مدرسة المجيدية... وفي كل شبر من أرض الدانوب مرت عليه خيول المجاهدين الفاتحين برًا أو عبر مياهه، وعلى ضفافه ستعود أغصان أشجار إسلامنا خضراء يانعة تنتج الثمر لتطعم الجائعين لدين الله بعد أن عاشوا ظمأى منذ نصف قرن، وقد فتحوا عيونهم وقلوبهم مرحبين بالدين من جديد.
مخاطر تواجه المسلمين حاليًا
1- إن هذا الانفتاح الطيب لدين الله في ربوع نهر الدانوب يحتاج إلى مساندة ومساعدة وتوجيه دائم من قبل الدول والمؤسسات الإسلامية «الحكومية والأهلية» وإن لم تجد دول نهر الدانوب- أوربا الشرقية خاصة- هذه المساندة فستتأخر عودة الإسلام كسابق عهده.
2- يتعرض المسلمون إلى إغراءات المنظمات التنصيرية بقوة للسيطرة على هذه البلاد فكريًا واقتصاديًا، وبتشكيك المسلمين في عقيدتهم.
3- مازال نفوذ اليهود الإعلامي متغلغلًا في بعض هذه البلاد والواجب الحذر منها.
4- جهل المسلمين بدينهم وعدم وجود من يعلمهم بشكل منظم ودراسة علمية.
مقترحات لزيادة وهج ونور الإسلام في عودته إلى ربوع الدانوب
1- حث الحكومات الإسلامية على إقامة تمثيل دبلوماسي مع هذه البلاد وتكوين علاقات مع المسلمين هناك خاصة بلغاريا ورومانيا ويوغسلافيا «البوسنة والهرسك».
2- حث المؤسسات والجمعيات الخيرية الإسلامية على بذل أقصى الطاقات لمساعدتهم ويتمثل ذلك في:
أ- التدريس في المدارس الإسلامية هناك.
ب- إمداد مدارسها بمناهج التربية الإسلامية واللغة العربية.
جـ- إرسال الدعاة.
د- تقديم المنح لطلابها للدراسة في الجامعات الإسلامية.
هـ- عمل المشاريع الإسلامية (طباعة كتب - بناء مساجد - مستشفيات – مدارس).
و- القيام باستثمارات إسلامية يديرها المسلمون.
ز- إقامة مصارف إسلامية هناك.
حـ- إنشاء المراكز الإسلامية.
ط- مساعدة الطلبة العرب المسلمين هناك وحثهم على القيام بواجب الدعوة بين المسلمين في أوروبا الشرقية.
ي- الاعتراف دون تردد بأية جمهورية إسلامية تقوم هناك.
ك- المطالبة بإعادة بناء كل مسجد ومدرسة هدمت في عهد الظلم الاشتراكي الشيوعي العلماني وإعادة جميع أوقاف المسلمين.
ل- التعاون مع الدول المتجاوبة معنا في هذا الشأن ومساندتها على مدى مساعدتها لإخواننا المسلمين هناك مع تحديد موقفنا سلبًا أو إيجابًا مع هذه الدول.
موجات إبادة وتهجير المسلمين البلغار |
الفترة | القتلى | المهاجرين |
1877 - 1978 م 1883 1884 1893 - 1902 1912 - 1913 1923 - 1939 1940 - 1949 1950 | 450 ألف 200 ألف | 1,5 مليون 200 ألف 600 70 ألفًا 1 مليون 200 ألف 20 ألفًا 52 ألفًا 102 ألف 130 ألفًا 300 ألف |
___________
[1] نهر الدانوب طوله نحو 2816 كيلو متر، يمر بوسط وجنوب شرقي أوروبا، ويجري عبر جنوبي ألمانيا وشرق النمسا والمجر وشمال شرقي يوغسلافيا ليصب في البحر الأسود من حدود رومانيا مع يوغسلافيا وبلغاريا والجمهوريات السوفياتية، ويلتقي به أكثر من 300 رافد، وهو شريان حيوي يربط بين ثقافات عديدة ودخل الإسلام عن طريقه وسواه إلي شرق أوروبا وقد كان تحت إدارة الخلافة العثمانية من المجر حتى البحر.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل