; شهادة سجين للتاريخ.. عن: الاضطهاد الديني في السجون التونسية | مجلة المجتمع

العنوان شهادة سجين للتاريخ.. عن: الاضطهاد الديني في السجون التونسية

الكاتب عبدالله الزواوي

تاريخ النشر السبت 26-يناير-2008

مشاهدات 39

نشر في العدد 1786

نشر في الصفحة 27

السبت 26-يناير-2008

رغم التوقيع على كافة المواثيق الحقوقية الدولية السجون التونسية تمارس أبشع الجرائم ضد الإنسانية منع الاغتسال الاكل أسبوعين.. للحد من أعداد المصلين في سجن برج الرومي.

عجيب أمر السلطات التونسية التي ترفع الكثير من الشعارات البراقة، ثم تأتي نقيضها .. مما يضع المتابع في متاهة الخلط والازدواجية... ومن نماذج تلك الازدواجية، ما ينص عليه دستور الجمهورية التونسية في الفصل الخامس «الجمهورية التونسية تضمن حرية الفرد وحرية المعتقد وتحمي حرية القيام بالشعائر الدينية، ما لم تخل بالأمن العام». ونص الأمر ١٨٧٦ لسنة ١٩٨٨م في الفصل ٦٤: «لا يمنع السجين من أداء شعائره الدينية مدة إقامته بالسجن». ولنتابع تطبيق تلك النصوص على أرض الواقع التونسي المر:

الصلاة: وعلى قدر أهمية هذه الفريضة في الإسلام، على قدر الاضطهاد والعذاب الذي سلط على سجناء الرأي بسببها . 

فقد عُمم منع إقامة الصلاة جماعة في كافة السجون،  قبل صدور الأحكام في المحكمـة  ستين العـسكريتين «القضيتين ٧٦١١٠ و ٧٦١١١» في أواخر أغسطس ۱۹۹۲م. واتسم تنفيذ هذا الإجراء بالصرامة البالغة.. ولا مجال هنا للحديث عن صلاة الجمعة.. فهذه الفريضة وإن أقيمت في فترة من الفترات في بعض السجون، فإنها لا تعدو أن تكون حالة شاذة لا غير... علماً بأن معظم الإجراءات والمضايقات، إن لم نقل كلها .. كانت تنطلق من السجن المدني بتونس العاصمة «المعروف بالحبس الجديد أو حبس ٩أبريل»..  ومنه تنتشر في بقية السجون.

حيث منعت صلاة الجماعة منعاً باتاً، وادى السجناء الصلاة فرادى، ولكن مقاومة سجناء الرأي جعلت الإدارة تتراجع، وسمحت بإقامة الصلاة مثنى مثنى... وفي سجون أخرى كانت الصلاة تقام أفذاذاً «فرادى» في غرف، وتقام أزواجاً في غرف أخرى، بقدر إصرار السجناء على التمسك بالصلاة أزواجاً، وتصديهم للترتيبات التي تريد الإدارة فرضها .

ومثال ذلك سجن «برج الرومي» في عهد مديره «ب ك» في عام ١٩٩٣م وما بعدها .. حيث تفنن السجانون في اختلاق الترتيبات الغربية المنظمة لإقامة الصلاة؛ من ذلك منع إقامة فردين للصلاة في نفس الوقت، بحيث إذا صلى الأول صلاة المغرب مباشرة عقب الآذان.. فإن الآخر يؤدي الصلاة نفسها عند أذان العشاء.. وكان ذلك في عام ١٩٩٤م: غرف ٥- ٦- ٧- ٨ أو جناح «ب» حالياً.

أما في الغرف والأجنحة التي منعت فيها الصلاة أزواجاً.. فالويل كل الويل لمن يوافق ركوعه او سجوده... ركوع مصل آخر أو سجوده في غرف ١- ٢- ٣- ٤ التي كان يشرف عليها «ب-د»؛ لأن ذلك يعد صلاة جماعة! ومن تجرأ وسمحت له نفسه بذلك يكون جزاؤه العذاب الأليم في الجناح «المضيق»، مع قضاء ١٠ أيام في الحبس الانفرادي .. مع فقده - آلياً - فراشه «سريره»، ليعود من جديد إلى النوم على الإسمنت «أو ما يعرف بلغة السجن: الكدس» لمدة أشهر تطول أو تقصر، حسب واقع الاكتظاظ وعدد النائمين على الأسمنت «الكدس» السابقين له.

وبلغت الفتنة أوجها عندما بادر أحد مديري السجون في عام ١٩٩٥م، وهو «ر.ع» بإصدار تعليمات تقضي بمنع صلاة الصبح قبل التعداد الصباحي للمساجين... ويعني ذلك في الواقع منع إقامة صلاة الصبح قبل الساعة الثامنة والنصف صباحاً.

وقد أثار ذلك القرار غضب سجناء. الرأي الذين أصروا على إقامة الصلاة لوقتها، فكان جزاؤهم معركة يومية مع السجانين المدججين بأنواع الأسلحة، ناهيك عن الهراوات الغليظة والتعليم الإعلامي البغيض والتواطؤ السياسي المقيت، وابتسامات المدير المعبرة عن رضاه وتشجيعه!

وتكرر نفس الحظر في صلاة الصبح في سجن «قابس» في خريف ١٩٩٥م.. ثم عُممت تلك الجريمة في عام ١٩٩٦م في سجون جندوبة وبنزرت المدينة وبرج الرومي.

عقوبات لا أخلاقية لمن يصلي العيد

وفي أحد أعياد عام ١٩٩٦م أدى بعض سجناء الرأي صلاة العيد في جناح «ج» بسجن تونس، وبلغ الأمر الإدارة... فعاقبتهم بالتداول ولمدة ١٥ يوماً في غرفة الشواذ جنسيا «غرفة ٨ جناح د ١».

من أبرز هؤلاء السجناء.. الدكتور منصف بن سالم، وطبيب الفقراء «أ.أ.» والمهندس «ع.ج.» والمناضل الكبير «م.ع».. والسجين «ع. م»..

ومن التدابير الغربية التي سنها بعض المديرين - لعل من أبرزهم «ر.ع.» و«ب.ك.» في تثبيط سجناء الحق العام عن إقامة الصلاة - نقل المصلين منهم من غرفة إلى أخرى؛ بحيث يفقد السجين «فراشه السرير» عند نقلته ويبدأ دوامة الانتظار - انتظار دوره في الحصول على فراش من جديد - وقد يقضي عدة أسابيع أو أشهر وهو يفترش الإسمنت ليحصل على ما اعتبره أمر ١٨٧٦ في فصله العاشر حقاً من حقوقه يتمتع به مباشرة عند دخوله السجن.. 

إلا أنه لن يتمتع بثمرة انتظاره طويلاً؛ لأنه سينقل من جديد إلى غرفة أخرى، إن لم يُنقل قبل ذلك!

منع الاستحمام

ولا يفوتنا هنا أن نذكر منع الإدارة الاغتسال في الغرف.. لكن ما حيلة ذلك الشاب الذي أصبح جنباً؟ هل ينتظر دورة الاستحمام العام التي قد تأتي بعد أسبوع أو أسبوعين وقد لا تأتي إلا بعد عدة أسابيع؟!  كان الاغتسال في الغرف ممنوعاً منعاً باتاً في سجون عديدة مثل سجن تونس ويرج الرومي والمهدية.

لذلك ترى السجين الذي يعتزم الاغتسال يتستر ويتلطف كي لا يُشعر أحداً بما يزمع القيام به.. فتراه يختار الوقت المناسب مثل بث مقابلة رياضية أو مسلسل تلفزيوني، ينشغل عموم السجناء بمتابعته.. ثم يخفي المنشفة تحت ثيابه، ويتسلل إلى دورة المياه... ثم ينزع ثيابه ويضعها في سلة محجوبة عن الأنظار، ويتظاهر بقضاء حاجته.. ويسكب الماء على جسده بلطف من قارورة أعدها للغرض .. تجنباً لإحداث أي صوت يمكن أن يشي به «سيلان الماء»، ويؤجل غسل شعر رأسه لكيلا يقبض عليه متلبساً به «جريمة» الاغتسال! وكل هذه الاحتياطات قد لا تؤدي إلى تجنيبه «وليمة» في السجن المضيق، ثم 10 أيام في غرفة انفرادية.

الصوم

تلاحظ بدءاً أن عدد سجناء الحق العام الذين يؤدون هذه الفريضة قليل جداً ويزداد هذا العدد تقلصاً مع تقدم شهر رمضان... ومن أبرز ما يحضرني في مسألة الصيام ما أقدم عليه السيد مدير السجن المدني بالمهدية.. الملازم اول «س .غ.» سنة١٩٩٧. ففي أول يوم من شهر رمضان عمد المدير المذكور إلى بث شريط سينمائي إباحي في منتصف النهار، عبر شبكة الفيديو .. وتكرر الأمر عدة مرات بنهار رمضان، الشيء الذي استفز كافة السجناء وأحدث لديهم امتعاضاً شديداً.

وطيلة شهر رمضان لا غضاضة أن يسهر السجناء إلى حدود انتهاء بث التلفزة التونسية لبرامجها، دون أي قيد أو تخفيض للأصوات، لكن بمجرد انتهاء الإرسال التونسي، فإن أي صوت أو حركة يعرض صاحبه للمؤاخذة والعقاب، وهو ما وقع للسجين «ب. ب» وجمع من رفاقه في الأيام الأولى من شهر رمضان ١٩٩٤م في سجن برج الرومي؛ لأن الصائمين عامة، يفضلون تناول السحور قبل الفجر بقليل، وهو ما يعني تناوله بعد انتهاء الإرسال بثلاث ساعات تقريباً.

أما صلاة التراويح فلم تدخر إدارة برج الرومي جهداً لمنعها، فكنت ترى الأعوان - أعوان الحراسة الليلية - يلهثون من غرفة إلى أخرى بحثاً عن المخالفين، أما داخل الغرف فكل شيء مباح: الغناء الشعبي، الميسر، الشطرنج، وحتى الفاحشة... كما حدث في سجن جندوبة عام ١٩٩٦م، وفي الليالي الأولى من شهر رمضان !!

تلاوة القرآن الكريم

في بداية رحلة العذاب ۱۹۹۰«- ۱۹۹۱م» كان من المسموح به جلب كتب التفسير، وكتب السيرة، والفقه، وأصوله، وكتب اللغات... ثم بدأت الانتكاسة بعد صدور الأحكام في المحكمتين العسكريتين وتربع «أ.ج.» على كرسي المدير العام في أواخر صيف ١٩٩٢م ثم منع جلب الكتب...

وفي مرحلة تالية سُحبت الكتب التي سبق أن جليها أصحابها، وحُجزت في حملات تفتيش ولم تكتف الإدارة بذلك، بل عمدت إلى حجز المصاحف، التي تضم بين دفتيها - زيادة على سور القرآن الكريم - شرحاً للألفاظ أو أسباب النزول «مثل تفسير الجلالين أو شرح ألفاظ القرآن الكريم للشيخ حسنين مخلوف..».

ثم تلت رحلة أخرى، عمدت فيها ثم تلت مرح الإدارة إلى حجز المصاحف التي تحتوي على دعاء ختم القرآن، فترى كثيراً من السجناء الذين بلغهم هذا الإجراء يعمدون إلى تقطيع تلك الصفحات، سعياً منهم للاحتفاظ بالمصحف.

وليت الأمر وقف عند هذا الحد في سجن صفاقس .. بل حرموا الكتب الفكرية ووسائل التثقيف المختلفة، ومنعوا سجناء الرأي من مواصلة دراستهم، بل حرموهم من وسائل الإعلام الرسمية وشبه الرسمية. وإن كانت تلاوة القرآن من المقربات إلى رب العزة، فإنها في السجون التونسية سبب الأنواع شتى من العقوبات.. من ذلك أن العريف أول «ع.ر.»    هدد السجين «ق .ب. س» الذي كان يتلو القرآن بصوت مسموع، بوضعه في بالوعة المياه المستعملة في يوليو ١٩٩٥م في السجن المدني به الهوارب». أما أولئك الذين كانوا في غرفة ١ من جناح «هـ» بالسجن المدني بتونس، فقد حرموا كلهم من أسرتهم؛ لأن السيد الوكيل «ع.ح.» رأى في تلاوتهم للقرآن رموزاً يريدون تمريرها إلى سجناء الرأي في جناح «ج»! ولا يجوز لنا أن نختم هذا العنصر دون ذكر فعل شنيع أقدم عليه من سمى نفسه «شارون»! وكان يومها مديراً لسجن نفسه «حربوب» بولاية مدنين، في الجنوب التونسي،

فقد سمح لنفسه بالدوس على التونسي المصحف على مرأى ومسمع من العام والخاص!

الأمر نفسه قام به ش.ب. الذي تولى إدارة سجن قابس، ثم صفاقس:

سب لفظ الجلالة!!

إن كان من المؤسف تفشي ظاهرة سب الله في المجتمع التونسي عمومًا، فإن هذه الظاهرة قد استشرت في الفضاء السجني بصورة مفزعة، ومع ذلك فهي لا تقابل بأيّ استهجان أو ردع لها .. بل تجد شيئًا من التشجيع بغض الطرف عن مرتكبها وعدم تحرج الأعوان؛ بل إن من الضباط والمسؤولين من يتفوه بها .

وكثير هم المديرون ومساعدوهم وأعوانهم، الذين لا يرون أي حرج في سب لفظ الجلالة، ولا يستنكفون من ذلك أبدًا. ففي شهر يونيه ١٩٩٤م دخل السجينان  «ق. ب. س»    و «ب .ل.» في إضــراب عن الطعام لتعمد «م.ح.» مساعد مدير السجن المدني بالمهدية سب الله تعالى أثناء تأديتهما للصلاة «صلاة المغرب - داخل الغرفة ١٧».

 وكذلك عاقب «م.ز.» مدير سجن برج الرومي في عام ١٩٩١م السجين «ع. م.» وبعد تقييد يديه ورجليه، وضعه على سرير حديدي وهو عار تمامًا، وشرع في جلده، طالبا منه سب لفظ الجلالة إن أراد لنفسه السلامة!

ولا يزال في سنة ٢٠٠٣م من يتباهى من مسؤولي السجون بسب لفظ الجلالة وأذكر هنا «باديس» مساعد المدير بسجن صفاقس الجديد «سجن طينة».

الإرشاد الديني والأخلاقي: أما ما ورد في أمر ١٨٧٦ في الفصل ٦٥ والذي ينص على أن «تنظم للسجناء برامج للإرشاد الديني والأخلاقي بواسطة وعاظ مختصين، أو بواسطة الإطار التربوي التابع للإدارة العامة للسجون والإصلاح».. فإنه لا يعدو أن يكون حبرًا على ورق.. نعم كانت هناك في بداية المحنة بعض البرامج للإرشاد الديني والأخلاقي في بعض السجون، لكن سرعان ما توقفت بعد ذلك. فهل ينتظر من واعظ أن ينهي عن الصلاة وأن يأمر بالتصدي لصلاة الجماعة، وأن يشجع على سب لفظ الجلالة وأن يدعو إلى الفواحش؟!

وقد تكفّل بهذه المهامّ الإطار التّربوي للإدارة العامة للسّجون والإصلاح وبعض وجوه «الفنّ والثّقافة»، بعد ذلك. ومن وعظهم، ما كان يقوم به« س .ق.» المرشد النّفساني بسجن الهـوارب سنة ١٩٩٣م. ١٩٩٤م تحت إدارة« ف.ر.» بجمع سجناء الرّأي، ويشرح لهم أن اللّواط ممارسة عاديّة لكن الفكر الظلامي الدّيني يستقذره ويستبشعه لا غير، ولا بأس من تعاطيه! وعلى عكس المسلمين من السجناء، ما كان يتمتع به السٌجين اليهوديٌ أو المسيحي في السٌجون التونسّية بالسماح لهم بحرية كاملة في إقامة طقوسهم وشعائرهم، بحضور رجال دياناتهم وتؤدّي هذه الطّقوس في مكاتب أعدت للغرض.. ولهم أن يقرؤوا كتبهم المقدّسة!

حظر سجادة الصلاة!: وفي سعيه للتّصدّي لكلّ ما له علاقة بالدّين، ارتأى« ف.ر» مدير سجن الهوارب حجز كل السجادات، وقام بحملات تفتيش للغرض.... وعمد السيد المدير بعد حجزها، إلى تزيين المكاتب الإداريّة المختلفة بها .. فتراها معلّقة، أو ملقاة على الكراسي.. في المكاتب الإدارية .. لكن لا يجوز للمعتقلين أن يصّلوا عليها .

وكذلك فعل «ر.ع.» مدير سجن المسعدين الذي قد يكون اذاه برد أرضيّة مكتبه، فوضع سجّادة محجوزة تحت قدميه وذلك ما عاينه السّجين « أ. ع.». كما حجز «ع. ع.» مدير سجن برج الرّومي سجّادتي في أغسطس ۱۹۹۹م ولم يسمح لي باسترجاعها حينما نقلت من هناك ..

هذه بعض ملامح التّعامل مع شعائر الدّين و مظاهره في السّجون التونسية ونحن  على يقين من أنّ هناك من الممارسات الكثير الذي لم يبلغنا عنها شيء، ولعلّها أ شدّ فظاعة ممّا  أوردنا في هذه العجالة، لكن حسبنا أن شرعنا في عملية التّوثيق لهذه الفترة، وعساها تكمل الصّورة، ويطّلع من يريد الاطّلاع على واقع مرير، حرصت الإدارة طويلًا على التّعتيم عليه، بمعاقبة كلّ من سمحت له نفسه بنقل شيء من حياته التّعيسة في غياهب السّجون.. إلى العالم الخارجي.

الرابط المختصر :