العنوان الصوم.. الإرادة والنية والتألق الروحي
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 31-أغسطس-1976
مشاهدات 84
نشر في العدد 315
نشر في الصفحة 4
الثلاثاء 31-أغسطس-1976
هذه المعاني الثلاثة من أهم عزائم الصيام، ومن أجل مقاصده العظيمة.
- يظل المسلم أحد عشر شهرًا يأكل كما يشاء، ويشرب كما يشاء، ويتمتع بما أحل الله له في نهار يومه،
وفجأة يكف عن ذلك كله ويصوم.
وهذا الانتقال الكامل من نمط في الحياة إلى نمط آخر مختلف تمامًا، إنما هو عزمة من عزمات الإرادة،
والعزم أو الإرادة هي جماع الأخلاق والفضائل.
ذلك أن الإنسان لا يزل، ولا يعصى إلا حين تضعف إرادته أمام إغراء ما.
وفي العمق يردّ القرآن الكريم مخالفة آدم لأمر ربه إلى فقدان العزم: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَىٰ آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ (طه:115).
ومن هنا كان من شروط التوبة العزم على الاستقامة والعزم على عدم العودة إلى المعصية:
﴿فَتَلَقَّىٰ آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ ۚ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ (البقرة:37).
ومما لا يتفق مع هذا المقصد من مقاصد الصوم الاسترسال مع الهوى، والأسئلة الغريبة عن مضغ اللبان وشرب الدخان مثلًا!
فلقد درج بعض الناس على طرح هذه الأسئلة، كما درج بعض المتصدرين الفتيا على مسايرة السائلين، والدخول في جدل طويل: هل هذه «الهوايات» تفطر أو لا تفطر الصائم.
إنه جدل يتناقض مع أهداف الصيام، ويضاد حقيقته وجوهره؛ لأنه ما دام قد تقرر أن الصوم يربي الإرادة فإن الكلام عن هوايات اللبـــــان والدخان لغو في لغو.
لقد كف الصائم نفسه عن «الضرورات» في نهار رمضان. فالكف عمَّا هو دون ذلك شيء بديهي وتلقائي.
- والنية في الصوم من العزائم الكبرى ومن شروط الصحة فيه.
قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.
- «من لم يجمع الصيام قبل الفجر فلا صيام له»
وقال:
- «من لم يبيت الصيام من الليل فلا صيام له»
وقال:
- «من لم يبيت الصيام قبل طلوع الفجر فلا صيام له»
وهذه الأحاديث توجب تبييت النية وتنفي الصوم عمّن لم يبيت.
إن الإخلاص لله تعالى هو أساس كل عمل وشرط قبول كل عبادة.
ثم إن تجديد النية في كل ليلة منهج يلزم المسلم بأداء العبادات في دائرة الوعي الكامل.
إنه استحضار دائم لمعاني الاستجابة لله وطاعته سبحانه.
وأداء العبادات بوعي كامل يورث المسلم كرمات وفضائل كثيرة منها:
أ- متعة العبادة وحلاوة الإيمان.
ب- حسن الثواب وكبير الأجر: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى.. الحديث»
ج- المرشد العقلي، فمن خصائص العقلاء الراشدين الأسوياء أنهم يؤدون أعمالهم وهم في كامل وعيهم.
- والصوم فرصة للتألق الروحي. والسمو الأخلاقي.
إن الحياة - والحياة العصرية بوجه خاص - حياة مزعجة بصخبها وضجيجها ومادياتها ونوع العلاقات الجافة السائدة فيها.
والهروب من هذه الحياة ليس موقفًا إسلاميًّا؛ لأنه يعبر عن السلبية، وانتباذ المسلم إلى مكان هامشي لا يؤثر في الحياة، ومن شأنه أن يجعل المسلم مجرد رقم سكاني لا يعرف إلا في التعداد السنوي للسكان.
والذوبان في الحياة الصاخبة اللاهية اللاغية ليس موقفًا إسلاميًّا؛ لأنه سلوك عابث، وما خلق الله الناس ليعبثوا وينسوا حقيقة وجودهم ويوم معادهم.
إن التألق الروحي -في هذه الأجواء- هو الذي يحفظ توازن المسلم، ويجعله قادرًا على شق طريقه، ومواصلة السمو الأخلاقي في زحام الفتن وفي دوامة الضجيج والإزعاج.
وسائله إلى ذلك:
إرادة قوية اكتسبها من صيام شهر رمضان.
وحسن توجه إلى الله -عز وجل- بتجديد النية الخالصة في كل ليلة من ليالي رمضان.
والتوجه إلى الله معراج التألق الروحي؛ لأنه يجمع إلى صدق النية. علو الهمة وسمو الغاية.
وتلاوة القرآن الكريم. تصحح التصور وتروي الأفئدة بالآيات البينات.
وقيام الليل يزيد التوحيد صفاءً ويرفعه إلى مقام الإحسان.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل