العنوان شواهد: 700 ألف قتيل خلال سبع سنوات منذ بداية الاحتلال.. وثائق «ويكيليكس» تقدّر ضحايا العراق بثلث عددهم الحقيقي!
الكاتب جمال خطاب
تاريخ النشر السبت 13-نوفمبر-2010
مشاهدات 64
نشر في العدد 1927
نشر في الصفحة 28
السبت 13-نوفمبر-2010
بقلم: جون تيرمان (*)
الوثائق المسربة تشير إلى أن عدد القتلى 215 ألفًا.. ووزارة الصحة العراقية تعلن أن عددهم 400 ألف بينما يصل تقدير معهد «جون هوبكنز» إلى 650 ألفًا
الأربعمائة ألف وثيقة الخاصة بحرب العراق، التي كشفها موقع «ويكيليكس» مؤخرًا أثارت ضجة بخصوص وحشية الاحتلال تجاه المدنيين، وهو ما أهملته وسائل الإعلام عندما نشب الصراع واشتعلت الحرب.. وهناك صحيفتان ناطقتان بالإنجليزية حازتا سبقًا في تقديم الوثائق وهما: «نيويورك تايمز» الأمريكية و«الجارديان» البريطانية، إلا أنهما لم توضحا مقدار الفوضى الأمنية الناتجة عن الحرب.
ورغم قيمتها الكبيرة، فإن الوثائق المسربة تعزز التقديرات المتدنية لعدد القتلى المدنيين في العراق؛ حيث ترفع عددهم بنحو ١٥ ألفًا فوق تقديرات «هيئة إحصاء العراق» (IBC) وهي منظمة غير حكومية مقرها لندن.
والواقع أن الإحصاء الذي يحظى بقبول واسع ما هو إلا نتيجة لمسح واستقصاء للمعلومات، والتقارير التي ظهرت في وسائل إعلام أغلبها باللغة الإنجليزية، وهذه طريقة بدائية في الحصول على مثل هذه المعلومات الخطيرة.
فبالنظر إلى أن جميع حالات الوفاة التي لم يتم الإبلاغ عنها في وسائل الإعلام، وعددًا من الصحفيين الذين تتغير مصالحهم بمرور الوقت، فإن الهيئة نفسها تعترف بأنها ربما تكون قد قدمت تقديرات منخفضة، بما يعني أن التقديرات تصل إلى ۲۰۰ ألف، وحسب البيانات الجديدة، فإن التقديرات لا تقل عن ۲۱٥ ألفًا.. وحتى الآن، فإن التقديرات لا تأخذ في حسابها أعداد القتلى من المتمردين، أو قوات الأمن، أو الوفيات في غير أعمال العنف التي تعزى إلى الحرب.
قصور واضح
وقد قبلت التقارير الإخبارية التي أثارتها وثائق «ويكيليكس» الإحصاءات المنخفضة التي قررتها (IBC) لعدد الضحايا المدنيين كأساس لأعداد القتلى، ولم تكلف نفسها عناء البحث عن مصادر أخرى ذات مصداقية يزيد تقديرها للضحايا أضعافًا عن تقدير «هيئة إحصاء العراق».
وتقول صحيفة «التايمز» عن ذلك: «إن الأرقام تتماشي مع معلومات جمعتها مصادر أخرى تطبق الأسلوب نفسه الذي تستخدمه «هيئة إحصاء العراق»، وفي مقدمتها مكتب الأمم المتحدة في بغداد، ومؤشر «بروكينجز» ومن الصعب التحقق من صحة أو مصداقية المعلومات والإحصاءات الصادرة عنهما من مصدر ثالث مختلف».
وحتى وكالة «أسوشيتد برس» تقوم باستخدام التقديرات والأرقام المنخفضة نفسها الصادرة عن التايمز، و(IBC).
إن إحصاء أعداد القتلى والجرحى في أوساط المدنيين أصبح عملًا مفخخًا يشوبه التضليل والتزييف في خضم الحرب الأهلية البشعة المستعرة في العراق، التي أشعلتها قوات الاحتلال.
والأساليب التي تستخدمها «هيئة إحصاء العراق» وجهات المراقبة الأخرى تعتمد على تقارير من الصحفيين وغرف حفظ جثث القتلى بالمستشفيات، والآن تعتمد على الجنود، وهذه المصادر لا تعرف إلا أعدادًا ضئيلة جدًا من الإصابات.
فالقتلى -على سبيل المثال- الذين يتم التعرف عليهم تأخذهم أسرهم ولا يتم نقلهم إلى المستشفيات، والصحفيون المشهود لهم بالكفاءة والنزاهة أغلبهم يوجد في بغداد، في حين تتركز أعمال العنف وتنتشر بعيدًا في أماكن أخرى.
والوثائق التي حصلت عليها «ويكيليكس» جاءت من الجنود الأمريكان في تقارير بعد انتهاء المعارك، وهذا يعني أنهم كانوا جزءًا منها أو قريبين من مناطق أحداث العنف، وكان عليهم أن يكتبوا تقارير صادقة وصحيحة تحدد الضحايا وتميز المدنيين عن «المتمردين»، وحتى لو فعلوا ذلك، فلا بد أن هناك أحداث عنف أخرى لم يعلموا بها ولم تكتب عنها أي تقارير.
والنقطة الأهم هنا هي أنه بالاعتماد على المراقبين لن يستطيع أحد أبدًا أن يعرف على وجه صحيح ما وقع من إصابات وخسائر في صفوف المدنيين، وقد اعترفت صحيفة «التايمز» بهذا القصور عندما ذكرت أن «التقارير كانت جيدة بقدر ما ادعى الجنود من جودة لها»، ولكن الصحيفة تركت الانطباع الغالب عن أن أعداد الضحايا لا يتجاوز ١١٥ ألف مدني.
دراسات مسحية
وهناك تقديرات أخرى تعتمد على الطريقة المبرهنة والمعتمدة في علم الأوبئة، فقد قام عدد من الباحثين المؤهلين بعمل دراسة ومسح للسكان؛ حيث زاروا عددًا من الأسر في منازلهم وسألوا الناس أسئلة يحددون من خلالها مستوى القتل.
عدة استبيانات ودراسات مسحية من هذا النوع جرت في العراق، اثنتان منهما على الأقل استخدمتا هذا الأسلوب تقريبًا في الوقت نفسه في منتصف عام ٢٠٠٦م واحدة منهما قام بها باحثون من معهد «جون هوبكنز» للصحة العامة، بتكليف من البرنامج الذي أتولى إدارته في معهد (M.I.T) والدراسة الأخرى قامت بها وزارة الصحة العراقية، وكلتا الدراستين توصلتا إلى أعداد أعلى بكثير، رغم أنهما لم يتفقا في كثير من النواحي المهمة.
كانت تقديرات معهد «جون هوبكنز» من خلال الدراسة والمسح الذي أجراه تصل بعدد القتلى إلى ٦٥٠ ألفًا بسبب الحرب، ووصلت تقديرات وزارة الصحة العراقية إلى ٤٠٠ ألف وكلا البحثين يرجعان زيادة أعداد القتلى من المدنيين إلى أسباب ناتجة عن الحرب، ليست كلها بسبب العنف ولكن لأسباب أخرى مثل انهيار النظام الصحي.. وكلاهما قاما بإحصاء القتلى من كل العراقيين، وليس فقط المدنيين أو المتمردين، لأن الخط الفاصل بين المدنيين و المتمردين، يكون غالبًا خطًا ضبابيًا ليس واضحًا.
والتقدير الأهم والأكثر حجية من كل التقديرات السابقة -السلبية والإيجابية- صدر عن صحيفة «الصراع والصحة» في مارس ٢٠٠٨م، حيث تم تقدير أعداد القتلى المدنيين العراقيين من خلال الاستعانة بدراسات وإحصاءات، من بينها دراسة معهد «جون هوبكنز» التي حظيت بتقدير الصحيفة، لأنها استخدمت المنهج الأكثر انضباطًا وصرامة في تقدير أعداد الضحايا.
وقالت الصحيفة: إن «التقارير السلبية التي قدمتها «هيئة إحصاء العراق» ومكتب الأمم المتحدة في بغداد ومؤشر مؤسسة «بروكينجز» تعاني من التقديرات المتدنية وعدم القدرة على الوصول إلى عمليات القتل غير المباشرة».
شواهد موضوعية
وهناك أيضًا شواهد عادة ما يتم التغاضي عنها، اثنان منهما يتمتعان بقوة كبيرة أولهما عدد العراقيين النازحين الذي يتراوح بين أربعة وخمسة ملايين، والمئات من الموجودين منهم في سورية والأردن قالوا في مقابلات: إنهم فروا جميعًا بسبب العنف في أحيائهم.. وفي الحروب عادة لا يزيد عدد القتلى من المشردين على واحد إلى عشرة، ولكن النسبة في العراق واحد إلى خمسة، وهي نسبة تشير إلى ما لا يقل عن ٧٠٠ ألف حالة وفاة في العراق.
وثانيهما عدد الأرامل: وبعضهن ترملن نتيجة حروب سابقة، وقد أعلنت الحكومة العراقية أن عددهن يبلغ ٧٥٠ ألف أرملة.
هذه شواهد واضحة وموضوعية، فحوالي ۷۰۰ ألف عراقي قتلوا خلال سبع سنوات منذ بداية الغزو الأمريكي، في عمليات عنف مباشرة وغير مباشرة.. وهذه التقديرات يمكن أن ترتفع لتصل إلى المليون.
هل للأرقام أهمية؟ وهل قتل ١١٥ ألفًا أخف وطأة أخلاقيًا من قتل مليون؟!
إن وسائل الإعلام الرئيسة في هذا البلد أيدت غزو العراق، وإنه حقًا لشيء مخجل أن الحرب لم تقم فقط على ادعاءات كاذبة، ولكن تبعاتها أيضًا كانت مدمرة وكارثية ومفجعة أكثر بكثير مما حدث على يد صدام حسين.
ما الذي يفسر هذا التقصير بصرف النظر عن عدم رغبة الحكومة الأمريكية العنيدة في تعلم واستخلاص الدروس من تبعات الصراعات البشعة؟ ربما لأنهم يخشون من رد فعل عنيف لليمين الأمريكي، أو يخشون الخزي والازدراء الذي سيصيب الحكومة.
ولكن لهذا الجبن نتائجه الوخيمة، فمنذ أكثر من عام تنسج قصص انتصار الجمهوريين في العراق، ويتم تجاهل أرقام القتلى المدنيين في العراق.. وإذا كان الرأي العام الأمريكي لا يعرف ولا يأبه بقتل الآخرين بسبب وسائل الإعلام، فإن هذا بالتأكيد يسهل التورط الأمريكي في غزو أبشع وأخطر من غزو العراق!
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل