; صراع العلمانيين مع الإسلاميين في الانتخابات المصرية | مجلة المجتمع

العنوان صراع العلمانيين مع الإسلاميين في الانتخابات المصرية

الكاتب مؤمن الهباء

تاريخ النشر السبت 19-نوفمبر-2011

مشاهدات 53

نشر في العدد 1977

نشر في الصفحة 14

السبت 19-نوفمبر-2011

● ليس خافياً أن معظم الصحف التي يقرؤها المصريون تنحاز في هذا الصراع إلى القوى العلمانية انحيازا تلقائيا .. حتى تلك الصحف المسماة بـ القومية لا تسلم من هذا الانحياز

● ما يقال عن الصحف يقال مثله وأكثر عن القنوات الفضائية

● عندما تتحدث وزيرة الخارجية الأمريكية عن عدم الخوف من وصول الإسلاميين للحكم يؤخذ هذا التصريح على أنه إدانة للإسلاميين.. مع أن العلمانيين مرتبطون عضويا وفكريا وماليا بالغرب وبأمريكا على وجه الخصوص

● كلما ظهرت مؤشرات على حسن تنظيم الإخوان في الانتخابات وقدرتهم على الحشد وثقة الناخبين في مرشحيهم.. زادت حملة العلمانيين الذين يدركون جيدا أنهم وإن كانوا يسيطرون على وسائل الإعلام إلا أن الشارع ليس لهم

● حينما جرى تشكيل حكومة د. عصام شرف الأولى والثانية كان هناك حرص شديد على ألا تضم في صفوفها أي عناصر إسلامية.. بينما ضمت عناصر وفدية واضحة وعناصر يسارية مثل د. علي السلمي ود. جودة عبد الخالق ..

● ومع ذلك كلما برز توافق في الرأي بين الإسلاميين وحكومة د. شرف خرجت الأبواق العلمانية تتهم شرف» بأنه إخواني.. وهو نفس التكتيك المستخدم كفزاعة الإرهاب المجلس الأعلى للقوات المسلحة

منذ أن بدأت الخطوة الأولى للثورة المصرية نحو بناء نظام سياسي جديد للدولة، والصراع بين الإسلاميين والعلمانيين يزداد ويتسع، ويأخذ أشكالا جديدة، وفي كل قضية من القضايا المطروحة يظهر هذا الصراع قويا وحادا ، وتنقسم الساحة بسرعة إلى معسكرين متمايزين ومتنابذين لا يلتقيان، تختلف الأسماء والمسميات لكن الجوهر واحد فهناك إسلاميون وعلمانيون وإخوان وليبراليون.. ودينيون ومدنيون.. وتحالف ديمقراطي وكتلة مصرية.

ظهر هذا الصراع في قضية «الانتخابات أولاً أم الدستور»، وهي القضية التي حسمها استفتاء ۱۹ مارس الماضي، بموافقة ٧٧ من المصريين على الانتخابات أولا؛ ما أعطى انطباعا عاما لانتصار الإسلاميين، ثم ظهر مرة أخرى مع انطلاق الحوار الوطني الذي دعا إليه د. يحيى الجمل، نائب رئيس الوزراء السابق، وقاطعته القوى الإسلامية، وانتهى الجدل بإقالة د. يحيى الجمل في تعديل وزاري محدود .

وظهر الصراع مرة ثالثة مع الحديث عن المواد فوق الدستورية، ورغم وجود قوى أخرى غير إسلامية رفضت هذه المواد فإن المعركة كانت بين المعسكرين التقليديين... الإسلاميين والعلمانيين.. ثم ظهر الصراع مرة رابعة مع صدور قانون الانتخابات والانقسام حول الانتخاب الفردي أم الانتخاب بالقائمة.

وأخيراً ، وصل الصراع ذروته بين المعسكرين حول ما سمي بـ وثيقة السلمي... وهي الوثيقة التي أصدرها د. علي السلمي نائب رئيس الوزراء حول المواد التي قال: إنها تشكل أساس الدستور، وقواعد اختيار أعضاء اللجنة التأسيسية التي ستقوم بوضع الدستور الجديد.

وقد رأت القوى الإسلامية أن هذه الوثيقة تصادر مسبقا على اختيار الشعب وإرادته التي سوف يكشف عنها في الانتخابات البرلمانية القادمة، حيث إن مجلس الشعب الجديد هو من سيقوم باختيار اللجنة التي ستضع مسودة الدستور، ثم يجرى استفتاء الشعب عليه حسبما جاء في الإعلان الدستوري في 19 مارس الماضي.

على الجانب الآخر. رأت القوى العلمانية التي تتدثر بالليبرالية . أن هذه الوثيقة ضرورية جداً لحماية مدنية الدولة، وحتى لا يترك أمر الدستور بالكامل للحزب أو التيار الذي سيشكل الأغلبية في مجلس الشعب القادم وهو في يقينها التيار الإسلامي وليس غيره. والحقيقة أن هذا الصراع يعكس تخوف القوى العلمانية الدائم من سيطرة الإسلاميين على مجلس الشعب القادم، فهناك تقديرات تقول: إن حزب الحرية والعدالة - الذراع السياسية لجماعة الإخوان المسلمين - سوف يحصل وحده على ٤٠% من مقاعد مجلس الشعب وهذه النسبة سوف ترتفع إلى ٦٠% إذا ما ضمت إليه مقاعد القوى المتحالفة معه في التحالف الديمقراطي، والقوى الإسلامية الأخرى التي تخوض الانتخابات في تكتل آخر هو التحالف الإسلامي الذي يضم الأحزاب السلفية، بينما تتضاءل احتمالات فوز القوى العلمانية، خصوصاً ما يدعو منها صراحة إلى الفصل بين الدين والدولة، ومعظم هذه القوى والأحزاب كان على علاقة طيبة مع نظام مبارك.

وتخشى القوى العلمانية من أن سيطرة الإسلاميين على البرلمان القادم سوف تنعكس تلقائيا على تشكيل اللجنة التأسيسية التي ستقوم بصياغة الدستور الجديد وبالتالي يأتي هذا الدستور منحازا لإرادة الإسلاميين وحدهم؛ ومن ثم فإنهم يتكتلون وراء وثيقة السلمي ، ويطالبون بالتوافق من الآن وقبل الانتخابات حتى يأتي الدستور معبراً عن الأمة وليس عن الحزب أو التيار الغالب.

أما الإسلاميون، فإنهم يرفضون الوثيقة من حيث المبدأ، ويصرون على عدم الانزلاق إلى مناقشة أي من بنودها، فهي مرفوضة لأنها تستبق الانتخابات وتتقاطع مع خريطة الطريق التي أقرها الشعب في استفتاء مارس.

ولم يشارك الإسلاميون حتى في الاعتراض العام على بعض البنود التي أثارت جدلا واسعا حول دور القوات المسلحة خلال المرحلة القادمة، حيث اعترضت بعض القوى العلمانية وشباب الثورة على المواد التي أعطت القوات المسلحة حقا في الاحتفاظ بسرية ميزانيتها، وحقاً في تعيين أعضاء في اللجنة التأسيسية لصياغة الدستور وحقا في حراسة مدنية الدولة.. ومع هذه الاعتراضات، فإن هذه القوى العلمانية توافق على وضعية جديدة ومتميزة في الدستور للقوات المسلحة، ومن ثم فهي تطالب بإجراء تعديلات على الوثيقة التي يرفضها الإسلاميون شكلا ومضمونا.

وليس خافيا أن معظم الصحف التي يقرؤها المصريون تنحاز في هذا الصراع إلى القوى العلمانية انحيازا تلقائيا، لا يختلف في النوع ولكن يختلف في الدرجة، وحتى تلك الصحف المسماة بـ القومية لا تسلم من هذا الانحياز إما رغبة في التقرب من السلطة الحالية المتمثلة في حكومة د. عصام شرف والمجلس الأعلى للقوات المسلحة، وإما رهبة من أن تتهم بالوقوف مع الإخوان والسلفيين ونادرا ما تجد في تلك الصحف جميعا تقريرا متوازنا يقدم وجهة نظر الإسلاميين كما هي دون تحريف أو تشويه، وإن كانت تستضيف الصحف أحيانا كاتبا يدافع عن الإسلاميين في مواجهة سيل الاتهامات، ويمثل هذا الكاتب الاستثناء عن القاعدة العريضة.

وما يقال عن الصحف يقال مثله وأكثر عن القنوات الفضائية وضيوفها وبرامجها وأخبارها وتحليلاتها، ومعظمها ينحاز إلى - ولا أقول يتبنى - وجهة نظر العلمانية.

أما المجلس الأعلى للقوات المسلحة - الذي يمثل قمة السلطة في مصر - فإنه يحرص حرصاً شديداً على أن يكون بينه وبين الإسلاميين خطوة فاصلة أو عدة خطوات حتى لا يتهم من قبل آلة الدعاية العلمانية بالسقوط في يد الإسلاميين، وكان المجلس قد اتهم فعلا بذلك عندما شكل لجنة لوضع مسودة الإعلان الدستوري برئاسة المستشار طارق البشري الفقيه القانوني المعروف المحسوب على القوى الإسلامية، وضمت اللجنة إلى جانب آخرين المحامي صبحي صالح عضو جماعة الإخوان ومن بعدها لم يقترب المجلس العسكري من أي وجوه إسلامية رغم أن الإسلاميين كانوا - وما زالوا - أكثر القوى تأييداً لقراراته الخاصة بمحاربة البلطجية وتحقيق الاستقرار الأمني.

استبعاد الإسلاميين من الحكومة

وحينما جرى تشكيل حكومة د. عصام شرف الأولى والثانية، كان هناك حرص شديد على ألا تضم في صفوفها أي عناصر إسلامية، بينما ضمت عناصر وفدية واضحة وعناصر يسارية د. علي السلمي، ود. جودة عبد الخالق على سبيل المثال.

وكلما برز توافق في الرأي بين الإسلاميين وحكومة د. شرف - رغم ذلك - خرجت الأبواق العلمانية تتهم رئيس الوزراء بأنه إخواني، وهو نفس التكتيك المستخدم كفزاعة لإرهاب المجلس الأعلى للقوات المسلحة، حتى سأل أحد الكتاب العلمانيين أعضاء المجلس العسكري صراحة ذات مرة كم إخوانيا بين صفوفكم ؟! ومن يومها لم يدع أي كاتب أو مفكر إسلامي للحوار مع المجلس الأعلى للقوات المسلحة، وترك الحوار برمته للكتاب والصحفيين العلمانيين.

وحتى عندما أراد الإمام الأكبر شيخ الأزهر د. أحمد الطيب أن يدعو بعض المثقفين للحوار حول ما سمي بعد ذلك به وثيقة الأزهر لتوضيح المرجعية الإسلامية جاء بمفكرين وكتاب علمانيين، واستبعد الإسلاميين الذين التمسوا له العذر في ذلك على ما يبدو.

وإذا كانت هناك أمور قد أصبحت محسومة، وفي حكم الثوابت التي لا خلاف عليها، كالمادة الأولى من الدستور التي تؤكد حق المواطنة بين جميع المصريين بصرف النظر عن الدين أو الجنس أو العرق أو اللون والمادة الثانية التي تنص على أن الإسلام هو دين الدولة الرسمي والشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع، فإن هناك أمورا أخرى مازالت محل شد وجذب دائمين بين الإسلاميين والعلمانيين في المعركة الانتخابية مثل التحالفات والشعارات والتمويل والعلاقة مع الغرب.. أمريكا تحديدا.

وفي هذه القضايا يواجه الإسلاميون اتهامات مركبة، فعندما خرج إلى الوجود التحالف الديمقراطي بقيادة حزب الحرية والعدالة - الإخوان - ومشاركة حوالي ٦٠٪ حزباً وائتلافا، انطلقت آلية الدعاية العلمانية تتحدث عن عملية الخداع الكبرى التي يمارسها الإخوان على الجميع، بمن فيهم الوفد والناصريون ونجحت جهود الوقيعة في خروج الكثير من الأحزاب القديمة من التحالف، وهنا أيضا كان الإخوان محل اتهام كبير بأنهم أرادوا السيطرة على الأحزاب الأخرى وفشلوا.

وعندما خرج السلفيون من التحالف الديمقراطي ليشكلوا التحالف الإسلامي بعيدا عن الإخوان هللت الأبواق العلمانية مؤكدة أن الإسلاميين وقعوا مع بعضهم بعضا بسبب الأطماع الانتخابية، وأنهم لا يحفظون أي اتفاق، ثم عندما أعلن عن تنسيق بين الإخوان والسلفيين في انتخابات المقعد الفردي حتى لا يواجه إسلامي إسلامياً، عادت الدعاية العلمانية إلى اتهام الإسلاميين بالعمل على السيطرة الكاملة على البرلمان القادم.

ودائما ما تتحدث عناوين الصحف عن تمويل السلفيين الذي يأتي من الخليج وعن المبالغ الطائلة التي ينفقها الإخوان في مساعداتهم الاجتماعية للمحتاجين في المناطق العشوائية، وللطلاب غير القادرين في الجامعات، لكن هذه الصحف أبدا لم تتناول بالتجريح القوى العلمانية، وتنشر على استحياء اعترافات السفيرة الأمريكية بشأن تمويل بعض المنظمات والأشخاص والأحزاب دون أن تتعمد إثارة الناخبين على هؤلاء المنتفعين بالتمويل الخارجي.

وتتعمد القوى العلمانية مهاجمة شعار الإسلام هو الحل، الذي اختاره الإخوان لحملتهم الانتخابية، استنادا إلى حكم قضائي صدر في ظل حكم «مبارك»، يؤكد أن هذا الشعار ليس دينيا، وإنما هو شعار سياسي؛ وبالتالي فإنه لا يخضع للحظر الذي يفرضه القانون المستحدث على الشعارات الدينية.

أمريكا.. والإسلاميون: وعندما تتحدث وزيرة الخارجية الأمريكية «هيلاري كلينتون» عن عدم الخوف من وصول الإسلاميين للحكم في دول الربيع العربي وأن الإدارة الأمريكية يمكن أن تتحاور وتتفاهم مع الإخوان المسلمين تحديدا والإسلاميين عموما، يؤخذ هذا التصريح مباشرة على أنه إدانة للإسلاميين، واعتبار علاقتهم الجديدة مع أمريكا نقيصة.. مع أن العلمانيين - كما هو معروف - مرتبطون عضوياً وفكرياً ومالياً بالغرب، وبأمريكا على وجه الخصوص.

ومن العجيب أن القوى العلمانية استطاعت بشكل أو بآخر استقطاب العديد من الطرق الصوفية إلى صفوفها نكاية في الإسلاميين السلفيين تحديدا، كما استطاعت أن تضم إليها كثيرا من التنظيمات والأحزاب والائتلافات المسيحية الناشئة والتنظيمات النسائية أيضا، وإقناعها بأنها المعبرة عن مصالحها والضامنة لمستقبلها في مواجهة التشدد الإسلامي، وذلك على الرغم من الجهود التي يبذلها الإخوان منذ زمن بعيد ويبذلها السلفيون في مراحل متأخرة للتعبير عن مواقف أكثر اعتدالا تجاه المسيحيين والمرأة.

ورغم أن الإخوان قد حافظوا على وعدهم بعدم الترشيح في الانتخابات الرئاسية القادمة، فإنهم لم يسلموا من النقد اللاذع عندما اتخذوا قرارا بفصل د. عبد المنعم أبو الفتوح الذي لم يلتزم بالوعد، وقرر منفردا الترشح للانتخابات، وقيل في ذلك النقد : إن الإخوان لا يقبلون بغير السمع والطاعة ... مع أنهم لو لم يفعلوا ذلك لاتهموا بممارسة الازدواجية ونقض العهد وخداع الآخرين.

وكلما ظهرت مؤشرات على حسن تنظيم الإخوان في الانتخابات، وقدرتهم على الحشد، وثقة الناخبين في مرشحيهم زادت حدة الصراع مع العلمانيين الذين يدركون جيدا أنهم وإن كانوا يسيطرون على وسائل الإعلام إلا أن الشارع ليس لهم؛ وبالتالي فإنهم بعيدون عن صناديق الانتخابات وعن نبض الجماهير، وسوف تأخذهم مواقفهم المتطرفة إلى مزيد من العزلة والتقوقع.

الرابط المختصر :