; بلغاريا.. فاز الديمقراطيون وكسب المسلمون الأتراك الجولة | مجلة المجتمع

العنوان بلغاريا.. فاز الديمقراطيون وكسب المسلمون الأتراك الجولة

الكاتب يوسف العثمان

تاريخ النشر الثلاثاء 06-مايو-1997

مشاهدات 92

نشر في العدد 1248

نشر في الصفحة 28

الثلاثاء 06-مايو-1997

 

• حركة الحقوق والحريات الممثلة للأتراك تقود تحالفًا سياسيًّا يحتل المرتبة الثالثة

• المسلمون الأتراك أصبحوا «رمانة الميزان» بين الحكومة والمعارضة

صوفيا: يوسف عثمان 

في التاسع عشر من إبريل المنتهي قالت صناديق الاقتراع كلمتها الأخيرة، وحسم الناخبون البلغار أمر اختيار ممثليهم المائتين وأربعين في البرلمان الجديد.. في هذا اليوم تم تحديد معالم الخارطة السياسية الجديدة، والصورة المتوقعة لما ستكون عليه الدولة البلغارية في المرحلة المقبلة، ونبدأ بالنتائج. 

أسفرت الانتخابات البرلمانية التي تم الاتفاق على إجرائها بعد الأزمة السياسية والاضطرابات الشعبية -التي عصفت بالدولة في شهر يناير الماضي- عن فوز ساحق لتحالف القوى الديمقراطية، بأغلبية أعضاء البرلمان «137 مقعدًا من 240» وفي الطرف المقابل تراجعت مقاعد الحزب الاشتراكي الحاكم في الفترة «1995- 1997م» من 125 إلى 58 نائبًا، أما المفاجأة التي راهن عليها الكثيرون فهي تجاوز حركة الحقوق والحريات بتحالفها الجديد «تحالف الإنقاذ الوطني» الـ4% المطلوبة وتحقيقها نسبة 7.9% «19 نائبًا» محتلة المرتبة الثالثة، ثم جاء بعدها اليسار الأوربي - منشق عن الحزب الاشتراكي- حاصلًا على 14 مقعدًا، وأخيرًا تجمع رجال الأعمال «12 مقعدًا»، وسنكتفي هنا بتسليط الضوء على مفصلين مهمين: الأول: يتعلق بالفائز وتوجهاته، وإلى أين سيسير بالدولة البلغارية؟ والثاني: يرتبط بفوز حركة حقوق الإنسان والحريات والتوقعات المحتملة. 

التحالف الديمقراطي.. ماذا بعد الفوز؟ 

حصل تحالف القوى الديمقراطية على أغلبية مقاعد البرلمان، الأمر الذي يؤهله إلى جانب تشكيل الحكومة لاتخاذ كافة القرارات البرلمانية المناسبة دون معوقات، إلا أن التحالف لا يحبذ خوض التجربة منفردًا لأسباب عدة أهمها: 

- أنه لا يريد أن يتحمل بمفرده التركة الثقيلة التي خلفتها له الحكومة الاشتراكية السابقة، وخاصة أن البلاد تعج بالمشاكل المتراكمة والمتراكبة. 

- لأن شعاراته الانتخابية كانت تدور حول الوفاق الوطني، ومشاركة الجميع في التجاوز ببلغاريا المرحلة الحرجة التي تمر بها. 

- لإعطاء صورة سياسية مستقرة مرضية ومقنعة للمؤسسات المختلفة الأوربية والدولية للحصول على الدعم المناسب المطلوب. 

ولكن هذا لا يعني أنه سيتمكن من إقناع خصومه الآخرين باقتسام المسئولية معه؛ لأن الجميع يقدر عمق المخاضة التي تعترضهم، كما يقدر أيضًا التبعات المترتبة على الفشل، ولهذا قد لا يجد تحالف القوى الديمقراطية مفرًّا من الرضوخ للأمر الواقع وتشكيل الحكومة المقبلة منفردًا، لكن بالطبع بعد أن يمهد الأجواء الشعبية لذلك، ليغدو حكمه كحكم المضطر. 

في الجهة الأخرى فإن الأحزاب ما بين متخوف محاذر وطامع مستغل؛ أما المتخوف فقد بينا أسباب توجسه من خوض هذا الاختبار، وأما الطامع فيجدها فرصة مناسبة للحصول على أكبر قدر من الحقائب الوزارية، وبين حذر ذا وجشع ذاك يترجح الاحتمال الثاني الذي ذكرناه. 

الدولة ككل حكومة وشعبًا في وضع صعب، فالحكومة ليس لديها ما تفاوض الآخرين عليه، مؤسسات كانوا أم دولًا، والشعب همه الوحيد أن يجمع اللحم إلى الخبز، وباختصار فإن التماسك الداخلي مفقود، وبالتالي فليس في يد الحكومة القادمة أي أوراق قوية تلعب بها، ولذا فلن يتعدى دورها دور المنفذ والمطبق للمطلوب منها، ولن نجانب الصواب إن ضغطنا مجمل الواقع البلغاري في جملة واحدة «بلغاريا.. للبيع» هل سيكون المشتري أمريكيًّا أم أوربيًّا أم سيتم اقتسامها؟ هذا سابق لأوانه، إلا أن الواضح أنه كيفما كان شكل ولون ورائحة المشتري فلن يكون الدب الروسي لأنه -كما يبدو- قد خرج من اللعبة خاسرًا «حتى الآن»، أما الدولة العبرية فستظل المرشح الأكبر للخروج بنصيب الأسد من هذا المزاد.

إذن.. بلغاريا لم تعد تملك «بقوة سيادة الدولة» أن تقرر مع من هي وضد من، فالديمقراطيون يودون الخروج أمام ناخبيهم كما يقال ببياض الوجه، ولن يتسنى لهم ذلك إلا بالهرولة نحو الغرب والدولة العبرية، وإن كان الحديث عن العلاقات الخارجية سابقًا لأوانه الآن، إلا أن المؤشرات تعطي انطباعًا أوليًّا لا نظنه سيخالف الحقيقة كثيرًا. 

ومن هنا نعتقد أن الديمقراطيين سيبحثون عن الهوية الأوربية على حساب العلاقات العربية والإسلامية عمومًا، وما سعيهم لتحجيم التواجد العربي خاصة، والأسيوي عامة في بلغاريا «بسن قوانين متشددة معهم» إلا مؤشر من هذه المؤشرات. 

وإن تطرقنا بالحديث عن الاهتمامات العربية وجدناها تتقزم تمامًا في بحيرة السلام الشرق الأوسطي، وردود الفعل المتكررة على الصلف الصهيوني، لذا فليس من المستغرب أن تهمل بلغاريا في مجمل العلاقات الخارجية التي تراوح مكانها. 

حركة الحقوق والحريات.. مفاجأة انتخابية

وعلى الرغم من اللكمات السياسية الشديدة التي تعرضت لها طيلة الأيام الأخيرة التي سبقت الانتخابات فوق الحزام وتحت الحزام من تحالف القوى الديمقراطية -الشريك القديم- أجبرت حركة الحقوق والحريات في الداخل والخارج على الاعتراف بقوتها وقوة قاعدتها الصلبة التي مكنتها من الفوز، وهذا كله بالتأكيد يصب في مصلحة زعيمها أحمد دوغان.

بقاء الحركة على الساحة -رغم ما عليها من ملاحظات- يظل في مصلحة المسلمين في بلغاريا على المدى القريب والبعيد، فعلى المدى القريب يجنب الورقة المسلمة التشتت بين خصومها، ويجمع المسلمين حول حزب واحد يراعي على الأقل مصالحهم واهتماماتهم ولو على الأقل أيضًا لمصلحة انتخابية حزبية أو شخصية، وعلى المدى البعيد فإن استمرارها بهذه السلبيات من المحال، واستمرار بعض الشخصيات المشبهة في مراكزها القيادية كذلك غير ممكن، وبالتالي فوجود حزب يمثل المسلمين له مكانته وأهميته السياسية يظل مطلوبًا ومهمًّا، بل مفروضًا، ومن هنا نستطيع أن نفهم مغزى الدعوة التي وجهها رئيس الوزراء التركي نجم الدين أربكان للبلغار الأتراك المتواجدين على أراضيه وخاصة في مدينة «بورصة» التركية، الذين تم تجهيزهم من بلغاريا في عام 1984م بوجوب التصويت لحركة الحقوق والحريات، رابطًا بين التصويت لها وبين حصولهم على إقامات أو جنسيات تركية. 

أحمد دوغان.. يبعث الحياة في جثث سياسية

بعد خروج الحركة من التحالف الديمقراطي، ودخولها في تشكيل التحالف الجديد «تحالف الإنقاذ الوطني» راهن المراقبون على إمكانية دخولها البرلمان هذه المرة لأسباب أبرزها: 

- التحالف الجديد ضم حزبًا ملكيًّا، وآخر زراعيًّا، وثالثًا ليبراليًّا، ورابعًا ديمقراطيًّا جمهوريًّا؛ أي أنه يضم المتناقضات التي ستسارع بتبعثره.

- رؤساء هذه الأحزاب باستثناء الحركة ليست لهم أسهم شعبية أو قيمة سياسية يعتمدون عليها. 

- الانشقاق الحاصل في جسد الحركة وانفصال عدد من كوادر الحركة في الشمال عن الجسد الأم وتحالفهم مع «تحالف القوى الديمقراطية» ضد الحركة وتحالفها الجديد.

- الهجوم الذي استهدف تشويه الحركة وقيادتها في عيون ناخبيها قبيل موعد الانتخابات، من طرف التحالف الديمقراطي أو بتحريض منه. 

كل هذه مجتمعة لم تستطع أن تحول دون دخول الحركة تحت قبة البرلمان، فضلًا عن أن يتم عزل دوغان أو إسقاطه من منصبه، وإنما الذي حصل أن دوغان أكد أن خروجه من التحالف القديم لن يؤثر أولًا على تواجده -حزبًا وشخصية- على الساحة، وثانيًا أنه سيضمن لمن يتحالف معه دخول البرلمان، وهذا الذي كان؛ إذ ضمن لرؤساء هذه الأحزاب الأربعة المتحالفة معه مقاعد في البرلمان الجديد، الأمر الذي دفع أحد الصحفيين ليلة إعلان النتائج لسؤال دوغان وهو يتوسط المنصة مزهوًّا بالفوز: ما هو شعورك الحالي وأنت قد بعثت الحياة من جديد في جثث سياسية بالية؟ وهذا يوضح إلى أي مدى تقريبًا وفق دوغان في حركته تلك في الخروج من التحالف الديمقراطي الذي كانت تشكل فيه الحركة العنصر الأصغر، وبالتالي احتمال ذوبانها في الكل، والدخول فيتحالف تبرز فيه، ويترك لها فرصة المراوغة السياسية مع طرفي حلبة الصراع «الحكومة والمعارضة». 

هذا من جهة الحركة، أما من جهة معارضيها، فقد تحطمت آمالهم على صخرة فوز الحركة، وتبخرت آمالهم في إقصاء قيادتها؛ أي بمعنى آخر انتهوا سياسيًّا، وأيضًا شعبيًّا بين الأتراك تحديدًا.

الوحيد الذي استفاد من معارضته لدوغان هو: غونير طاهر أشد وأنشط وأبرز معارضيه في منطقة الشمال، إذا ضمن له التحالف الديمقراطي مقعدًا في البرلمان القادم، لكنه خسر بالطبع تركيته كما يرى أبناء قومه، وهكذا يكون دوغان قد خرج هذه المرة منتصرًا وكالمعتاد بعدة عصافير مرة واحدة. 

التحالف الديمقراطي.. يعرف أهمية الحركة ودوغان في الشارع السياسي، ولهذا ما فتئ قبيل الانتخابات بقليل وبعدها يحاول استرضاء الحركة معللًا هجومه السابق عليها تارة بأنه ليس ضد الحركة، وإنما ضد من تتحالف معهم، وتارة أخرى بالاعتذار عن تصرف من أسماهم بالمخطئين سياسيًّا، دوغان ليس بالجديد على الكر والفر، لذا لن يتناسى بسهولة المؤامرة التي حيكت ضده لأجل إقصائه عن الحلبة، وقد دلل على هذا بعدم حضوره اللقاء التشاوري الذي دعا إليه رئيس التحالف ورئيس الوزراء المرتقب «إيفان كوستف» في 21/ 4/ 1997م ليثبت لكوستف أنه ليس رهن الإشارة كما يعتقد، وأن قائمة تصفية الحسابات بينهم طويلة، وقد رد كوستف على هذا الإحجام باعتباره إشارة لبداية غير مشجعة. 

احتمالات المستقبل 

إذن كيف تتكون العلاقة المستقبلية بين الطرفين؟

الاحتمال الأول: أن يسعى الديمقراطيون حثيثًا في استرضاء دوغان ليضمنوا أصوات تحالفه التسعة عشر في التصويت لتغيير بعض مواد الدستور المهمة بنظرهم، والذي يتطلب حصولهم على ثلثي أصوات البرلمان، وبدون هذا التغيير لن تتمكن الحكومة القادمة من التحرك بحرية في حربها ضد الجريمة المنظمة، وملاحقة الأموال المهربة، وتيسير أمر استقدام رءوس الأموال المستثمرة.

الاحتمال الثاني: أن تبدأ لعبة شد الحبل بين الطرفين، فتعمل الحركة على رد الصاع صاعين للديمقراطيين، ويسعى الديمقراطيون بالرد عليها بالتدخل في دار الإفتاء مثلًا أو الكيد لها من داخلها أو خارجها، وهذا بالطبع سيعود بالضرر على الجو السياسي العام المطلوب هدوؤه، كما سيعود بالضرر الأكبر على المسلمين الذين لم يهنئوا بعد بزوال الحكم الاشتراكي سيئ الذكر. 

الاحتمال الأول هو الأقوى لكون الرئيس الديمقراطي «بيتر ستويانوف» يعمل منذ الآن على الظهور بمظهر الديمقراطي الغربي المحافظ على حقوق الإنسان، وأنه رئيس للجميع، ولذا لن يترك الحبل على غاربه للحكومة القادمة بالاصطدام مع اليسار أو اليمين، فما بالكم بالاصطدام بكتلة شعبية غير مهملة. 

الأيام القادمة هل ستكون في صالح المسلمين أم لا؟ هذا يعتمد في المقام الأول على تحركهم ومطالبتهم بحقوقهم المواطنية، وفي المرتبة الثانية على تحرك الدول والهيئات الإسلامية في الخارج، وإن كانت ملامح الفترة المقبلة مبشرة، وعلامات الانفراج في حال المسلمين بادية، لكن يشوب هذا التفاؤل أمران: الأول: التغلغل اليهودي المتزايد، والثاني: انقياد الدولة العام للمطالب والشروط الغربية أو الخارجية ككل. 

وحتى يكون لحديثنا وقع أكبر فليس أمامنا سوى الانتظار وإعطاء الديمقراطيين مدة كافية لإثبات حسن أو سوء نواياهم.. وهذا لن يطول.

الرابط المختصر :