العنوان مشكلتي - صرخة من الأعماق؟
الكاتب د. يحيى عثمان
تاريخ النشر الجمعة 30-ديسمبر-2011
مشاهدات 56
نشر في العدد 1982
نشر في الصفحة 52
الجمعة 30-ديسمبر-2011
أستاذي الجليل السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، اسمح لي أن تصحبني في رحلة إلى أعماق نفسي، وتأكد أنها تتشابه في كثير مع آخريات، بل وأؤكد ذلك من واقع علاقاتي العديدة مع قريباتي وصديقاتي وجيراني..
وقبل أن تبدأ بالرحلة أعرفك بنفسي، أنا فتاة متوسطة تقريبا في كل شيء، سواء من حيث المستوى الاجتماعي جامعية، جمالي عادي الحمد لله، متدينة أهتم بعقلي كما أهتم بشكلي، صداقاتي مع فتيات محترمات، وحيث إنني بنت على خلق، فلم أعش مراهقتي كبعض الفتيات العابثات، وحرصت على ألا أسمح لأي زميل بالجامعة بأي خصوصية، ووفقني الله، وعملت بوظيفة مناسبة، وانتظرت وانتظرت وانتظرت حتى بلغت الآن نهاية العشرينيات، وشبح عيد ميلادي الثلاثين يؤرقني كابوس تتصارع معه عقارب ساعتي، وأشباح أعماري ۳۱ و ۳۲، ۳۳.. وأخواتهن تطاردني.
طبعًا تقدم لي منذ كنت في الجامعة أكثر من ٢٥ شابا ، نصفهم تقريبا اعتذرنا لهم لعدم مناسبتهم لي، والنصف الآخر اعتذروا هناك الكثيرات ممن هن أقل مني سواء في الشكل أو التعليم أو المستوى الاجتماعي من تزوجن ولهن بيت وزوج وأولاد .. هل تحس بي؟! رغم قناعتي الكاملة بأنه كان لزاما علي أن أرفض من تقدموا لي، إلا أنني أجاهد نفسي على ألا أندم، وحاليا أكاد أصل إلى قناعة ما، أن أقبل أول من يتقدم لي - إذا تقدم أحد حتى ولو سيمنحني لقب مطلقة!! أليس من حق نفسي علي أن أسمح لها بأن تخوض التجربة، وحتى ولو كنت متأكدة بفشلها، هل تعلم أن لقب مطلقة أفضل من لقب عانس؟ أليس من حقي أن أعيش الحياة الزوجية، ولو حتى لبضعة أيام؟
إن نظرات الشفقة من أهلي تقتلني أريد أن أنهي هذه المرحلة المملة من حياتي أريد أن أحكي عن قسوة زوجي وبخله، وطول لسان والدته .. كل هذا أفضل من انتظاري من يتقدم وأحتار ماذا ألبس وكيف أتحدث و .. و .. وكيف أقدم له التحية !! ثم أنتظر ولا توجس طالبة في الثانوية العامة !! أكاد أصرخ أنا موافقة مهما كان من عيوب.. لقد تعبت وقررت الزواج أو لعلك تقول لي: «انتحار زواجي» ألا توافقني؟!
الحل
ابنتي الكريمة، شكراً لك على هذه الرحلة التي سمحت لي فيها بالتعرف على مشاعرك، وفي البداية دعيني أقدر صراحتك، بل وشجاعتك في التعبير البليغ عما يجول بخاطرك، ومع كل تقدير لمشاعرك واحتياجاتك، وحقك في ممارسة الحياة بكل تجاربها، لكن قرار الزواج ليس كقرار قبول وظيفة ما، إذا لم تتوافق معي استقلت أو جهة العمل أقالتني.
إنها تجربة حياتية تؤثر في النفس تأثيراً عميقا، إنك تتحدثين وكأن الزواج ثوب أحاول ارتداءه، وإن لم يتوافق معي خلعته طبعا هناك فرق شاسع بين من تتخذ قرار الزواج بعد الدراسة والتحليل والاستشارة والاستخارة وتتوكل على الله، ويتم الزواج، ثم يقدر الله العليم الحكيم بفض هذا الميثاق الغليظ، ولله الحمد من قبل ومن بعد، وبين من تطرح خاطرة أن تقبل أول من يتقدم لها لمجرد أن تخوض التجربة، هذا فعلا كما توقعتي مني ليس قرارا بالزواج، ولكن وسيلة للانتحار الاجتماعي !
إن الطلاق ليس بكارثة، ولا هو نهاية العالم، بل قد يكون هو الحل المناسب عندما تتعذر الحياة بالمعروف لزواج كانت كل الآمال منعقدة عليه بالمودة والرحمة، وقد تقيمه عقليا ووجدانيا، فرجح قرار الزواج، ولكن الغيب لا يعلمه إلا علام الغيوب، وطبعا لا يمكن المقارنة بين الحالتين ويأثم الولي إذا زوج المرأة المسلمة بمن يضيعها.
ومن قال: إنه يمكن الطلاق وينتهي الأمر، للأسف هناك دعاوى طلاق منذ سنين وما ينتج عنها من قضايا فرعية، حضانة ونفقة ونشوز وطاعة و.. إلخ، وكأنه سيرك يتبارى فيه المحامون بمستقبل الزوجين، ناهيك عما قد يخلفه من أبناء ومسؤولياتنا تجاههم، وقال الرسول ﷺ: «كفى بالمرء إثماً أن يضيع من يعول»، فما بالنا بمن ضيع نفسه قبل أن يضيع من يعول.
جناية على الأسرة
وإن كان من حق الزوجة – إن لم تحسن اختيار الزوج – أن تخلع زوجها، أو طلب الطلاق للضرر، فهل من حق أبنائها أن يخلعوا أباهم السيئ الذي اختارته لهم؟ لقد جنت على أبنائها حينما ضيعتهم بقبول الزوج الذي لا يغلب عليه جانب الصلاح بدعوى إن لم تتوافق معه، فالانفصال وحصولها على لقب مطلقة أفضل من لقب عانس، وغفلت أو تغافلت أنها قد تجني بقرارها هذا على ذرية شاء الله أن تكون من هذا الزوج غير المناسب لها، ويقول العزيز الحكيم ﴿وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ۛ وَأَحْسِنُوا ۛ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (البقرة: 195)، ونسأل الله العفو والعافية، واسألي من يعانون في حياتهم الزوجية رجالا ونساء.
إن الإحسان هو بذل الجهد للوصول إلى أعلى درجات الإتقان في كل عمل نقوم به حتى في ذبح ما أحل الله له فيقول الرسول : «إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليحدّ أحدكم شفرته، وليرح ذبيحته (الراوي: شداد بن أوس المحدث: الألباني المصدر : صحيح النسائي، الصفحة أو الرقم: ٤٤١٧ خلاصة حكم المحدث: صحيح).
ولعل من أهم القرارات التي يتخذها المسلم في حياته هو قرار اختيار الزوج.. وكما ورد في الحديث: «ما استفاد المؤمن بعد تقوى الله خيرا من زوجة صالحة» (الجامع الصغير رقم ۷۸۱۱ ، حديث حسن)، ونعمة الزوج الصالح للمؤمنة تفضل نعمة الزوجة الصالحة للمؤمن، لأن للمؤمن حق التعدد، أما المؤمنة فهي محبوسة على زوجها أو الطلاق فكيف تهون عليك نفسك، وتقبلين أن تتزوجي بأول من يتقدم إليك وتضيعي حسن الاختيار؛ حتى يكون الزوج نعمة ؟! ورغم قيمة وأهمية دور المرأة كزوجة وأم واحتياجاتها لأن تجد ذاتها في مملكة خاصة بها تمارس فيها كل أنواع التفاعل العائلي، لكن لله الحكمة البالغة في قضائه، ولعلك لا تعلمين ابتلاءات بعض الزوجات، ولولا أنهن قد ابتلين بالأبناء ومسؤوليتهن عنهم لما استمرت الحياة الزوجية والأخريات لم يستطعن تحمل ابتلاء المعاشرة السيئة، وقد يضيع الأبناء على إثر ذلك، وفي الحالتين تتمنى المرأة ألا تكون قد ابتليتبالزواج من الأصل.
طبعا هناك زواج طيب مبارك، وهذا ما يجب أن نحرص عليه، ونحن طبعا لا نعلم الغيب، ولكن علينا أن نأخذ بالأسباب التي ترجح لدينا أن الزواج المتوقع سيكون تحت مظلة المودة والرحمة، لذا فعليك:
أولاً بالدعاء: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ (غافر : ٦٠ ) .
ثانيًا: الرضا واليقين أن ما قدره الله هو الخير فإن الله هو العليم، أعلم بك من نفسك قبل أن تكوني في أصلاب آبائك، ويعلم ما يصلح لك وهو الحكيم في قضائه وقدره وهو الرحمن الرحيم، فهو أرحم بك من أمك، وهو القادر سبحانه وتعالى.
ثالثًا: العناية بذاتك روحاً وعقلاً ووجدانا وبدنا، وإشغال نفسك بالتخصص المهني المناسب لوظيفتك، وإن لم تكوني تعملين فعليك إعداد نفسك لعمل طيب يتناسب وقدراتك والمشاركة في الحياة الاجتماعية مثل: الالتحاق بجمعيات النفع العام، بحيث تكونين قيمة مضافة لمجتمعك (جمعيات رعاية الأيتام، كبار السن تعليم الأميين...)، والمشاركة الإيجابية في شبكات التواصل الاجتماعي الفيسبوك» و«التويتر»، والالتحاق بإحدى المجموعات الاجتماعية العلمية، الدعوية ...»، وممارسة الرياضة مع صديقاتك، وإن أمكن الالتحاق بناد «رياضي اجتماعي»، والالتحاق بالدراسات المسائية الدينية الثقافية، اللغات، فنون ...»، وحفظ القرآن الكريم ... إلخ، بحيث تجدين نفسك قيمة مضافة في المجالات التي وهبك الله طاقة إبداعية متميزة بها .
إن حالتك – للأسف – غير فريدة، وتتعرض لها بعض الفتيات اللائي جلسن منتظرات ابن الحلال»، وكأن المستقبل معقود بتقدم هذا الشاب، وتبدأ رحلة ماذا ألبس؟ وكيف أتكلم ؟ وما انطباعه عني؟ وكيف نفسر نظرات والدته؟ وترتجف القلوب وجلة المعرفة رأيه بعد المقابلة، وكأن رأي الشاب بعد المقابلة هو معيار تقييم الفتاة لذاتها، يجب أن تكون ثقتك بذاتك نابعة من نفسك من داخلك، فلا معنى لاعتذار شاب عن قبول الزواج بفتاة، أو اعتذار فتاة عن القبول بالزواج من شاب غير أنه لا يوجد نصيب بينهما، وأن المولى يعلم أن عدم التوفيق بينهما هو الخير لكل منهما.
مع أطيب دعواتي لك ولكل فتاة مسلمة وفتى مسلم أن يوفق كل منهم إلى زواج صالح طيب مبارك يكون عونا لمرضاة الله والله ولي التوفيق..
أرسل مشكلتك أو أسئلتك باسمك أو بالأحرف الأولى من اسمك على moshkelty1@gmail.com ستجد الحل على هذه الصفحة .
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل