; فتاوى المجتمع- العدد(1248) | مجلة المجتمع

العنوان فتاوى المجتمع- العدد(1248)

الكاتب أ.د. عجيل جاسم النشمي

تاريخ النشر الثلاثاء 06-مايو-1997

مشاهدات 87

نشر في العدد 1248

نشر في الصفحة 62

الثلاثاء 06-مايو-1997

 

اعتراف الزاني على نفسه

السؤال: شاب ارتكب جريمة الزنى مع زوجة أخيه الكبير، بعد أن تكونت علاقة بينه وبين زوجة الأخ حيث كان يقضي لها بعض حوائجها، ثم تطور الموضوع إلى الزنى، ولقد اعترف بهذه الجريمة، ولكن زوجة الأخ أنكرت أن يكون هذا قد حدث منها، فما هو حكم الشرع في هذه المسألة؟

الجواب: مما لا شك فيه أن جريمة الزنى من الكبائر، وهي جريمة اجتماعية تمس الأسرة والمجتمع، وأن ما حدث بين الأخ الصغير مع زوجة أخيه الكبير إن صح إنما هو من التساهل في أمور يظن الطرفان أنها بسيطة وجائزة، مع المحادثة في غيبة الزوج، ثم من القيام بشئون زوجة الأخ، وإلى الخلوة المحرمة، إلى وقوع المحذور، وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم من أخي الزوج بخاصة وهو الحمو فقال: «إياكم والدخول على النساء، فقال رجل من الأنصار: يا رسول الله، أفرأيت الحمو؟ قال: الحمو الموت» (البخاري: ۳۳۰/۹ ومسلم 4/ 1711).

وإذا كان أخو الزوج قد اعترف على نفسه وهو بكامل عقله فإنه يؤاخذ بإقراره؛ لأن مما يثبت به الزنى الإقرار، فإذا أقر أربع مرات عند أبي حنيفة وأحمد، أو مرة واحدة عند مالك والشافعي ثبت في حقه الزني، على أن يتريث في قبول قوله وإقراره، بعد أن يفصل حقيقة الفعل بحيث ترتفع أي شبهة، لأن النبي صلى الله عليه وسلم حين جاءه ماعز يعترف بالزنى، سأل النبي صلى الله عليه وسلم: «هل به جنون، أو هو شارب خمر؟»، وأمر أن يشم رائحته وجعل يستفسره عن الزنى، فقال: «لعلك قبلت أو غمزت»، وفي رواية: «هل ضاجعتها، قال: نعم، قال: فهل باشرتها؟ قال: نعم، قال: هل جامعتها؟ قال: نعم»، وفي رواية: «دخل ذلك منك في ذلك منها؟ قال: نعم، قال: وكما يغيب المرود في المكحلة والرشاء في البئر؟ قال: نعم، قال: أتدري ما الزنى؟ قال: نعم، أتيت منها حرامًا ما يأتي الرجل من امرأته حلالًا»، فلا بد أن يفصل الزاني لكم الفعل، وتتأكدوا من أنه بالغ أو غير بالغ، فإذا كان بالغًا لا بد أن نعرف هل هو متزوج أم لا؟ فإن كان غير متزوج فإن عقوبته في الشرع الجلد مائة جلدة لقوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ ۖ  (النور: ۲)، ويضاف لهذه العقوبة عقوبة أخرى وهي التغريب عند جمهور الفقهاء -عدا الحنفية- لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام»، والتغريب هو الإبعاد عن البلد وهو خاص بالذكر، أما المرأة فإنها لا تبعد كما قال المالكية، ويمكن أن يكون التغريب هو السجن في البلد أو المكان الذي يبعد إليه، وهذا رأي الحنفية والمالكية.

وإذا كان هذا الشاب الزاني متزوجًا فعقوبته الجلد والرجم حتى الموت ودليله قول النبي صلى الله عليه وسلم: «خذوا عني فقد جعل الله لهن سبيلًا: البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام، والثيب بالثيب جلد مائة ورجم بالحجارة» (رواه مسلم).

وأما بالنسبة لاعتراف أخي الزوج بارتكاب جريمة الزنى، فإنه -كما سبق- يؤخذ بهذا الإقرار بعد استيفاء ما سبق من أجل التأكد من تمام الجريمة، وهذا الإقرار يخصه ولا يتعداه إلى غيره، فالمرأة إذا أنكرت فإنها لا تعتبر زانية؛ بمعنى أن لا توقع عليها العقوبة بإقرار الزاني وحده، فإذا اعترفت أخذت باعترافها لا باعتراف الطرف الآخر، لما ورد «أن رجلًا جاء الرسول صلى الله عليه وسلم فأقر عنده أنه زنى بامرأة سماها فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المرأة فسألها عن ذلك، فأنكرت أن تكون زنت فجلده الحد وتركها» (أبو داود: 4/ 611)، ولذلك لو أنه اعترف بالزنى بامرأة ولم تعترف بذاتها، فإنه يؤخذ باعترافه؛ لأن الإقرار -كما قلنا- حجة في حق المقر قاصرة عليه.

زكاة الماس

السؤال: يعمل بعض الناس في إفريقيا الوسطى في استخراج الماس أو الديمون، ويتجرون به، فهل على هذا الماس زكاة؟

الجواب: هذا الماس يعتبر من المعادن، والرأي الراجح من أقوال الفقهاء ما ذهب إليه الحنابلة ومن معهم في أن المعدن هو كل ما خرج من الأرض مما يخلق فيها من غيرها مما له قيمة، سواء أكان جامدًا كالحديد أم سائلًا كالنفط، وذهب بعض الفقهاء إلى التفريق بين الجامد والسائل، وبعضهم قصر المعدن على الذهب والفضة.

وهذا المعدن المذكور تجب فيه الزكاة ربع العشر كالنقود ٢.٥% وهو قول مالك والشافعي وأحمد.

واستدلوا بما رواه مالك في الموطأ عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن غير واحد: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قطع لهلال بن الحارس معادن القبيلة «ناحية من ساحل البحر بينها وبين المدينة خمسة أيام» وهي من ناحية القرع «مكان بين نخلة والمدينة» فتلك المعادن لا يؤخذ منها إلى اليوم إلا الزكاة.

وقال الحنفية ومن معهم: تجب فيه الخمس «۲۰%» مستدلين بقول النبي صلى الله عليه وسم: «في الركاز الخمس» ولفظ الركاز يشمل الكنز وهو ما دفن الإنسان، ويشمل المعدن الموجود خلفه، وخالفهم كثير من الفقهاء وقالوا: إن المعدن ليس بركاز.

وإن الرأي الراجح هو القول بأن الواجب فيه ربع العشر ٢.٥% خاصة وأن استخراج الماس يصاحبه جهد كبير، ويحتاج إلى آلات وعمال وما إلى ذلك، ولو كان استخراجه لا يحتاج إلى جهد فيناسبه القول بالخمس.

وعلى هذا فإذا بلغ ما يستخرج من الماس نصابًا من قيمة الذهب وجبت فيه الزكاة ٢.٥%، ولا يشترط للزكاة هنا الحول، بل كلما بلغ المستخرج نصابًا وجبت زكاته؛ لأنه نماء في نفسه، مثل نصاب الزروع والثمار، فإنه لا يشترط للنصاب الحول، وذلك بعد تصفيته، وإذا كان استخراجه أيامًا متتالية فيضم بعضه إلى بعض، وكذلك إذا كان يومًا واحدًا، أو أيامًا متباعدة، ما دام في أيام وأشهر السنة الواحدة، وإذا انقطع العمل في فترة ولمدة طويلة وهو أقل من سنة بأن نفدت كمياته أو لغير ذلك فيزكى الموجود.

وزكاة الماس تصرف مصرف الزكاة؛ أي المصارف المحددة في الآية الكريمة: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ...﴾ (التوبة: 60) الآية، وهذا أولى من صرفه مصرف خمس الغنائم والفيء؛ أي إلى الدولة والمصالح العامة، هذا والله أعلم.

مدة قصر الصلاة وجمعها

السؤال: إذا وصلت إلى الدولة التي قصدتها في السفر وحصلت على تصريح بالإقامة، ونويت الإقامة شهرًا، فكم يومًا يصح لي أن أقصر الصلاة وأجمعها في هذه الدولة؟

الجواب: هذا مما وقع فيه الخلاف فإنه أمر لم يرد تحديده في الشرع وإنما قرر الفقهاء أقوالهم بناء على أحوال إقامة النبي صلى الله عليه وسلم مددًا مختلفة في أماكن يقصر فيها الصلاة، وعلى أقوال بعض الصحابة في تحديد مدة القصر، وتتلخص الأقوال في الآتي:

أولًا: إن المدة التي يصح فيها القصر أربعة أيام، فإذا نوى المقيم أربعة أيام فأكثر لا يصح له القصر، وهذا قول المالكية والشافعية ورواية عند الحنابلة، ولا يحسب يوم دخول الدولة ويوم الخروج منها ضمن الأيام الأربعة عند المالكية والشافعية خلاف الحنابلة.

وحجة هذا القول: أن النبي صلى الله عليه وسلم أقام بمكة أربعة أيام يقصر الصلاة ثم ارتحل، فما زاد على الأربعة لم يقم عليه دليل صريح لا معارض له، فيجب التمسك حينئذ بالأصل وهو الأحوط، فقد روى جابر وابن عباس رضي الله عنهما: «أن النبي صلى الله عليه وسلم قدم مكة صبيحة رابعة من ذي الحجة، فأقام بها الرابع والخامس والسادس والسابع، وصلى الصبح في اليوم الثامن، ثم خرج إلى منى، وكان يقصر في هذه الأيام، وقد أجمع على إقامتها» (مسلم 4/ 38).

ثانيًا: إن المدة خمسة عشر يومًا، فإذا نوى المقيم خمسة عشر يومًا فأكثر لا يصح له الترخص، وإن نوى أقل من ذلك ترخص، وهو مذهب الحنفية وحجة هذا القول: ما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما قوله: «إذا قدمت بلدة وأنت مسافر وفي نفسك أن تقيم خمسة عشر يومًا أكمل الصلاة بها، وإن كنت لا تدري متى تظعن فاقصرها».

ووجه الاحتجاج بهذا أن قول ابن عباس وابن عمر رضي الله عنهم لا يقولانه إلا بالسماع من رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه من أمور المقادير والأعداد، وهذا لا يتوصل إلا بالاجتهاد.

الثالث: إن المدة تسعة عشر يومًا وهو قول ابن عباس لقوله: «أقام النبي صلى الله عليه وسلم تسعة عشر يقصر، فنحن إذا سافرنا تسعة عشر قصرنا، وإن زدنا أتممنا».

ولعل الراجح من هذه الأقوال قول المالكية والشافعية ورواية الحنابلة؛ لأنه القدر الثابت والمتيقن من قصر النبي صلى الله عليه وسلم، وهي الأيام الأربعة التي مكثها صلوات الله وسلامه عليه في مكة في حجته، ومع هذا لا لوم ولا تخطئة على من أخذ بالأقوال الأخرى؛ لأن قصر النبي صلى الله عليه وسلم الأيام الأربعة ليس قاطعًا في المنع لو أقام أكثر.

ولفعل بعض كبار الصحابة كابن عباس وابن عمر رضي الله عنهما وغيرهما وثبوت ذلك عنهم في الصحيح، ولا يفعلون ذلك عن محض رأي ولا يقرون عليه لو كان كذلك، ولأنه مما لا يقال بالاجتهاد.

حكم لبس الحرير

السؤال: شاب اشترى بدلة ورابطة عنق، وذلك بمناسبة السفر إلى الخارج، وكان في البدلة حرير، ورابطة العنق كلها من الحرير، وبعد شرائها قال له أحد زملائه: إنه يحرم عليك لبس البدلة ورابطة العنق لوجود الحرير لأنه محرم على الرجال، فما حكم لبس ذلك؟

الجواب: الثياب المصنوعة من الحرير إما أن تكون كلها من الحرير أو بعضها أو نصفها أو أغلبها، فإن كانت كلها من الحرير فهي محرمة على الرجال؛ لما روى أبو موسى الأشعري رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسم قال: «أحل الذهب والحرير لإناث أمتي، وحرم على ذكورها» (النسائي: 8/ 161 حديث حسن).

وأما إن كانت الثياب مخلوطة حريرًا وغيره، فإن كان الحرير هو الأغلب حرم تغليبًا للأكثر، وإن كان غير الحرير هو الأغلب لم يحرم، وهذا الحكم مبني على أن الأصل في الأشياء الإباحة، ولأن ما غلب فيه غير الحرير لا يسمى ثوب حرير، ولأن الحرير مستهلك ضمن غيره، ولعل هذا هو الراجح من أقوال العلماء، وهو ما ذهب إليه الشافعية والحنابلة. وأما إذا استوى الحرير مع غيره في الثوب فالشافعية يجيزونه والمالكية والحنابلة يميلون للحرمة وعندهم أقوال بالجواز.

وأما إذا استوى في الثوب الحرير مع غيره فلعل الراجح ما ذهب إليه الحنفية والشافعية من الجواز، والحنفية قيدوا الجواز فيما كان سداه من الحرير ولحمته غير حرير، وأما عكسه فمكروه.

وقد وردت النصوص بإباحة الحرير في حدود أو حالات معينة، فإذا كان الحرير قطعة محلاة في ثوب أو خطًّا فيجوز إن كان قدر أربعة أصابع لا يزيد؛ لما روى عمر رضي الله عنه «أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن لبس الحرير إلا موضع إصبعين أو ثلاث أو أربع» (مسلم 3/ 1644). وأجاز الحنفية والشافعية طوق العنق من الحرير، كما يجوز لبس الحرير للمريض الذي يتأذى من لبس غير الحرير، ويجوز لبس الحرير في الحرب؛ لأن الحرمة لما فيه من الخيلاء، ولا يذم الخيلاء وقت الحرب.

تدخين الزوج يضر بالزوجة

السؤال: زوجة تتأذى من شرب زوجها للسجائر، وهي تكره رائحتها وزوجها يرفض ترك شربها، فماذا يكون حكم الشرع في هذا الموضوع؟

الجواب: مما لا شك فيه أن رائحة السجائر كريهة -بغض النظر عن حكمها، وهو في الجملة بين الكراهة والحرمة- وقد طلب الشرع من الزوجين العشرة بالمعروف؛ فقال تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ۚ (النساء: ۱۹)، وقال تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ (البقرة: ۲۲۸)، ومعنى العشرة بالمعروف هنا هي التزام كل منهما بإعطاء الطرف الآخر كامل حقه من الواجبات وما دونها مما فيه كمال حسن العشرة، ومن حسن العشرة ترك الزوج كل ما فيه إيذاء الزوجة من مثل الغلظة في الكلام والعبوس في وجهها، وإهانتها، وله عليها مثل ذلك.

ولا شك أن الدخان فيه ضرر على الزوجين، وأخف ضرره على الزوجة إيذاء الزوج لها برائحته، مما قد يؤثر في كمال الاستمتاع بينهما، والاستمتاع مقصد شرعي وحق لهما لا للزوج وحده.

وقد نص الفقهاء على أن من حق الزوج أن يمنع زوجته من أكل ما يؤثر في كمال الاستمتاع من مثل ما فيه رائحة كريهة كثوم وبصل وكراث، أما هي فليس لها أن تمنعه عند جمهور الفقهاء، ولو كانت الزوجة تشرب الدخان لكان له منعها منه للضرر وللتأذي به، فهو أبلغ في المنع مما ذكر من الروائح، وإذا كان هذا حقًّا للزوج ويلزمها طاعة أمره في ذلك، فهو حق لها لحسن العشرة، فتطلب منه أن يمتنع عن إيذائها بدخان ورائحة السجائر لحسن العشرة، وحسن العشرة مندوب إليها ومستحب كما ذهب إليه الحنفية والحنابلة، أو واجب ديانة لا قضاء كما ذهب إليه المالكية.

وعلى هذا نقول: من حق الزوجة أن تطالب زوجها أن يترك شرب الدخان لئلا يؤذيها بدخانه ورائحته ولئلا يلحق بها الضرر المحتمل، فإن قرر الطبيب المختص أن الدخان يضر هذه الزوجة لظرف صحي خاص بها، فيلزم الزوج الامتناع حينئذ، ويأثم إن لم يفعل وأصر رغم ضرره للزوجة، وللزوجة أن تمتنع عن زوجها لهذا السبب، ولو طلبت الزوجة التطليق من القاضي وحكم لها بالطلاق للضرر بعد أن يعذر الزوج ويطلب منه الامتناع عن الإضرار بها لم يبعد عن الصواب، وصح حكمه.

هذا على القول بكراهة شرب الدخان، وإن قلنا: هو حرام، فيلزم الزوج الامتناع على كل حال.

الرابط المختصر :