العنوان صفحات حرة.. في الدولة الإسلامية بعد نصف قرن .. مجتمع الإنتاج والرفاه والمحبة
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 11-أبريل-1972
مشاهدات 75
نشر في العدد 95
نشر في الصفحة 12
الثلاثاء 11-أبريل-1972
صفحات حرة
في الدولة الإسلامية بعد نصف قرن
مجتمع الإنتاج والرفاه والمحبة
بقلم الأستاذ: عبد الله المهدي
إن الترفيه في هذا البلد أكثر من أي شيء آخر
واهتداء بقول الرسول الكريم
«روحوا عن القلوب ساعة بعد ساعة»
كان حب الاستطلاع هو الدافع القوي الذي أتى بهذا الحشد من «السواح» لبلاد الإسلام أو «الدنيا الجديدة»، كما تسميها الصحافة هذه الأيام.
فقد اشرأبت أعناقهم إلى نوافذ الطائرة تمامًا كما كان «كولمبس» وملاحوه يستطلعون الأفق وراء العباب، تستكشف أنظارهم إرهاصات الدنيا الجديدة الزاخرة بالعجائب والغرائب.
- السلام عليكم.
- وعليكم السلام ورحمة الله
- أهلًا وسهًلا يا إخوان.
كمسلم تقليدي كنت ألوك هذه الكلمات ألف مرة في اليوم، وأسمعها من الناس كما استمع لكلمة: هالو، تحية لا أكثر، ولكني أحس لها بوقع رومانسي على لسان موظف الجمارك.
سلام، رحمة، رحمة الله، أهلًا وسهلًا، إخوان.
قال قنصلكم لا نحتاج لتأشيرة دخول هنا
- بالطبع فهذه بلد كل مسلم إنها دار الإسلام، لكننا لأسباب إدارية بحتة سنعطيكم «فيزا» من المطار.
- وهل تشترطون فيزا لدخول غير المسلمين؟
- طبعًا إنهم أجانب.
كنت أعمل في وكالة أنباء عالمية مقرها جنيف، وقد كلفوني بإعداد تقرير صحفي عن تجربة الدولة الإسلامية، وقع علي الاختيار؛ لأني مسلم، وربما ساعدني ذلك في إجراءات الدخول وفهم الأمور العامة.
وكان المصور الذي يرافقني أوربيًا.
- جورج، هل صادفنا شيئًا من «العجائب» في المطار؟
- کلا، كل شيء عادي حتى الآن، غير أنني لم أصادف الصورة التقليدية للمسلم، موظفو المطار وعماله شبان أذكياء ونشطون وفي غاية اللطف كذلك، لم ألاحظ «الحاجب» المقطب الجبين أو الشيخ الذي يحتسي القهوة ويدخن «الشيشة» في بلاهة وكسل خلف مكتبه.
وكان المطار خلية من الحركة الدائبة والنشاط والنظام -لم يكن مطارًا كبيرًا مجهزًا بأرقى المعدات الحديثة- كلًا لقد كان بسيطًا ونظيفًا ومنظمًا، وكان الموظفون في غاية الحركة والجدية، لكنهم كانوا في غاية اللطف وحسن الاستقبال.
«هؤلاء الشبان يعملون كالماكينات ويتعاملون كالملائكة»، كذلك علق أحد الزوار.
وكانت الشوارع التي انطلقت خلالها سيارة الأجرة تحمل نفس الطابع، وتعطيك نفس الانطباع: النظافة، الجدية، النشاط، البساطة، الذوق، صفات تلمسها في الشوارع والمباني والناس.
قلت «لمصطفى» السائق: بلادكم تبدو نظيفة.
- يقولون هنا إن النظافة من الإیمان.
خلال يومين لم نقابل أحدًا، ولم نتحدث مع إنسان.
کنّا نحاول جهدنا أن ننتزع الحقائق من المشاهدات والملاحظة حتى لا نقع فريسة لأي تأثير كلامي، وكنا نخرج في الصباح إلى الشوارع، ونتسكع في ممرات المؤسسات العامة، فلا تحس غير الحركة والعمل، ولا يقطع الصمت إلا عبارات «السلام عليكم» و«عليكم السلام ورحمة الله» التي تقال بلطف وإخاء، ثم يتابع الحديث بأصوات خافتة وعبارات مقتضبة، ثم يخلص ويستمر العمل، وكان أكثر الموظفين حركة وسعيًا من مكان لآخر هم المسؤولون الذين تعودنا أن نراهم أكثر راحة من غيرهم هنا لا تكاد تحس بوجودهم إلا من خلال العمل، لا شيء «شكلي» يميزهم عن بقية «الإخوان»، نعم فهنا يخيل إليك أن جميع الناس يعرفون بعضهم ويحبون بعضهم، حتى أنني اضطررت لسؤال أحد مرافقينا من الشباب إن كان يعرف مدير وزارة الإعلام أو تربطه به قرابة لما رأيته من عفوية وصراحة وأخوة في حديثهما «إنما المؤمنون اخوة»، و«المسلم أخ المسلم»، تلك هي عقيدتنا، وهي الفلسفة التي تربينا عليها، والتي تحكم علاقاتنا.
كم هو مدهش أن يرى الإنسان الجدية تمتزج بالبساطة والتعاطف والرضى.
قال لنا مدير الإعلام: «إن الامتناع عن تناول الخمر، وتجنب السهر الماجن، بالإضافة إلى الحوافز الإيجابية والتوجيه المباشر الذي يفجر نشاط المسلم ويشحذ حيويته هي التي وفرت للإنتاج العام هذا المناخ الجاد الزاخر بالنشاط والنظام؛ ولعل المعاملة اللطيفة والمشاعر الأخوية التي تسود علاقات العاملين من القمة إلى القاعدة هي الضمان الضابط لروح العمل الجاد من أن يصبح جوًا ممًلا وقاسيًا».
وسألت نفسي كيف يرفه هؤلاء الناس عن أنفسهم بعد الجهد الكبير الذي يبذلونه؟
- أجبني يا عبد الرحيم، هل توجد أماكن للترفيه في هذا البلد؟
أجابني مدير الفندق: «یا آه، إن الترفيه في هذا البلد أكثر من أي شيء آخر».
- يا إلهي «كيف يقضي الناس أوقاتهم»؟
- طبعًا الله -سبحانه وتعالى- قال: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا (10) وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا (11)﴾ (النبأ: ١٠-١١)، لذلك فقد رأيت الناس يتفانون في العمل، ويكافحون في إخلاص في القطاع الخاص والعام من أجل البناء والنهضة والحياة.
إنهم سعداء ببذلهم وكفاحهم، ولا يعرف الضجر إلى قلوبهم سبيلًا، فهم مقتنعون بما يؤدون، لا يستغلهم أحد، ولا يظلمهم أو يرهقهم إنسان.
فبلادنا لا تعرف الرأسماليين أو الإقطاعيين أو المتسلطين تحت أسماء أخرى.
ولكننا اهتداء بقول الرسول -صلى الله عليه وسلم-: «روحوا عن القلوب ساعة بعد ساعة»، فإننا نحاول الترفيه عنها، وتجد في بلادنا أندية لا تحصى يمارس الشباب فيها هواياتهم ورياضاتهم المفضلة، وقد قامت اتحادات رياضية عديدة للتنس، والاسكواش، والجمباز، والألعاب الأولمبية، والكرة بأنواعها، والسباحة، والزوارق، والتجديف، وهناك فرق الجوالة، والمعسكرات الكشفية، وهنا بالقرب من الفندق تجد «نادي الرماية» الذي يؤمه العديد من الرواد، كذلك فالناس هنا مغرمون بسباق الخيل، وهم يمارسون هذه الرياضة على سبيل العادة في الريف وفي الأندية في المدينة.
كذلك فالمدينة تعج بالمراكز الثقافية العامرة بالمكتبات الحرة، حيث يطالع الناس أو ينظمون الروابط الأدبية والثقافية أو يشاهدون الأفلام التثقيفية والترفيهية المتعددة، ولعلك لم تزر المتحف الوطني، إنك لا تحس بالوقت وأنت تتجول في أروقته المدهشة، ومتحف التاريخ الطبيعي وغيرها.
ومن وقت لآخر تقيم وزارة الشئون الاجتماعية بالاشتراك مع المؤسسات الشعبية الأخرى احتفالات شعبية ضخمة يقضي الناس معها أمتع الأوقات، أما الذين يفضلون البقاء في منازلهم فما أمتع البرامج التلفزيونية.
على أننا لا نهدر وقتًا كبيرًا في الترفيه، فما أن يخرج «الشعب» من المساجد بعد صلاة العشاء حتى ينتهي وقت الترويح، ويخلد الناس إلى الراحة وهم سعداء، استعدادًا للعمل والتعمير في الصباح الباكر.
«وهل يكتفي الناس بهذا الترفيه؟ أظنك تفهمني».
- بالنسبة للمسلم، المسلم يكتفي بذلك، فالمسألة بالنسبة له تغيير لجو العمل والمنزل، وهذا تغيير ممتع ومفيد للجسم، والعقل، والروح معًا، أما إن كنت تقصد الخمر والجنس والقمار، فإن المسلم لا يحتاج إليها، بل ينفر منها بحكم دينه وذوقه، خصوصًا وقد حل نظامنا الاجتماعي مسألة الجنس هذه، بالنسبة لغير المسلمين لا يبدو ذلك كافيًا؛ لأن المقصود ليس الترفيه فحسب وليس لهؤلاء مجال هنا.
إن بلدنا طاهرة، ومجتمعنا عفيف ونظيف، وليس فيه سكارى أو عاهرات.
• اليوم هو اليوم المحدد للقائنا مع الحاكم.
أحس بشوق للتحدث إليه لا لرؤيته، فقد رأيته أمس في صلاة الجمعة، خطب في المصلين وأمهم في المسجد الكبير الملحق به «مکتب الرئاسة»، كان يتحدث عن مشروع الزراعة الآلية الذي قررت الحكومة إنشاءه، كان يتحدث بموضوعية، وبغير دعاية، يبسط الفكرة للناس، ويترك لهم حرية نقاشها «فالمشروع من أجلكم ونحن مستخدموكم».
ثم حدثهم عن آخر تطورات الموقف في المنطقة، وعن سياستهم تجاهه، وعن المسلمين المغتربين خارج دار الإسلام، ثم وعظهم في دينهم ودنياهم، ثم أم الصلاة في خشوع وإيمان.
بعد الصلاة تفرق الناس، والتف بعضهم حوله يتحدثون إليه في مسائل خاصة وعامة، وانتهز بعض الصحفيين الفرصة لإجراء مقابلات سريعة واستخلاص تصريحات صحفية، لم أتحدث إليه، يجب أن أغزو داره؛ لأرى حقيقة هذا الإمام الذي يتحدث عن العدل من المنابر.
على الباب حارس خاص في زي مدني لا يصد الناس عن الدخول، لكنه يرحب بهم ويستفسر عن هويتهم، ثم يأخذهم إلى الحاكم إن كان موجودًا بالمنزل، ليس هناك سكرتير، ويمكنك الدخول من غير مواعيد مسبقة إن كان الحاكم موجودًا.
إن الميعاد المسبق هنا لضمان وجود الحاكم فقط.
هذا الحارس الذي أسير خلفه للداخل لا شك أنه شديد الولاء، خاطر متطفل ينتابني الآن، لقد لاحظت أن جميع الناس هنا يتحمسون ومخلصون وشديدو الولاء، لكن لماذا؟
ليس للحاكم، لأنك لا تجد صورته حتى في غرفة مكتبه، وقد يمر يومان ولا تقرأ اسمه في صحيفة، وليس «للشعب»، فالناس هنا حتى عندما يتحدثون عن تاريخه الثوري لا تسمع منهم عبارات مثل: «نضال الشعب»، أو «انتصار الشعب» ولا للوطن «بالمعنى التقليدي للكلمة»؛ لأنهم كما يبدو يؤمنون بدين عالمي ويحنون لكل أرض فيها مسجد أو مسلمون، بالطبع هم مخلصون لكل ذلك، لكن الولاء الأول تحس بأنه لشيء آخر.
منزل الحاكم منزل عادي فیلا أنيقة صغيرة بسيطة لا تختلف كثيرًا عن المنازل التي تحيط بها من كل جانب -لكنها حتمًا أفضل بكثير من منازل نصف السكان- ليس للفقراء أحياء خاصة للمعلومية.
إنني أجد منزل الحاكم متواضعًا يا سيدي؟
- كان يجب أن تجدني تحت ظل شجرة متوسد حجرًا، لكن لعن الله الشيطان يقول إخواني علي أن أعيش هنا؛ لأستقبل الضيوف استقبالًا رائعًا، وما أسرع ما استجبت لهم.
- أيها الأخ، لقد استطاعت القوى الكبرى المتوجسة من الدين الإسلامي أن تسحق جميع التطلعات التحررية لدى المسلمين على مدى القرون الأخيرة الماضية، فكيف استطعتم الصمود هذه المرة؟ وكيف انتصر الدين الإسلامي ذلك الانتصار الكبير؟
لقد أدرك روادنا أن دعوتهم -شأن كل الدعوات إلى الله- لابد وأن تمر أولًا بمرحلة عناء شديد وعمل صابر وتضحيات كبيرة حتى تضع اللبنة الأولى للانطلاق، وفهموا أنهم هم المطلوبون لهذا الدور التاريخي، فتوكلوا على الله، وصدعوا بالدعوة.
ومن خلال العرق والدماء والمحن بدأت جذور المجتمع تهتز وتنبت وتترعرع، كانوا يتحايلون على القهر حينًا، ويواجهون أحيانًا، كلما سقط الدم وفاح شذاة تغذى الإيمان المهيمن في قلوب الناس حتى شب العملاق الإسلامي من داخل البوتقة ووقف على رجليه، كانت المرحلة الأولى من استراتيجيتنا قد انقضت ودخل موكب الدعوة في المرحلة الثانية.
• كنا ندرك أن قوى الشر عادة تلجأ لتوجيه الضربة القاضية حينما تصل الدعوة الإسلامية إلى هذه المرحلة التي تقف فيها على قدميها، حدث ذلك لكل الدعوات وللرسول -صلى الله عليه وسلم- حينما تآمرت قريش، وجمعت قواها للقضاء عليه ليلة الهجرة، إذن الخطوة التالية هي الهجرة لكن إلى أين نهاجر؟
لقد تحصن الرسول -صلى الله عليه وسلم- بقاعدة شعبية منيعة في المدينة، وقد امتدت يد الجاهلية لتضربه هناك، فكانت غزوة أحد، وغزوة الخندق، وكانت المؤامرات في الجبهة الداخلية التي قادها اليهود والمنافقون.
لقد وضعنا الحساب لذلك الإنسان الريفي لصفاء نفسه وبساطته وصدقة، سريع التقبل للقيم الدينية، شديد التمسك بها، ومن ثم فقد تغلغلت الدعوة في الريف، وامتدت إلى الجبال.
على هذا الولاء الشعبي أقمنا قاعدة الدعوة، تمركزنا بين المسلمين هناك، «هاجرنا» إلى الجبال، كنا نأكل مما نزرع، ووظفنا الطبيعة الوعرة كسلاح دفاعي وهجومي لحماية مجتمعنا الجديد، كيف يمكن أن نواجه أسلحة الجاهلية العسكرية والمدنية؟ نحن نقف وحدنا في العالم، إذن فلتقف معنا الجبال تضرب الطائرات، ونحن داخل المغارات نمارس حياتنا، يقطعون خطوط التموين؟ نحن نأكل مما تجود به الجبال، تكفينا البندقية والأسلحة الخفيفة للصمود، والجبال والغابات والأنهار تقوم بالباقي، هنالك تكون مجتمع إسلامي کامل خالص بكل مقوماته، وعشنا الحياة الإسلامية المتحضرة روحيًا وفكريًا وأخلاقيًا في منأى عن إجراءات الحكومة أو سيطرتها، وفي منأى من تأثير مناخ الحضارة الجاهلية الوبيء، بعد سنين من الصراع مع السلطة نضجت عوامل «الفتح»، فقد استنزفت الحكومة طاقاتها وكان نفسنا طويلًا، فكان الزحف المقدس، وكان الفتح الظافر.
- العالم كله يرقب حركتكم الآن، كيف ستكون صورة الدولة الدينية؟
- سامحني يا أخي فأنا أضيق بهذا السؤال، دائمًا تظل هذه الصورة في أذهانكم، من قال إننا كنا نهدف إلى «دولة دينية»؟ نحن نهدف إلى نشر الدين وسيادة الله، وقد بدأ هذا العمل من زمن بعيد، وأنجزنا أغلبه في الجبال.
لماذا لم يأت هذا العالم المندهش لیری ما حققناه؟
نحن لم نأت لنغير صورة الدولة، لكننا جئنا لنغير صورة الحياة، وأول ما فعلنا أننا غيرنا الإنسان.
الدين الإسلامي غير الإنسان، وارتقى به من الطبيعة الحيوانية التي اختارتها له الحضارة الجاهلية.
الدين الإسلامي غير المجتمع تحول مجتمع الجريمة مجتمع الظلم، مجتمع الفساد الأخلاقي، والأنانية، والمادية، إلى مجتمع إنساني، تظلل الرحمة والعدالة علاقاته.
هنا يحب المسلم أخاه المسلم، ويحب الابن والديه، ويبرهما ويحب الجار جاره، ويحب الغني الفقير، والفقير الغني، ويعيش الناس كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى.
لقد حل الدين مشاكل الفرد والمجتمع، وحقق السلام في ضمير الفرد وفي الأسرة وفي المجتمع، الآن لا يعاني أفراد المجتمع من مشاكل نفسية أو فكرية، ولا تعاني الأسرة من الشقاقات العائلية، ولا يعاني المجتمع من الأمراض الاجتماعية سياسية كانت، أو طبقية، أو عنصرية، أو أخلاقية، تلك الأمراض التي تفتك بمجتمع الحضارة الغربية ولم يشفه منها لا التقدم التكنولوجي والثقافي، ولا الثراء وارتفاع مستوى المعيشة.
هذا هو إنجازنا الأساسي، وهو ما نفخر به ونتحدى به الناس جميعًا.
- وماذا عن الجهاز الحكومي؟
- الحكومة في تصورنا هي مؤسسة تسير مع الأمة ومع الأفراد في موكب واحد وتخوض معهم معركة واحدة هي معركة النهضة الإسلامية.
الحكومة جندي في هذه المعركة تمامًا مثل: الأفراد، والجماعة.
لكن نظرًا لنوعية الدور الذي تقوم به، فإنها تتحمل مزيدًا من المسؤوليات هذه هي الدولة، إن دورها هو دور التنسيق والإشراف لهذه الجهود، وهي محكومة بنفس القانون الذي يحكم الفرد والجماعة.
من هنا ترى أن الحلم الذي يراود الماركسيين والفوضويين في تذويب دور الدولة نحققه نحن بصورة أكثر واقعية ومعقولية، في حين أن الدولة في ظل الشيوعيين تضخم وتعقد بصورة رهيبة ومتسلطة.
- ما هو موقفكم من قضية التنمية وقضايا التطور التكنولوجي؟
نحن بلد فقير نسبيًا، ويرجع ذلك لفقر مواردنا الطبيعية، ومن أول يوم أعلنا فيه قيام الدولة قلنا للناس إننا لن نصبح دولة تغزو القمر أو تتفوق صناعيًا بين يوم وليلة، ولن نوفر لكم حياة مترفة أو نجعلكم أثرياء بعصا سحرية، لكننا نعد بأن نستغل كل الموارد المتوفرة، وأن نوظف كل الإمكانيات، وأن نخطط بوعي، وننفذ بأمانة ومسؤولية أن نضاعف الإنتاج، وأن نكون عادلين في التوزيع، وأن نلتزم في كل هذا وذلك بما قاله الله وما قاله الرسول، ولن يكون لأهوائنا أي تأثير على سياساتنا، وبالطبع فإن السلطة بيد الأمة يمكنهم عزلنا متى حدنا عن الحق أو فشلنا في التطبيق.
• أما التطور التكنولوجي فهو إنجاز حضاري محايد.
وبما أننا لم نسهم فيه بشيء فسنستغله بحذافيره في تعمير الأرض، وفي صالح الناس وفق مبادئ الدين الإسلامي وغاياته السامية.
ولا شك أنك لاحظت والمؤسسات الأجنبية تتعامل، أن كثيرًا من الشركات معنا بإمكانياتها التكنولوجية في مشاريع التنمية والتعمير.
- بهذه المناسبة كيف تقوم علاقاتكم مع العالم الخارجي؟
• تقوم هذه العلاقات على هدى من مصالح الإسلام والمسلمين، مثلًا لنا موقف واضح من الفكر الشيوعي، لكننا نتعامل مع الدول الشيوعية تجاريًا، كذلك بالنسبة للدول الغربية التي نرفض حضارتها ونتعامل معها، كذلك فإن الدول التي تقف في وجه الإسلام أو تضطهد المسلمين الذين يعيشون تحت ظل سيطرتها لا يمكن أن تخطب صداقتنا أو تأمن عداءنا، وتحمل الدول شعار الوحدة الإسلامية الشاملة «للأمة» الإسلامية.
من خلال حديثه كنت أحس بأن هذا الرجل يكن ولاًء مقدسًا لقضيته، تذكرت الحماس والولاء الذي يطل من عيون الناس وما كنت أدرك كنهه.
أيها الأخ، إنني أحس بأن الأفراد هنا والمجتمع بكامله يحملون ولاء وحماسًا مشتركًا لمن هذا الولاء؟
- قال الرئيس بسرعة خاطفة «الولاء لله وحده».
كانت لحظات ملهمة تلك التي قضيتها استمع لمدرس الفيزياء الذي أصبح حاكمًا لبلاد الأمة الإسلامية بعد أن اشترك مع المسلمين في الجهاد تلك السنين الطويلة، يقول المسلمون إنه رجل «تقي»، ولم يكن سهلًا علي أن ألمس هذه الحقيقة، فأنا لم أعش معه، وليس له مظهر خاص يدل على أنه رجل دين.
قلت لأحد الزوار ونحن نشرب الشاي في الفندق:
«كنت أحسب أن رجال الدين هنا يديرون دفة الحكم».
«إن الأمور تختلف هنا، رجال الحكم هم الذين يمارسون الدين».
في اليوم الأخير لنا زرنا أسرة مسلمة، لاحظنا أن المرأة المسلمة تعيش في المنزل مثل الأميرة تمامًا، لا تعمل عن أرباب العمل في المحلات العامة وتتعرض للابتذال أو الاستغلال أو الإهانة.
إنها تعتز كثيرًا بالمهام الإنسانية التي تمارسها في منزلها بكامل حريتها ورغبتها، وكثيرًا ما تؤكد بأنها راضية عن حياتها، ولا تشكو ظلمًا من أحد سواء أكان زوجها أو المجتمع.
لم أودع بلاد الإسلام، وأنا أتوجه نحو المطار.
لقد عقدت النية على أن أعود لدراسة هذه الظاهرة بعمق، وإنها تجربة مثيرة حقًا، وعلى الرغم من مظهرها البسيط فإنني أحس بشيء عميق يسري في قلبي.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل