العنوان صفحات من دفتر الذكريات : عبد الرحمن باشا عزام من الجامعة العربية إلى التضامن الإسلامي
الكاتب الدكتور توفيق الشاوي
تاريخ النشر الثلاثاء 12-يوليو-1994
مشاهدات 87
نشر في العدد 1107
نشر في الصفحة 43
الثلاثاء 12-يوليو-1994
عمل عزام بالجامعة لم يكن عملًا بيروقراطيًّا سياسيًّا ودبلوماسيًّا فقط كما كان يريد بعض حكام العرب.. بل بقي وفيًا لمبادئه، فكان لا يفرق بين العروبة والإسلام، ولا بين ميدان القتال وميدان السياسة
رغم استبعاد عبد الرحمن عزام من الجامعة العربية إلا أنه استمر يدعو إلى:
1- فكرة الجهاد والفداء.
2- فكرة الوحدة بين المسلمين جميعًا سواء كانوا عربًا أو غير عرب
أنشئت الجامعة العربية في مارس ١٩٤٥م في الوقت الذي كانت دول الحلفاء تمهد لإنشاء منظمة الأمم المتحدة.
ومن حسن حظ قضايا أقطار شمال إفريقيا أن كان عبد الرحمن عزام أول أمين عام للجامعة العربية، وكان له دورٌ كبيرٌ في توجيه اهتمام الدول العربية لها؛ لأنه له تاريخ في كفاح ليبيا ضد الغزو الإيطالي قبل الحرب العالمية الأولى وأثناءها، عندما تطوع للقتال مع المجاهدين الليبيين لمقاومة الجيوش الإيطالية الغازية، وبقي معهم فترة طويلة مكنته من التعرف على كثير من زعماء الجهاد ومن الاقتناع بما يتوفر لجماهير الشعب الليبي من شجاعة وبسالة وقدرة على الصمود والتضحية والفداء.
ولا زلت أذكر أن مظاهرة توجهت إلى مقر الأمانة العامة للجامعة العربية تهتف لفلسطين وتطالب بالتطوع للجهاد في ميادينها، وكان هتاف المتظاهرين نريد سلاحًا، فخرج عبد الرحمن عزام، وخطب فينا مشجعًا بقوله: ستجدون السلاح، وسوف تتولى ذلك الأمانة العامة للجامعة، وعليكم الباقي، وفعلًا كان المتطوعون للجهاد في فلسطين يجدون في الأمانة العامة لجامعة الدول العربية وفي عبد الرحمن عزام أكبر مشجع وأكبر مورد للمال والسلاح.
التقيت به أول مرة في مكتب أحد أصدقائه، وهو الأستاذ أسعد داغر، وهو صحفي ماروني لبناني كان يعمل بجريدة الأهرام، وكنت قد ترددت عليه مرارًا؛ لأنه كان قد أنشأ مع عدد من أصدقائه السوريين واللبنانيين جمعية باسم «الوحدة العربية»، وكان هدفها الدعاية لقضية لبنان وسوريا قبل استقلالهما، وكنت على اتصال بتلك الجمعية وغيرها من الهيئات العربية والإسلامية في مصر للتعاون معها في الدعاية لقضايا فلسطين وسوريا ولبنان، ثم قضايا شمال إفريقيا بعد ذلك.
وعندما كنت جالسًا مع أسعد داغر في مكتبة بالأهرام في أحد الأيام دخل عبد الرحمن عزام، وكان ذلك في أوائل عام ١٩٤٥م قبل إنشاء الجامعة العربية، فقدمني له فرحب بي كثيرًا، وكلما توثقت علاقتي به أدركت عمق اقتناعه بالوحدة العربية، بل الوحدة الإسلامية - قبل إنشاء الجامعة العربية وبعدها-، وطال الحديث بيننا في ذلك اليوم، ثم استمرت علاقتي به بعد ذلك؛ وخاصة أثناء رئاسته للأمانة العامة للجامعة العربية، وكذلك بعد خروجه من الجامعة العربية عام ١٩٥٢م، وبعد خروجه من مصر، واستقراره في بيروت؛ إذ التقيت به مرارًا في الرياض وبيروت، وقد كنت ممن تألموا لخروجه من الجامعة العربية، ولكني اقتنعت فيما بعد بأن ذلك قد مكنه من المشاركة في الدعوة للوحدة الإسلامية لدى صديقه الملك فيصل بن عبد العزيز الذي أعلن دعوته للتضامن الإسلامي في عام ١٩٦٥م، ورأى منظمة المؤتمر الإسلامي تؤسس قبل وفاته، ولما سمعت نبأ وفاته كتبت مقالًا في رثائه، نشرته الأهرام المصرية، بيَّنت فيه مدى إيمانه بالعلاقة الوثيقة بين الوحدة العربية والإسلامية، واعتبارهما أساسًا للجهاد «الوطني» في إفريقيا الشمالية، ولقد كان فكره في نظري أحد الينابيع «الإسلامية» للكفاح في شمال إفريقيا، وقد نشر هذا المقال بالأهرام تحت هذا العنوان:
عبد الرحمن عزام والوحدة العربية الإسلامية
لا يمكن أن يذكر عبد الرحمن عزام دون أن تذكر الجامعة العربية، كما أن جيلنا -الذي شهد مولد الجامعة العربية ونشأتها- لا يمكن أن يذكرها دون أن يمر بخاطرة ظل تلك القامة المديدة والهامة العالية والسواعد الطويلة التي ترسم أمامه صورة «عبد الرحمن عزام»، باعتباره صاحب فكرة إنشاء تلك المنظمة الدولية وأول أمين عام لها.
وقد شهد جيلنا بعد عشرين عامًا فقط من إنشاء الجامعة العربية مولد فكرة التضامن الإسلامي، التي تمثلها الآن «منظمة المؤتمر الإسلامي»، هناك صورة عملاقة أخرى هي صورة الملك فيصل بن عبد العزيز ترتسم في الذهن، كلما ذكر التضامن الإسلامي، وإذا كان كلاهما قد رحل عنا الآن بعد أن قام بدوره التاريخي، فقد تركا للجيل الجديد من أبناء هذه الأمة مهمة كبيرة هي بناء وحدة الأمة الإسلامية على أساس التكامل بين هاتين المنظمتين، وفي نظري أن كتابات عبد الرحمن عزام ومؤلفاته قد وضعت الأسس الفكرية لهذا التكامل ويكفي أن نذكر هنا كتاب «الرسالة الخالدة»، وكتاب «محمد بطل الأبطال».
إن الارتباط والتكامل بين الجامعة العربية والإسلام لا يظهر فقط في كتابات عبد الرحمن عزام، بل إنه عنصر بارز خلال تاريخ حياته كلها منذ شبابه حتى وفاته.
لقد كان طالبًا بكلية الطب بجامعة لندن عندما دعا الخليفة للجهاد في حرب البلقان قبيل الحرب العالمية الأولى، فلبي الطالب الشاب نداء الجهاد وسارع إلى ميدان القتال تحت الراية الإسلامية في البلقان، وعندما ثار شعب ليبيا ضد الاستعمار الإيطالي الذي يهاجمها، وضد الاستعمار الإنجليزي الذي يساعده من قواعده في مصر، وكانت الدولة العثمانية الإسلامية تمد ثوار ليبيا وغيرهم بالسلاح والمال والرجال، سارع عبد الرحمن عزام بالانضمام إليهم، وحمل السلاح معهم ضد الإنجليز والطليان.
لقد عرفت علاقة عبد الرحمن عزام بالجامعة العربية قبل إنشائها عام ١٩٤٥م قبيل انتهاء الحرب العالمية الثانية، من حديث دار في مكتب الأستاذ أسعد داغر بدار الأهرام، وكان في مجلسه عدد من أصدقائه السوريين والفلسطينيين، وكان حديثنا عن مصير فلسطين بعد انتهاء الحرب بانتصار الإنجليز، وما سيفعله العرب بعد هزيمة ألمانيا. فقال المرحوم إسحاق درويش أحد قادة الهيئة العربية العليا لفلسطين: إن عبد الرحمن عزام يدعو لفكرة جريئة سيكون لها دور كبير في قضية فلسطين، فكرة إنشاء اتحاد عربي يضم جميع الشعوب العربية، ومن بينها شعب فلسطين ودولة فلسطين، وأنه قدم مذكرة بذلك لعدد من ساسة الدول العربية وخاصة المصريين، وكان واضحًا من حديث عزام أنه إذا وافقت مصر على المشروع فإنه سينجح، وفعلًا تحمست الحكومة المصرية الوفدية برئاسة الزعيم مصطفى النحاس باشا في ذلك الوقت للفكرة، وأنشئ الاتحاد باسم الجامعة العربية، ولقد علمت منذ ذلك الوقت قبل أن تنشأ هذه الجامعة أن صاحب فكرتها هو عبد الرحمن عزام، وأنه لهذا السبب قد اختارته الجامعة العربية فيما بعد أول أمين عام لها.
لكن عمل عزام بالجامعة لم يكن عملًا بيروقراطيًّا سياسيًّا ودبلوماسيًّا فقط كما كان يريد بعض الحكام من العرب؛ لأنه بقي وفيًا للمبادئ التي دفعته للتطوع في ميادين الجهاد في البلقان وفي برقة وطرابلس، وأهمها مبدآن: الأول: أنه لم يفرق بين العمل للعروبة والعمل للإسلام.
الثاني: أنه لم يفرق بين العمل السياسي والجهاد في ميادين القتال.
لا شك أن بعض ساسة العرب وحكامهم الذين عاصروا عبد الرحمن عزام عندما كان أمينًا عامًا للجامعة العربية كانوا بعيدين عن هاتين الفكرتين، كانوا يكررون قولهم: إن الجامعة العربية لا علاقة لها بالإسلام، وكانوا يقولون: إن الجامعة ليست لها شخصية دولية.
وليس لها سياسة خاصة بها؛ لأنها ليست دولة فوق الدول، وإنما هي جهاز بيروقراطي لتنفيذ سياسة الدول الأعضاء، فلا يمكن أن يكون لها نشاط إلا عن طريق حكومات الدول الأعضاء، وكثير منهم لم يكن يخفى معارضته لمواقف عبد الرحمن عزام وتصريحاته، ومواقفه الجريئة الصريحة، وخاصة بالنسبة لشمال إفريقيا.
ومن المؤكد أن عبد الرحمن عزام لم يقتنع بحجج هؤلاء الساسة والحكام، وأنه استمر أثناء عمله بالجامعة العربية يعتبر نفسه مجاهدًا كما كان قبلها، وكان في جهاده -كما قلنا- لا يفرق بين العروبة والإسلام، ولا بين ميدان القتال وميدان السياسة.
ففي بداية عمله بالجامعة بدأت إندونيسيا كفاحها ضد الهولنديين، فسارع إلى مساعدة الحركة الوطنية في إندونيسيا، وبدأ سياسة التقارب مع الهند وباكستان، التي أدت إلى تكوين كتلة دولية جديدة في الأمم المتحدة تحمل اسم المجموعة العربية الآسيوية، كان هدفها الأول هو الدفاع عن إندونيسيا حتى نالت استقلالها، ولم يسمع لاحتجاجات بعض زعماء العرب الذين قالوا: إن إندونيسيا ليست عربية فلا شأن للجامعة العربية بقضيتها، إنه رد عليهم بأنه في حاجة إلى مساعدة جميع الحركات الوطنية، وإلى التعاون مع المجموعة الآسيوية لقضية فلسطين، وأنهم فعلًا تعاونوا معنا في قضية سوريا ولبنان ضد الحكم الفرنسي التي انتهت باعتراف فرنسا باستقلال الجمهوريتين العربيتين، ولا يمكن أن نتخلى عن التعاون معهم، ومع جميع المدافعين عن الحرية والاستقلال لجميع الشعوب، وقد سار في دفاعه عن إندونيسيا حتى استقلت كما استقلت سوريا ولبنان.
ولم تشغله قضية فلسطين، ولا قضية سوريا ولبنان ولا إندونيسيا عن حبه الأول لأرض ليبيا وشعب ليبيا المكافح، فقد جعل همه الأول عندما أنشئت الجامعة تمويل الحركة الوطنية في ليبيا ومساعدتها ماليًّا وسياسيًّا، والدفاع عن مطالبتها باستقلال ليبيا ووحدتها؛ حتى استقلت ليبيا كما استقلت سوريا ولبنان وإندونيسيا، ودافع عن الحركات الوطنية في إفريقيا الشمالية، حتى استقلت المغرب وتونس والجزائر فيما بعد، وظهر للحكام والساسة العرب الذين كانوا ينتقدونه ويهاجمونه أنه وإن كان فعلًا قد خرج عن حدود العمل السياسي البيروقراطي الذي رسموه للجامعة وللأمانة العامة، إلا أنه كان أبعد منهم نظرًا وأصدق نبوءةً، وأن أهدافه وإن كانت سابقة لزمانه إلا أنها في اتجاه سير التاريخ الذي أثبت صحتها.
عبد الرحمن عزام في باريس
لم يكن خصوم عبد الرحمن عزام من العرب فقط؛ بل إن أكبر خصومه وأخطرهم كانوا من غير العرب وخاصة الإنجليز والفرنسيين.
لقد كنت معه في باريس عندما زارها لأول مرة عام ١٩٤٦م، وحضرت مؤتمره الصحفي الذي تكلم فيه عن القضايا العربية وسياسة الجامعة العربية إزاءها، ولم يقصر كلامه على قضية فلسطين ولا قضية ليبيا كما كان الفرنسيون يتوقعون، وإنما تكلم عن قضايا تونس والمغرب والجزائر؛ مما أثار عليه الفرنسيين الرسميين وغير الرسميين، ولقد تابعت تعليقات الصحف الفرنسية على زيارة عزام وتصريحاته، وكانت خلاصتها أن هذا رجل مخرف جاء لباريس ليتكلم عن شعوب خاضعة للسيادة الفرنسية والاتحاد الفرنسي، وأن على الحكومة الفرنسية أن تلزم هذا الرجل حدوده أو تطرده من بلادها.
بعد خمس سنوات فقط من هذه الزيارة الأولى ذهبت معه إلى باريس في زيارته الثانية في خريف عام ١٩٥١م؛ ليدافع عن قضية المغرب أمام الجمعية العمومية لهيئة الأمم المتحدة، وعادت الصحف الفرنسية إلى الهجوم عليه، وحاصرته الحكومة الفرنسية هو ووفد الجامعة العربية -الذي اشتركت فيه- حصارًا شديدًا؛ حتى لا يتصل بأحد من زعماء الحركة الوطنية في أقطار شمال إفريقيا، ولكنه لم يأبه لهذا الحصار ولا لهذه الحملات الصحفية، وحضرت حوارًا بينه وبين أحد «العقلاء» من الفرنسيين كان ينصحه بأن تقنع الجامعة العربية بقضية فلسطين، ولا تشغل نفسها بقضايا شمال إفريقيا إلا عندما تنتهي من قضية فلسطين، ولكن عزام قال له: وأنا أنصح فرنسا بأن تنصف شعوب شمال إفريقيا وتكسب ودهم وصداقتهم؛ لأنهم لا يمكن أن يرضوا بالتبعية الفرنسية، وإذا لم تنصفوهم فسوف يلجؤون إلى السلاح، وإذا حملوا السلاح فلن يضعوه حتى ينالوا حقوقهم، إنني أعرفهم أكثر منكم، وتجربتي معهم تؤكد لي ذلك، وقد أثبتت الأيام أنه كان صادقًا.
بعد بضعة سنوات من هذا الحوار حملت شعوب إفريقيا الشمالية في تونس والمغرب والجزائر سلاحها، وكافحت حتى نالت جميعًا استقلالها، واليوم علم الفرنسيون أن عبد الرحمن عزام كان أبعد نظرًا وأصدق نبوءةً من جميع زعماء فرنسا وحكامها منذ نهاية الحرب العالمية الثانية؛ حتى جاء «ديجول» وأنهى حرب الجزائر.
ولم يقصر عبد الرحمن عزام نصائحه على الفرنسيين، وإنما سمعت بنفسي نصائحه لزعماء شمال إفريقيا الذين التقى بهم في باريس وفي القاهرة، إن بعضهم ما زال حيًّا ويعلم أن عبد الرحمن عزام كان يقول لهم: إن الجامعة العربية لن تحصل لكم على الاستقلال؛ بل عليكم أن تأخذوه بجهادكم وتضحياتكم، وكل ما تفعله الجامعة أو الدول العربية هو أن تساعدكم في جهادكم، وكان أول المساعدين فعلًا، وكان زعماء إفريقيا يعلمون ذلك ويقدرونه، وكانوا يعلمون أن بعض حكام الدول العربية وزعمائها ووزرائها كانوا يفضلون أن يحتفظوا بصداقة فرنسا، ولو أدى ذلك إلى التنكر للحركة الوطنية في شمال إفريقيا، وأن هؤلاء كانوا يهاجمون سياسة عزام، ويسعون لإبعاده من الجامعة العربية، ونجحوا في ذلك بعد الانقلاب العسكري في مصر عام ١٩٥٢م. أكثر من ذلك فإن عبد الرحمن عزام -قبل إنشاء الجامعة وقبل الحرب العالمية الثانية- دعا مصر إلى إنشاء قوات مسلحة شعبية، وأقنع بذلك علي ماهر عندما كان رئيسًا للوزارة، وأنشئت هذه القوات تحت اسم الجيش المرابط، والمصريون الذين عاصروا إنشاء هذا الجيش يعرفون كيف فزع الإنجليز من هذا الاتجاه الخطر عليهم، وكيف سعوا لإلغائه حتى نجحوا في ذلك بإقالة علي ماهر، وإخراج عبد الرحمن عزام من الوزارة واضطهاده شخصيًّا في أقسى فترة مرت به في حياته.
إن الجيش المرابط في فكر عزام كان في نظره إحياء لفكرة الجهاد الشعبي الإسلامي التطوعي، ويقينًا أن المصريين والعرب لن ينالوا حقوقهم إلا بالجهاد الشعبي ضد الجيوش الاستعمارية.
لذلك سارع بعد ذلك وهو أمين الجامعة العربية بأن سخرها لمساعدة الفدائيين في فلسطين عام ١٩٤٧ – ١٩٤٨م، وطلب من الحكومات العربية أن تسمح لضباط جيوشها بالتطوع لقيادة كتائب الجهاد الشعبية التي تمولها الجامعة العربية، وفعلًا صدر قرار الجامعة بذلك، وتطوع كثير من الضباط لقيادة كتائب المقاومة الشعبية التي كان يقودها الشهيد القائد البطل أحمد عبد العزيز.
بل إن المتطوعين الذين بدأوا العمل الفدائي ضد الإنجليز في منطقة القنال عام ١٩٥٠م، يعلمون أن عبد الرحمن عزام لم يقصر في تدعيم هذه الحركة الفدائية وتمويلها والدعاية لها؛ حتى اعترفت بها الحكومة المصرية، ودعمتها وشاركت فيها بقوات الشرطة كما هو معروف.
وإذا كان عبد الرحمن عزام قد أبعد عن الجامعة العربية؛ فإنه استمر في عزلته يدعو لفكرتين أساسيتين يعتبرهما أهم خصائص الفكر الإسلامي هما: فكرة الجهاد والفداء، وفكرة الوحدة بين المسلمين جميعًا؛ سواء كانوا عربًا أو غير عرب، ومن كان يريد معرفة مدى عمق الفكرة الإسلامية لدى عبد الرحمن عزام؛ فعليه أن يقرأ كتاب «الرسالة الخالدة»، إن رسالة العرب الخالدة في نظره هي الرسالة الإسلامية، كما آمن بها، وكما صورها ورسم خطواتها ودافع عنها في هذا الكتاب، وأول أسس هذه الرسالة أنها لا تقر الاعتزاز بعنصر أو جنس من الأجناس، وأن قيمة الإنسان في عمله، وفي ساحة العمل والجهاد ينعم الجميع بأخوة التضحية ووحدة المصير والتسابق للشهادة.
لقد طلب عزام الشهادة ولم يخشَ الموت في المعارك وساحات القتال، لكن الموت قد جاءه فحمله إلى دار البقاء؛ ليلقى زملاءه في الجهاد في البلقان أو في أرض برقة وطرابلس، فهنيئًا له ولهم، لقد بقي وفيًا لهم طوال حياته يذكرهم بكل خير، وندعو الله أن يجمعه بهم في صفوف الشهداء جزاءً على ما قدمه من جهاد وما تحلى به من ثبات ووفاء واستعداد للبذل والتضحية في كل مكان ترتفع فيه راية الجهاد في سبيل الله.
صحيح أن جريدة الأهرام لم تنشر نص مقالي كاملًا كما أرسلته لها، ولذلك حرصت على إيراده هنا بنصه الذي كتبته؛ ليعرف القارئ أنني تعاملت مع عبد الرحمن عزام وتعاونت معه طوال حياته موقنًا أنه نموذج فذ لدعاة التيار الإسلامي الذين يعتبرون الوحدة العربية مرحلة في طريق الوحدة الإسلامية الكبرى، وأنه قام فعلًا بدور أساسي في تحويل حركة الوحدة العربية إلى حركة للوحدة الإسلامية باسم التضامن الإسلامي.