; صفحات من دفتر الذكريات طريق الجزائر (١٠١)- المغرب ولبنان والنظام الناصري | مجلة المجتمع

العنوان صفحات من دفتر الذكريات طريق الجزائر (١٠١)- المغرب ولبنان والنظام الناصري

الكاتب الدكتور توفيق الشاوي

تاريخ النشر الثلاثاء 18-يونيو-1996

مشاهدات 58

نشر في العدد 1204

نشر في الصفحة 46

الثلاثاء 18-يونيو-1996

أعتقد أن بعض العناصر ذات الولاء المزدوج كانت سعيدة بميثاق التضامن المخابراتي بين الأنظمة الحاكمة في العالم العربي؛ لأن ذلك سيفسح لها المجال لتقوم بمهام عديدة لحساب كل الجهات، وأن تكسب من كل أصحاب الشأن. 

لم يدر بخاطري عندما كنت أتحدث مع «بن بركة» عن هذا التضامن المخابراتي أن عناصر الاستخبارات الفرنسية سوف تساهم في أكبر عمليات «التضامن العربي» ضد حياته، ولا أن بعض عناصر المخابرات سوف تتبع ذلك بعملية لاختطافي، والفرق بين العمليتين أن الأولى نجحت، ولكن الثانية فشلت، وتحولت إلى محاكمة في بيروت.

إنني لا أستطيع أن أحدد دور عملاء «أوفقير» فيما وقع لي، لكنهم ساهموا بطريقة أو بأخرى في هذا الكمين، والذي أؤكده أنهم يتمنون نجاحه واختفائي من المسرح؛ لأنهم يعتقدون أنني أسعى لإيجاد نوع من الانفراج في العلاقات بين المغرب والجزائر، وهم لا يريدون ذلك، وقد تأكد لي ذلك فيما بعد من تطورات موقف السفارة المغربية في بيروت. 

إن الأستاذ عمر الأميري عندما علم بمنعي من السفر أخذ القضية قضية شخصية، وسارع للاتصال بجميع من يعرف في بيروت لإبلاغهم، وطلب مساعدتهم وتدخلهم... بدأ هذه الاتصالات في المطار، ثم لما جاء وقت المغرب آثر أن يذهب إلى منزله ويستأنف اتصالاته من هناك؛ لأنها في نظره أسهل وأسرع، ولكنه في ذلك الوقت كان يسكن في عمارة، وكان التليفون عند البواب، والظاهر أن كل ما قاله قد سجل وحفظ وفهم، إنه اتصل بالسفير السعودي، وعلم منه أن مدير مكتب الخطوط قد اتصل به، ثم اتصل بالسفارة المغربية فعلم أن المغرب لا سفير له، ولكنه تحدث مع القائم بالأعمال الذي فجع عندما سمع الخبر، ووجدها فرصة للأخذ بثأره من اللبنانيين الرسميين وغير الرسميين، ذلك أنه بسبب حادث بن بركة كانت بعض الصحف اللبنانية قد شنت هجومًا على الحكومة المغربية وعلى الملك الحسن شخصيًّا واتهموه بأنه قتل زعيمًا معارضًا له، وتجاوزت الحملة الحدود في نظره، فاضطر «الملك الحسن» إلى سحب سفيره من بيروت احتجاجًا على هذه الحملات الصحفية، وبقيت العلاقات على هذه الحال من التوتر؛ حتى جاء «ميثاق التضامن المخابراتي العربي»، فتدخل وسطاء بين الطرفين لاستئناف التعاون «المخابراتي» بين جميع الأطراف، ويظهر أنني كنت ضحية لهذا التعاون أو التقارب الذي تم على حساب جماعة الإخوان المسلمون وغيرهم من «المعارضين». 

ومن الصدفة البحتة أنني أذكر عندما كنت في السيارة متجهًا إلى المطار مع أصدقائي أننا توقفنا في الطريق، واشترى لي الأستاذ عمر الأميري بعض الصحف والمجلات، وقدمها لي لأقرأها في الطائرة، ومن بينها مجلة أعتقد أن اسمها كان «الحوادث»، ووجدت على غلافها «بروازًا» فيه عبارة تقول: إن جماعة «الإخوان المسلمون» لهم نشاط كبير في لبنان، ونحن نرجو من حكومتنا «الوطنية» أن تعمل على وقف هذا النشاط، وكان هذا على الغلاف، أما على الصفحة الثانية فقد وجدت خبرًا صغيرًا عنوانه: السفير المغربي يعود إلى بيروت، ومضمون الخبر أن الملك الحسن الثاني قد استجاب للوساطات العربية من بعض الحكومات، وقرر إعادة سفيره إلى بيروت، وأعتقد أن الله سبحانه وتعالى قدر أن يكون اعتقالي يوم نشر هذا الخبر؛ لأن هذا كان له أثر في اهتمام وزير خارجية لبنان والقائم بأعمال السفارة المغربية بأمر الكمين الذي نصب لي دون علمهم أو معرفتهم.

إن حكومة المغرب ربما اختارت هذا الوقت الإعادة العلاقات بعد أن أكدت لها استخبارات «أوفقير»، تعاونها الكامل مع بعض المسؤولين في المخابرات الناصرية في موضوع «المهدي بن بركة» يؤكد ذلك أن صحافة الناصريين بدأت ترتب لإعادة العلاقات التعاونية بين لبنان والمغرب ومصر.

القائم بأعمال السفارة المغربية:

إن القائم بالأعمال المغربي كان شابًا ناشئًا، وكان يعرفني شخصيًّا، لأنه كان طالبًا من طلابي في كلية الحقوق بجامعة الرباط، وكان يحبني، لذلك ثار عندما سمع خبر اختطافي من الأستاذ عمر الأميري، وتدخل تدخلًا قويًا وحاسمًا لدى وزير الخارجية اللبناني، وهذه النقطة كانت من المصادفات التي أعدها القدر لإفشال مؤامرة اختطافي وعدم إتمامها. 

لقد وجد القائم بالأعمال المغربي الفرصة سانحة؛ لكي يهاجم اللبنانيين، ويعطيهم درسًا في السلوك ردًّا على ما كانوا يفعلون أيام حادث بن بركة، وفعلًا اتصل بوزير الخارجية وأبلغه أنه سيضطر لإبلاغ الحكومة المغربية بالحادث، لأنني كنت في اعتقاده مغربيًّا ومستشار الملك الحسن، ولكن الوزير اللبناني طلب منه مهلة لبحث الموضوع، وبعد قليل أجابه بأنه اتصل بوزير الداخلية الذي أكد له أنه لا أساس لهذا الموضوع، ولا يوجد لدى حكومته خبر عن هذا الشخص ولا عن هذا الأمر.

اتصال بالقائم بالأعمال المغربي:

هذا الجواب تم عندما كان الأستاذ عمر الأميري مازال في المطار، ولكن بعد ذلك شاهدني عمر الأميري بعينيه في المطار مقبوضًا عليَّ، فذهب فورًا وأعاد الاتصال بالقائم بالأعمال المغربي، وقال له: إنني رأيته بعيني وهو مقبوض عليه في المطار، فطلب منه مهلة ثانية، وليتأكد الأستاذ عمر أنني لم أسافر بعد أن رآني في المطار، ذهب قبل أن يعود لمنزله إلى مكتب الخطوط السعودية، وطلب من مدير الخطوط السعودية أن يذهبا معًا إلى مكتب خطوط الشرق الأوسط واطلعا على «مانفيستو» طائرة الشرق الأوسط التي سافرت إلى جدة بعد الطائرة السعودية، وتأكد بأن اسمي لم يكن من المسافرين، وعندما عاد الأستاذ عمر إلى منزله عاود الاتصال بالقائم بالأعمال المغربي، الذي أجابه بأن وزير الخارجية قال: إنه فعلًا كان هناك شخص مغربي عجوز، وتأخر عن السفر إلى جدة على الطائرة  السعودية، ولكنه سمح له بعد ذلك بالسفر، وسافر فعلًا، وأعطاه اسم ذلك الشخص، ولكنه غير اسمي، وهنا قال له عمر: إنه بحث الأمر وتأكد أنني لم أسافر إلى جدة، ويخشى أن يكون الهدف هو إرغامي على السفر للقاهرة، وأنه يعتقد أن العملية يقوم بها جماعة يعملون لحساب الاستخبارات المصرية دون علم الحكومة اللبنانية أو أحد المسؤولين فيها وخاصة الوزراء، ولذلك فهو يعتقد أن وزير الخارجية ربما كان صادقًا عندما أجابه بأنه اتصل بوزير الداخلية، وأن هذا الوزير كان صادقًا بأنه على حد علمه لا يوجد شيء من ذلك؛ لأنه لا علم لهما بالموضوع.

وقال الأستاذ عمر للقائم بالأعمال المغربي: إنه ذهب إلى مكتب شركة الشرق الأوسط، ومعه مدير مكتب الخطوط السعودية، وتأكد أنني لم أسافر على أية رحلة تالية إلى جدة، ولذلك فإنه موقن بأن هناك لعبة للمخابرات لا تعلم بها الحكومة، وطلب منه أن يعاود الاتصال بالخارجية أو غيرها من الجهات المسؤولة؛ لتسرع بكشف حقيقة الأمر؛ لأنه يخشى أن يكون بعض رجال المكتب الثاني «المخابرات اللبنانية» متورطين في الموضوع، وفعلًا سارع القائم بأعمال سفارة المغرب وعاود الاتصال بوزير الخارجية وقال له: إنه متأكد أنني مازلت في المطار، وإنني لم أغادره، وأن الموضوع خطير، وأنه مضطر للاتصال بحكومته، وأضاف كثيرًا من المعلومات والأوصاف التي تعطي الشخصي أهمية مبالغًا فيها، لم يكن يعلمها وزير الخارجية اللبناني، وهي أنني لست فقط مغربي الجنسية، بل إني مستشار الملك الحسن الثاني، وأن المسألة ستكون مسألة خطيرة إذا أبلغ حكومته، فإن وزير الخارجية اللبناني رجاه رجاءً حارًا أن يتمهل، وأنه سيبحث الأمر، وسيعطيه النتيجة في الصباح التالي.

وزير الداخلية اللبناني:

عاود وزير الخارجية اللبناني الاتصال بوزير الداخلية، الذي اتصل بدوره بوزير الدفاع اللبناني وطلب منه الاتصال بالمخابرات اللبنانية؛ أي «المكتب الثاني»، وطلب منه البحث في الموضوع؛ لأنه خطير، وكان هذا التدخل القوي من الوزيرين حاسمًا.

عند ذلك لم يجد القائمون بالمؤامرة إلا وسيلة واحدة هي أن قالوا: إنهم قبضوا علي، وأن ذلك سببه أنهم وجدوا معي أوراقًا تدل على أنني أقوم بمؤامرة لإفساد علاقات لبنان مع دولة شقيقة صديقة عزيزة لديهم «عزيزة بمعنى أنها تملأ جيوبهم بالمال طبعًا»، وأن هذه الأوراق لديهم، والحقيقة أنهم لم يكن لديهم ورقة واحدة، وأنهم لم يكونوا يفكرون في القبض علي، أو التحقيق معي، وقد بدءوا التحقيق معي ليبحثوا عن مبرر للقبض علي، فلم يجدوا معي شيئًا يفيدهم، وقرروا عندما لم يجدوا أوراقًا معي أن يهاجموا منزل صديقنا الأستاذ عمر الأميري؛ لأنهم سيجدون قطعًا أوراقًا تنفعهم في التشهير بي وبه وبالإخوان عمومًا، ولم  يكتفوا بهذا أيضًا، بل هاجموا منزل الأستاذ عصام العطار، وكلاهما كان لاجئًا سياسيًّا لدى الحكومة اللبنانية، ولم تفكر الحكومة اللبنانية مطلقًا قبل ذلك في مضايقتهما أو إحراجهما أو حتى فرض الرقابة عليهما، وهذا يؤكد أن العملية كانت من تدبير بعض عناصر الاستخبارات لإخفاء المحاولة الأثمة التي فشلت لاختطافي وتحويل خط سفري ليخرجوني من بيروت إلى القاهرة بدلًا من السعودية، دون أن ينكشف الأمر.

صديق لا أنساه:

لا بد أن أعترف بأن هذا الكمين الذي أعدته لي المخابرات الناصرية، واشترك فيه عناصر ممن يعملون لحسابها أيضًا ... قد فشل، وأن الدور الأكبر في نجاتي يرجع إلى جهود صديقي الأستاذ عمر بهاء الدين الأميري، وما قام به من دور في هذه القضية، رغم أن ذهابه معي إلى المطار كان مجرد مصادفة بحتة لم تتكرر في يوم من الأيام قبل ذلك ولا بعده.

إن الأستاذ «عمر الأميري» تدخل بكل الوسائل لدى السلطات اللبنانية، واضطرهم للاهتمام بعد أن أشاع الأمر في جميع السفارات العربية، بل وغير العربية، وفي جميع أوساط اللاجئين السياسيين الذين تزدحم بهم بيروت وجميع الكتاب والصحفيين وغيرهم من أصدقائه. بالإضافة إلى ما قام به القائم بالأعمال المغربي؛ إذ إنه كان شابًّا حديث السن حديث التخرج في كلية الحقوق، وكان يعرفني ويحبني شخصيًّا، وكان مقربًا للزعيم علال الفاسي، ويعلم بعلاقتي الوثيقة به وببعض الجهات الرسمية في المغرب. أكثر من ذلك وأهم أن معلومات القائم  بالأعمال المغربي كانت قديمة وناقصة وغير مهمة في بعض الأحيان، فقد كان يعتقد أنني مازلت مستشارًا في المحكمة العليا مع أني تركتها، ويظن أني كنت مستشارًا للملك محمد الخامس، ومن بعده ابنه الملك الحسن الثاني وهذا مخالف للواقع، لأنني كنت مستشارًا لمجلس النواب فقط، كما كان يعتقد أنني عندي الجنسية المغربية، والصحيح أني لم أحمل الجنسية المغربية، ولم تكن لي علاقة بالمغرب في ذلك الوقت، بل تعاقدت مع السعودية ... كل هذا لم يكن يعرفه من حسن حظي، ومن حسن حظي أن معلوماته القديمة قد ساهمت في تضخيم القضية، وفي إثارة وزير الخارجية ووزير الداخلية ووزراء آخرين في الحكومة اللبنانية.

هناك عامل آخر جعل وزير خارجية لبنان يهتم بهذا الخبر اهتمامًا خاصًّا، هو أن ذلك حدث في نفس اليوم الذي نشرت فيه الصحف أن الملك الحسن الثاني وافق على إعادة العلاقات الدبلوماسية ورجوع سفيره إلى بيروت، وطبعًا كان هذا نجاحًا للوزير، ولم يكن يسمح بأن تظلله سحابة مثل هذه السحابة التي كان يعتقد أنها غلطة هينة وتافهة ما كان يجب أن تحدث، وأنها ربما كانت نتيجة خطأ أو لبس في الاسم، لذلك فإنه طلب مهلة من القائم بالأعمال المغربي، وأعاد البحث مع وزير الداخلية، بل ومع وزير الدفاع «الذي يعتبر المكتب الثاني أو الاستخبارات تابعة له»، ويظهر أن هذا التدخل كان حاسمًا؛ لأنه دفع القائمين بالمؤامرة إلى أن يغيروا اتجاهها تمامًا، وبدلًا من الخطة الأصلية رأوا أن يفتحوا تحقيقًا، وأن يعلل القبض بأنه كان من أجل التحقيق في تهمة ما، وبقي عليهم أن يخلقوا هذه التهمة، وأن يقدموا الأوراق والمستندات التي تؤيدها، ولم يكن هذا أمرًا سهلًا، ولذلك قرروا توسيع نطاق الإجراءات لتلفيق قضية كبيرة تشمل عددًا كبيرًا من الإخوان المسلمون في بيروت، ويكون على رأسهم نجوم معروفة مشهورة، واختاروا لذلك الأساتذة عمر الأميري، وعصام العطار، وزيد بن علي الوزير، بل والشيخ زهير الشاويش صاحب دار النشر التي تحمل اسم المكتب الإسلامي في بيروت وقد أدخلوه؛ لأنهم يعتقدون أن بعض الكتب الإسلامية التي ينشرها يمكنهم أن يعتبروها دعاية للتضامن الإسلامي الذي رفع شعاره الملك فيصل وتعارضه الحكومة الناصرية، وبذلك يمكنهم وصف هذه الكتب بأنها تفسد علاقات لبنان مع دول شقيقة وصديقة.

* عندما فشلت مؤامرة المخابرات الناصرية باعتقالي في بيروت قامت بتلفيق قضية كبرى لشخصيات مشهورة من الإخوان اللاجئين في لبنان

 لقد انحصرت القضية إذن - في زعمهم - في نطاق نشر بعض الكتب المعادية للنظام الناصري الصديق لحكومة «كرامي»، ولهذا فإن حكومة «صائب سلام» التي جاءت بعد ذلك وجدت من السهل أن تقرر أن الحكم الغيابي الذي صدر ضدنا كان أحد الأحكام المتعلقة بالنشر والصحافة التي صدر بشأنها قرار بالعفو الشامل، وقرر النائب العمومي أن هذا الحكم قد ألغي طبقًا لهذا القرار.

(*) أستاذ القانون السابق بجامعة القاهرة

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 19

86

الثلاثاء 21-يوليو-1970

صحافة - العدد 19