; صفحات من دفتر الذكريات (٣٥) مهادنة المستعمر ومعاداة الحركة الإسلامية؟ | مجلة المجتمع

العنوان صفحات من دفتر الذكريات (٣٥) مهادنة المستعمر ومعاداة الحركة الإسلامية؟

الكاتب الدكتور توفيق الشاوي

تاريخ النشر الثلاثاء 07-فبراير-1995

مشاهدات 63

نشر في العدد 1137

نشر في الصفحة 46

الثلاثاء 07-فبراير-1995

" بعض الحكام يسترون تعاونهم مع العدو الأجنبي بقمع التيار الإسلامي وتلفيق التهم له بالتآمر لقلب نظام الحكم، ويقوم الإعلام الخاضع للقوي الأجنبية بخداع الجماهير"
 "حكومة العسكر في مصر حصلت على تفويض من القوي الأجنبية بالانفراد بالسلطة وفرض الوصاية على الشعب"
“كانت مهمة نظام العسكر في نظر القوي الأجنبية هي نشر النظريات الاشتراكية لعزل الجماهير عن أصولها الإسلامية وإبعادها عن التيار الإسلامي”
 كان هذا هو الوضع عندما عدت إلى مصر بعد حريق القاهرة في عام ١٩٥٢م، وكان المرشد الأول الشهيد حسن البنا قد اغتاله عملاء فاروق في فبراير عام ١٩٤٩م، ولذلك فإنَّ الإخوان بعد صدور الحكم لصالحهم قد بدؤوا باختيار المرشد الجديد، وكان لي دور هام في ترشيحه وانتخابه، وهو المرحوم المستشار «حسن الهضيبي»، وفي عهده تعاون فريق من الإخوان مع الضباط لإزاحة «فاروق»، وحكمه بعد خيانته لقضية فلسطين وللوفد والقضايا الوطنية وغيرها، لقد تنكَّر للوفد، وعزل حكومته بعد حريق القاهرة، لكنه كان قد تنكَّر للإخوان قبل ذلك، وهو الذي دبَّر اغتيال «حسن البنا».
  إننا يجب أن نسجِّل هذه الظاهرة الخطيرة، وهي أن بعض الحكام في بلادنا عندما يريدون أن ينفذوا سياسة الاعتدال والمهادنة والتعاون مع العدو الأجنبي فإنَّ ذلك يستلزم عادة في نظرهم انتهاج خطة العنف والقمع والإرهاب ضدّ التيار الإسلامي، وهم يعلمون أنَّهم إنَّما يفعلون ذلك إرضاء لقوى أجنبية وتنفيذًا لنصائحها أو توجيهاتها، إلا أنَّهم يخفون ذلك عن شعوبهم. ويبحثون عن أسباب داخلية؛ ليبرِّروا هذا القمع مدعين بأن الإسلاميين ينازعونهم في السلطة. وكثيرًا ما يلفِّقون لهم تهم «التآمر لقلب نظام الحكم»، ويحاكمونهم، ويحكمون عليهم بالسجن أو القتل، وتساعدهم أجهزة الإعلام الداخلية التي يسيطرون عليها ظاهريًا، ولكن بعض المراكز الأجنبية الصهيونية والصليبيَّة هي التي تسيطر عليها فعلًا، كما تسيطر على أجهزة الإعلام العالمي التي تقدم نمو التيار الإسلامي على أنَّه مظهر من مظاهر التخلف لدى شعوبنا وحكامنا أيضًا، إن القوى الأجنبية تصور الخلافات السياسية بين التيار الإسلامي وبعض الحكومات على أنَّه صورة من صور الصراعات الدموية أو المؤامرات المتوالية، والحقيقة أنَّهم هم الذين تآمروا وفرضوا على الحكام الوطنيين أن يختلقوا هذه الأسباب الواهية الزائفة؛ لتبرير هجومهم على الإسلامييّن، ويروجوا الاتهامات الزائفة؛ حتى لا تظهر الأسباب الحقيقية التي تشير إلى الضغوط الأجنبية والنصائح الاستعمارية.
  وهناك حقيقة أهم وأخطر يجب أن نوضحها، وهي أن رواسب التخلف تظهر في دائرة المجموعات التي تمارس السلطة بتدعيم من القوى الأجنبية ورضاها، حتى ولو كان بعضهم يرفع شعارات وطنية أو قومية أو بعثية، أما جمهور شعوبنا فإنَّه قد تحرر من هذه الرواسب، وتطهَّر منها إلى حدٍّ كبير، بعد تكرار المسرحيات وتعددها، والدليل على ذلك انحيازه لجانب الصحوة الإسلامية التي لا يمكن أن تتخلى عن الجهاد الذي فرضه الإسلام؛ ليكون دائمًا وماضيًا إلى يوم القيامة ؛حتى تحصل جميع الشعوب على حريتها الكاملة.
بعض الحكومات أدواتُ لتنفيذ خطط الأعداء والصهاينة:
  من أهم خصائص جهادنا الإسلامي أنه لا يمكن أن يقبل الفصل بين قضايا الشعوب الإسلامية، ولا أن يسمح لبعض الحكومات «الوطنية»، أن تصرف شعوبنا عن الجهاد من أجل هذه القضايا جميعًا، ولا أن تمنعها من تحمل مسؤولية هذا الجهاد بحجة أنها تحصل مقابل ذلك على منافع من حلفائها أو سادتها الأجانب، أو مساعداتهم العسكرية أو قروضهم التي تتحول إلى سلاسل وأغلال تقيد حريتنا، وتذل شعوبنا وتحول بينها وبين بناء اقتصادها وفرض إرادتها.
  جميع المصاعب التي يواجهها التيار الإسلامي في مصر وغيرها من البلاد، إنما ترجع إلى أن أعداءنا يعرفون جيدًا أن الشعوب تستجيب لدعوة الإسلام، وتصر على مواصلة الجهاد الذي يهدد السيطرة الأجنبية على شعوبنا واستغلالها لثرواتنا ونهب بترولنا وأموالنا، ومما يؤسف له أن بعض عناصر «الوطنيين» تعتبر أنَّه لا يجوز للتيار الإسلامي أن يواصل عمله مع الجماهير، وتجعل بعض الحكومات من نفسها أدوات لتنفيذ خطط القوى الأجنبية والصهيونية، بل إنَّ فيها عناصر تشارك القوى الأجنبية في استغلال شعوبنا وإذلالها، وتكون هذه العناصر أقلية، في مرحلة الكفاح والتضحية، لكن عندما يصل الأمر إلى مقاعد الحكم ومقاعد السلطة، ينضم إليهم فرق المنتفعين الذين يحسنون النفاق ولديهم وسائل عديدة للتأثير، ويقومون بدور خطير في تحويل الحكم الوطني إلى أداة للاستغلال والسيطرة وإذلال الشعوب والاستبداد بها، والاستكبار عليها إرضاء لشهواتهم وتنفيذًا لنصائح الحلفاء الأجانب المستعمرين، هذا هو ما شاهدناه في كثير من بلادنا .
  لقد كانت حكومة الوفد تتعاون مع الإخوان في حركة الفدائيين في القناة، رغم أنَّها لم تجرؤ على أن تعترف لهم بالوجود القانوني إلا بعد أن حكم لهم القضاء بالحق في ذلك، وبعد أن استجابت لضغوط الرأي العام، وألغت المعاهدة التي أعطت للإنجليز الحق في أن يكون لهم قواعد عسكرية في القناة، واعتبرت وجودَهم غير قانوني، وشجعت الأعمال الفدائية التي كان الإخوان ينظمونها ضدَّ القواعد الإنجليزية في القناة، وكان كثيرٌ من هؤلاء المتطوعين قد خرجوا من معتقل الحكومة السعدية التي أصدرت قرار حل الإخوان، ولكنهم انضموا إلى كتائب الإخوان الفدائية في القناة، وفجأة حدث حريق القاهرة، وكان من الواضح أنه دُبِّر بقصد إخراج حكومة الوفد نتيجة شجاعتها، وأن الملك هو  دبره مع عملاء القوى الأجنبية ، وانتهز الفرصة وتمادى في طغيانه  فتعاون الإخوان مع الضباط الذين قاموا بالحركة «المباركة»التي أزاحت فاروق، وأعلنت أول جمهورية في مصر، وكان الإخوان متعاونين مع الضباط الوطنيين، ولكن كما هو الحال بالنسبة لجميع الوطنيين انفصلوا عن الإسلاميين عندما وصلوا للسلطة، لأن الإخوان المسلمين متطرفون، وكانوا متطرفين في المطالبة بالجلاء الكامل ومسألة الوحدة مع السودان، أما الحكامُ العسكريون فإنهم باعوا قضيةَ الوحدة مع السودان، وباعوا الإخوان المسلمين الذين شاركوهم في الثورةِ من أجل الحصولِ على معاهدة أخرى تضمن لهم الانفراد بالسلطة، وعللوا ذلك بحجة أنهم لا يريدون وصاية من الإخوان، والحقيقةُ أنهم لا يريدون وصاية الشعب على حكامه، لأن ما يسمّونه وصاية هي مشاركة الشعب نفسه في القرارات ومسؤولياتها، إنَّهم لا يريدون من الشعب أن يكون مشرِّفًا ووصيًا عليهم، إنهم حصلوا من القوى الأجنبية على تفويض يمكنهم من الانفراد بالسلطة دون رقابة شعبية، بل ليكونوا هم أوصياءَ على الشعبِ كلِّه.
العسكر .. والجامعة العربية:
  ولم أكن أتصور أن يستدرج حكام مصر إلى التنكر للسياسة، التي سارت فيها الجامعة العربية من تأييد الحركات الوطنية وتشجيعها على مواصلة نضالها للحصول على الاستقلال دون تدخل في شؤونها، أو تحريض على إحداث انقسامات بداخلها، ولكن تألمت عندما رأیت بوادر هذا الاتجاه العسكري، منذ بدأت المشكلة بينهم وبين الإخوان، وقد كانت أول خطوة أقدموا عليها هي إبعاد عبد الرحمن عزام من الأمانة العامة لجامعة الدول العربية؛ ليحولوها إلى جهازٍ يسيره بعض ضباط الاستخبارات بكل أسف، وقد وجدوا لهذه السياسة الجديدة الأمينَ العام الذي عينوه بعد عزام، وهو السيد عبد الخالق حسونة.
  وأذكر أنني كنت في مجلس عزام بمنزلِه بعد ذلك، وكان هناك أحد الصحفيين الأجانب الذي قال: إنه عندما سأل عبد الناصر عن سبب خروج عبد الرحمن عزام من الجامعة رغم أنه كان القوة الدافعة لها منذ إنشائها، فكان الجواب الوحيد: إنه طراز قدیم(Out of Date).
  ولم يكن هذا الوصف مقصورًا على عبد الرحمن في نظر هؤلاء المراهقين، بل كان ينطبق في نظرهم على الإخوان المسلمين، وعلى جميع الأحزاب الوطنية في المشرق والمغرب العربي، والحزب الوحيد الذي قبلوا أن يتحالفوا معه؛ لأنَّه عصري جدًا هو حزب البعث الذي أنشاه «ميشيل عفلق» الذي كان يمثل في نظرنا مخلب قط لأجهزةِ الاستخبارات الأجنبية بجميع أنواعها، بما في ذلك الاستخبارات الفرنسية والصهيونية.
  لقد تألمت كثيرًا؛ لأنْ أرى بعيني تدخل حكام مصر لزيادة الشقاق والفرقة بين الجزائريين، بل أيضًا في صفوف التونسيين والمغاربة، وزاد في ألمي أن تدخلهم أخذ صورة سياسية جديدة هدفها استقطاب بعض المواطنين من أقطار شمال إفريقيا للتعاون مع أجهزة مخابرات الحكام الجدد في مصر، الذين شجعوهم للانفصال عن الأحزاب الوطنية، بحجة أنها طراز قديم مضى زمانه، وأن قياداتِها لا تقبل التعاون معهم.
التعاون بين مخابرات العسكر والمخابرات الفرنسية لضرب التيار الإسلامي:
 وكان من بين الأدلة التي قدموها لمن يتقربون إليهم من الوطنيين على أن قيادات الأحزاب«التقليدية» لا تتعاون معهم هو إثبات أن لهم علاقة صلة بالإخوان المسلمين، وأنهم مكَّنوا الإخوان من اختراق صفوف تلك الأحزاب، وأنني ذكرت على أنني أول نموذج لهذا الاختراق. 
  وقصة هذا الاختراق المزعوم من تأليف المخابرات الفرنسية، فهي التي كانت حريصة على عزل الأحزاب الوطنية في جميع الأقطار العربية عن التيار الفكري الإسلامي في العالم العربي، بل وفي جميع أنحاء إفريقيا، واستطاعت بكل أسف أن تتعاون مع الاستخبارات العسكرية الناصرية على غرس عملاء لها مهمتهم الأولى هي التجسس على أعضاء الأحزاب ممن تكون لهم ميول إسلامية، بحجة أن هؤلاء هم أنصار للإخوان، أو أنَّ مصيرهم أن يتحالفوا مع «الإخوان المسلمين» في المستقبل، أو يكونوا أصوليين متطرفين، وقد نجح الفرنسيون في ذلك نجاحًا كبيرًا في الحزب الدستوري التونسي الجديد، واستغلوا طموح بعض قادته الذين شجعهم عملاء فرنسا على مهاجمة كل أصحاب الثقافة الإسلامية وإخراجهم من صفوف الحزب، بحجة أنهم من الدستور القديم الذي كان قادته من علماء الزيتونة المحافظين الذين ليسوا من أنصار الثقافة الفرنسية، ولا يستطيعون مخاطبة فرنسا باللغة الفرنسية التي يتكلم بها قادة «الحزب الجديد».
وفي حزب الاستقلال المغربي بدأت العملية على يد عملاء فرنسا الذين استغلوا غياب «علال الفاسي»، عن بلاده لنفخ بعض القيادات التي بقيت في المغرب، وأقنعوهم أنهم أولى منهم بقيادة الحزب ورئاسة الوزراء؛ لأنه لا يحسن اللغة الفرنسية.
  ولأنه من علماء القرويين، ودفعوا القيادة الداخلية وعلى رأسها الحاج أحمد بلا فريح لتأليف أول وزارة وطنية في غياب علال الفاسي الذي بقي رئيسًا للحزب يقيم خارج البلاد، ولا يرأس الوزارة ، ولا يكون له صوت فيها، لكن «علال» صبر على ذلك ولم يعترض عليه، وبقي بعيدًا عن وطنه، ولما عاد لبلاده ظهر انشقاق آخر قاده ابن بركة وزملاؤه الذين تحالفوا مع عبد الناصر بحجة أنهم يريدون أن يسيروا بالحزب إلى المنهج الاشتراكي، الذي أصبح موضة العالم كله بعد الحرب العالمية الثانية، والذي رفع العسكريون الانقلابيون في مصر شعاراته، ولكن كانت مهمته الحقيقية في العالم العربي في نظر القوى الأجنبية الاستعمارية هي نشر النظريات الاشتراكية كوسيلة لعزل الجماهير والأحزاب عن أصولها الإسلامية، وإبعاد العناصر الإسلامية عن تلك الأحزاب وحكوماتها، واتهامهم بأنهم رجعيون أو أنهم يؤيدون الإخوان المسلمين إذا اقتضى الأمر ذلك بعد أن تولت الدعاية الاستعمارية وأبواق الاستعمار الأوروبي مهاجمة الإخوان وتخويف الحكام الوطنيين من تزايد نفوذهم وانتشار دعوتهم بزعم أن لهم مطامع في الحكم الذي هو حق «الوطنيين» العصريين وأنصارهم وحدهم، وزاد في عداء هؤلاء العصريين مصر . للحركات الإسلامية أن بدأت الجماهير تتصرف عنهم بعد أن شاهدوا تنافسهم على المناصب والغنائم والرئاسات، وفشلهم في تحقيق أي تقدم في النواحي الاقتصادية أو السياسية.
  في الجزائر كانت الخلافات بين فريق مصالي وفريق اللجنة المركزية قد خلقت جوًا من اليأس لدى الشباب والطلاب عامة، بل والعمال كذلك، ولم يعد للحزب نفوذه في فرنسا كما كان قبل ذلك، وأصبح في مستوى الأحزاب الوطنية الأخرى، وتصادف أن كثر عدد الطلاب السوريين والمصريين من الإخوان خاصة، ومن الإسلاميين عامة في فرنسا فسدّوا الفراغ الناتج عن هذا اليأس، واستقطبوا عددًا كبيرًا من الجزائريين والتونسيين والأفارقة عامة المقيمين في فرنسا، ووصلت دعايتهم إلى الجزائر نفسها بين الشباب والطلاب والعمال الذين كانوا يبحثون عن طوق نجاة للخروج من محنة الانقسام والشقاق داخل حزب الشعب ووجدوا في أفكار الإخوان والدعوة الإسلامية المنفذ الوحيد لشعبهم من هذه الفتنة، فأقبلوا عليها بصورة أزعجت الاستخبارات الفرنسية، فرسمت - خطتها للتحالف مع أجهزة الاستخبارات . المصرية أولًا، ثم الأجنبية الأخرى المعادية للإخوان، وتعاونت معها في تنفيذ عملية لاقتلاع . حركة الإخوان من جذورها في مصر بواسطة النظام العسكري الناصري فبدأ هجومًا ثانيًا على الإخوان في عام ١٩٥٤م، بعد أن نجحوا قبل ذلك في عام ١٩٤٨م، في إلزام النقراشي بإصدار قرار حل الإخوان بالتعاون مع الدول الأجنبية، وقد صدر قرار النقراشي نتيجة تحريض رسمي من سفراء الدول الكبرى الثلاث: «بريطانيا وفرنسا وأمريكا».
الغرب والشرق يتفقان على استبعاد التيار الإسلامي:
  كانت الدول الكبرى في غرب أوروبا وشرقها بما في ذلك الكتلة السوفيتية تتنافس في الالتفاف حول الأحزاب الوطنية، وكان هناك تسابق بين الكتلة الغربية والشرقية على النفوذ في الحركات الوطنية، ولكن الطرفين كانا متفقين على أن مصلحتهما هي استبعاد التيار الإسلامي من الميدان السياسي ومن السلطة في الدولة الأفريقية عامة، والإسلامية والعربية خاصة، التي تسعى لكي تحصل على استقلالها وتحلم بالوحدة، فاستغلوا طموح الأحزاب الوطنية وقياداتها، ولوحوا لهم بالاستقلال بشرط أن يقوموا بقمع الحركات التي ترفع شعارًا إسلاميًا، ووقف تيار الدعوة والثقافة الإسلامية والعربية، وكانت الاشتراكية والشيوعية لا تقلُّ عن الكنائس المسيحية حرصًا على تحقيق هذه الأهداف، بل إنَّ الدول الاستعمارية الغربية لم تكن تتردد في التعامل مع الاشتراكيين والتعاون معهم، ولو كانوا شيوعيين، بل كانت تدفع بعض عملائها لرفع شعارات اشتراكية طالما أنَّهم يتولون التشهير بالإسلام وتاريخه وثقافته، بل وعقائده وتراثه بصورة لا تستطيع الكنائس والجماعات التبشيرية والتنصيرية أن تصل إليها .
  كان عملاء الشيوعية ودعاتها أشد حقدًا على التيار الإسلامي؛ لأنهم كانوا يسعون للسيطرة على الطبقات الفقيرة الكادحة، وكانوا يجدونها أشد تشبثًا بالعقيدة والشعائر الإسلامية من المثقفين والبرجوازيين، وكانوا يعتبرون نمو التيار الإسلامي أكبر خطر على مستقبلهم ووجودهم, وكانوا أكثر تأثيرًا على بعض النظم الوطنية بعد الاستقلال، التي كان زعماؤها سعداء؛ لأنهم يعتقدون أن الكتلة السوفيتية والدول الاشتراكية كانت تؤيد شعاراتهم للتحرر من الاستعمار الغربي، وكانوا لذلك يتفقون معهم في أنَّ هذه المساعدة تبرر أن تحل الكتلة الغربية في نفوذها لدى تلك الحكومات كليًّا أو جزئيًّا، وكانوا مثل عملاء الغرب يكرهون شعار الإسلاميين: « لا شرقية ولا غربية » ؛ لأنه يغذي طموح الجماهير الكادحة بالتطلع إلى استقلال كامل، ويكشف لها انحياز الاشتراكيين للاتحاد السوفييتي ويشوه بطولتهم التي تعتمد عليها لاستقرار السلطة في أيديهم، التي لا يمكن أن تتحقق لهم إلا بسلاح مستورد أو تأييد من الدول الأجنبية، ودعم سیاسي دولي يأملون في الحصول عليه من تلك الدول الأجنبية الشرقية أو الغربية، والجميع يلحون عليهم في استبعاد التيار الإسلامي والشعارات الإسلامية مقابل حصولهم على التأييد والمساعدات والأسلحة والقروض والدعاية العالمية القوية.
    هذه هي العوامل الحقيقية التي أثرت في اتجاهات الوطنيين الذين يعتبرون أنفسهم عصريين جميعًا وأغرتهم، بل ودفعتهم دفعًا إلى معاداة التيار الإسلامي في جميع صوره، بما في ذلك الهجوم على الإخوان المسلمين، وعلى الحركات الإسلامية كلها، ويخطئ من يظن أنَّ ذلك كانت له أسباب داخلية كما صورته بعض الدعايات الحكومية، لقد كنت واثقًا أن اعتقالي واعتقال الإخوان المسلمين واضطهادهم منذ عام ١٩٥٤م، كان له هدف يتجاوز حدود مصر، بل حدود العالم العربي كله؛ لأنه يتصل بسياسة الدول الكبرى الراغبة في السيطرة على جميع أقطار العالم الإسلامي في آسيا وأفريقيا جميعًا، واعتقادي أن الدول أو الأحزاب الوطنية التي شاركت في هذه الحملة قد اُستغلت وخُدعت لتحقيق هذه السياسة الاستعمارية سواء أدركت ذلك أو كانت تجهله. 
  هناك دلائل واضحة على أن استخبارات الدول الاستعمارية استطاعت أن تخترق أجهزة المخابرات التي أنشأتها بعض النظم «الوطنية». بصورة عاجلة ودون التزام بالدقة والاحتياط واستطاع هؤلاء العملاء أن يوجهوا تلك الأجهزة لتضليل الحكام واستدراجهم إلى الهجوم على الحركات الإسلامية والإخوان المسلمين بصفة خاصة، ولم يكن ذلك لصالح نظمهم أو حكوماتهم أو دولهم كما كانوا يعتقدون، وإنما تم ذلك لصالح السياسة الأجنبية والاستعمارية.

الرابط المختصر :