; صفحات من دفتر الذكريات (3)- قسنطينة وسطيف.. وطلائع المجد الطريف | مجلة المجتمع

العنوان صفحات من دفتر الذكريات (3)- قسنطينة وسطيف.. وطلائع المجد الطريف

الكاتب الدكتور توفيق الشاوي

تاريخ النشر الثلاثاء 28-يونيو-1994

مشاهدات 55

نشر في العدد 1105

نشر في الصفحة 44

الثلاثاء 28-يونيو-1994

عندما انتهت الحرب العالمية الثانية في مايو ١٩٤٥م كانت «الجامعة العربية» قد أنشئت في مارس من ذلك العام، ولقد ارتفعت درجة حماسنا للعمل لقضية فلسطين عندما نجحت الجامعة العربية في الدفاع عن استقلال سوريا ولبنان، لكنا فوجئنا بأنباء مقتضبة عن حوادث سطيف وقسنطينة في الجزائر، لم تلفت نظرنا كثيرًا في أول الأمر، ولكن اهتمامنا بها بدأ عندما وصل إلى مصر «الشاذلي مكي» الذي قدم نفسه لنا على أنه مندوب من حزب الشعب الجزائري، وكان معه ملف كامل عن تعليقات الصحف الفرنسية على تلك المأساة تُبين مدى ما لقيه الجزائريون من قسوة وظلم على يد الجيش والشرطة والإدارة الاستعمارية الفرنسية في الجزائر، أدى إلى مصرع عشرات الألوف من الجزائريين واعتقال مئات الألوف من «المجاهدين» في يوم واحد هو 8/5/ ١٩٤٥م

كان الشاذلي مكي مثل الفضيل الورتلاني في قدرته على الخطابة ونشاطه الذي لا يهدأ من أجل التعريف بقضية بلاده، حتى أصبحت قضية الجزائر في فترة قصيرة لا تقل أهمية في نظرنا عن قضايا فلسطين وسوريا ولبنان بفضل ما يبذله هذان الداعيان من جهد وما توفر لديهما من فصاحة أشاعت فينا شعلة الحماس لقضية الجزائر، ولكي تتصور مدى ما وصل إليه هذا الحماس فإني أقدم للقارئ صورة مقال كتبته وأنا شاب في العشرين من عمري، ونشرته لي مجلة الرسالة -منذ خمسين عامًا- وهي كبرى المجلات الأدبية والثقافية في مصر -في ذلك الوقت- أدعو فيه المصريين والعرب لمساعدة ضحايا الجهاد في الجزائر الذين وصفتهم بأنهم «طلائع الجهاد الطريف»، وعندما أعيد قراءته الآن بعد أن مضى على كتابتي له ما يقرب من خمسين عامًا، أتصور مدى درجة الحماس الذي أشاعه لدينا هذان الفارسان من فرسان الخطابة والكلام، وهذا نَص المقال الذي نشر بالعدد رقم ٦٣٠ من مجلة الرسالة بتاريخ 7/30 ١٩٤٥م، قبل سفري في البعثة إلى فرنسا بمدة طويلة.

طلائع المجد الطريف في إفريقيا الشمالية.. ماذا فعلنا من أجلهم؟

دعك من حديث ماضينا المجيد الخالد. فإن التاريخ الأمين لن ينسى هذه القرون الطويلة التي حملنا فيها لواء الحضارة، ورفعنا راية الإنسانية السامية، وأنتقل معي إلى حديث طريف لا نذكره للتاريخ فحسب، ولكن ليسمع كل عربي يؤمن بقومتيه وعروبته وكل مسلم ثابت على عقيدته ورسالته، فينفض عن نفسه غبار الذلة، ويلحق بركب المجاهدين في سبيل دينهم وقومتيهم قبل أن يسجل التاريخ علينا معرة التفريط والعجز. 

هذه صورة مجيدة من صور الجهاد العربي في شمال أفريقيا ثغر العروبة وحصنها الغربي، على سفوح جبال الجزائر الشماء، حركة دائبة، تجمع فيها أسود العروبة وأبطال الكفاح يرقبون مطلع نجم جديد، يسمونه نجم أفريقيا الشمالية اتخذوه شارة لوحدتهم، وعلامة لاستقلالهم، وقد علموا أنه لا يشرق إلا مخضبًا بالدماء، ولا يسبح إلا في مجرة من نور التضحية والاستشهاد.

من حولهم مدن الجزائر المحبوبة لا يكدر صفوها إلا عبث هؤلاء المستعمرين منكبين على شهواتهم، مغرورين بسلطانهم، يحتفلون بما يسمونه «يوم النصر» النصر الذي لم يستحقوه بجهادهم، ولم ينالوه بتضحياتهم، ثم أبوا إلا أن يحتفلوا به أسبوعًا كاملًا أرادت فرنسا أن تبيح لشعبها فيه ما شاءت من طعام وشراب لا تملك منه شيئًا، فبعثت وكلاءها وأذنابها يغتصبون طعام العرب في شمال أفريقيا مستعملين في ذلك أساليبهم الاستعمارية الرجعية، كما أنهم عادوا إلى سياستهم العتيقة لمحو القومية العربية ومحاربة عناصرها من دين ولغة وآداب وتقاليد ووحدة، حتى نقد صبر العرب المجاهدين، وها هم أولاء يبدون كفاحهم في «يوم النصر» حاملين سلاحهم العزيز، كما حمله أسلافهم من قبل أمثال عبد القادر وابن عبد الكريم، وهذا سيلهم ينساب على مراكز المستعمرين ومراتع لهوهم وعبثهم، فألقوا عليهم درسًا جديدًا في بطولة العرب وإبائهم. وشجاعتهم وثباتهم، وذكروهم بأن حرية العربي أغلى من أن تختلس في غفلة، وأن دمه العزيز لا يهدر إلا في ميادين القتال فداء الوطن والدين.

ولا يزال صدى هذه المعارك يرهب الفرنسيين ويقض مضاجعهم، وقد جعلهم يفكرون مرتين قبل أن يقدموا على ما أرادوه من استئناف سياسة الاستعمار الوحشية البالية، وزاد غيظهم أنهم لم ينالوا من المجاهدين نيلًا يروي حقدهم فسلطوا فلولهم التي فرت من ميدان الكفاح الشريف أمام الألمان على المدن الآمنة والسكان المسالمين فضربوهم بمدافعهم وطائراتهم وقتلوا آلاف المدنيين الذين لا ذنب لهم، وأنجلت الثورة عن هالة حمراء من دماء العربية الزكية أطل منها النجم المرتقب، نجم المجد العربي الطريف، نجم وحدة أفريقيا الشمالية واستقلالها يرقب من بعيد هلال الوحدة العربية في الشرق لعله يستجيب فتجمعهما جامعة العروبة وروح الإسلام في سماء العزة والسيادة. 

ونحن في المشرق، ماذا فعلنا من أجل هذا النجم العزيز وهذا الأمل المشترك؟ هل مددنا أيدينا إلى هؤلاء العرب المجاهدين في المغرب لنربط جهادنا بجهادهم، ونشد أزرهم في كفاحهم؟

ستجيب «الجامعة العربية» عن ذلك، ولكن أسال المصريين الكرماء الذين ساعدوا منكوبي الإنسانية من كل جنس ولون، من الحبشة إلى اليونان إلى اليوغوسلاف والهولنديين والبلجيكيين، بل والروسيين في ستالين جراد، ألم يعلموا أن هذه الثورة العظيمة في الجزائر قد أسفرت عن منكوبين لا يقلّون عن خمسة آلاف وأسرهم بين قتيل وجريح وسجين باعتراف الحكومة الفرنسية نفسها، وإن كانوا لا يقلون عن ثلاثين ألفًا في تقدير المصادر المحايدة؟ فاين ذهبت النجدة والكرام؟ وأين حكومتنا التي تدفع الملايين من الجنيهات التعمير بلاد أوروبا «المحررة»؟ أليس من الأولى أن نفكر في تحرير أوطان العروبة المستعمرة أو إنقاذ إخواننا المنكوبين في تلك البلاد الشقيقة؟»

غيرتُ بعثتي من الولايات المتحدة إلى فرنسا من أجل العمل لقضية فلسطين بعد تكليفي من الإمام حسن البنا بذلك.

ما كاد هذا المقال يُنشر، وأنا في أوج حماسي للعمل لقضية الجزائر، حتى فوجئت بمأزق لم يكن في حسباني، ذلك أن عميد كلية الحقوق -وكان الدكتور محمد مصطفى القللي- أخبرني أن هناك بعثة إلى أمريكا لدراسة الاقتصاد السياسي، وقال لي: إذا كنت تريد الترشيح لها فإن لك الأولوية بحكم أقدميتك، ولكن يجب أن تُوَقِّع بذلك وإلا فسوف نعرضها على سواك من المعيدين بالكلية، فسارعت على الفور لإبلاغه بقبول ترشيحي للسفر إلى أمريكا هذه البعثة، ولم يكن هو شخصيًا يؤيد هذا القرار، لأنه كان قد اختارني للعمل معه في قسم القانون الجنائي، وكان يشرف على رسالتي للدكتوراة التي سجلتها بجامعة القاهرة وقضيت عامًا كاملًا في الإعداد لها، بعد أن حصلت على دبلومين للدراسات العُليا، ومعنى ذلك أن هذه السنوات الثلاث فضلًا عن سنة رابعة قضيتها في النيابة العامة قبل تعييني مدرسًا مساعدًا بالكلية هذه السنوات الأربع ضاعت عليّ فيما يخص أقدميتي في الجامعة لأنني سأبدأ دراستي للدكتوراة في الاقتصاد بأمريكا من بدايتها مع من حصلوا على الليسانس هذا العام، وهذه كانت في نظره خسارة كبرى عليّ، لكني قلت له إنني أفضل ذلك لأن أمريكا في نظري سيكون لها الدور الأول في العالم بعد الحرب العالمية الثانية سواء من الناحية السياسية أو الاقتصادية، كما قلت له إنني كذلك أفضل التضحية بخبرتي ومجهودي الذي بذلته في إعداد رسالتي في القانون الجنائي ودراسة الدبلومات في جامعة القاهرة لكي أبدأ دراسة الاقتصاد السياسي في أمريكا، لأن الاقتصاد سيكون هو محور جميع التطورات العالمية فيما بعد الحرب، وعدت إلى منزلي مطمئنًا، وأنا أعلم أن هذا الاختيار معناه أن أبتعد عن نشاطي الذي بدأته في مصر من أجل قضية فلسطين والجزائر، ولكني قلت في نفسي إن العمل في أمريكا لهذه القضايا سيكون مجاله أوسع وثمرته أكبر على المدى الطويل.

بدأت أستعد للسفر في البعثة، وأعد نفسي لذلك، وفجأة ألتقى بي الفضيل الجزائري وأخذ بيدي وسرت معه إلى مكتب المرحوم الشيخ حسن البنا المرشد العام، ووجدت معه بعض أعضاء الهيئة العربية لفلسطين التي يرأسها مفتي فلسطين الأكبر المرحوم الحاج أمين الحسيني، وقال لي المرشد العام الشهيد حسن البنا: إن المفتي كما تعرف لجأ إلى فرنسا وهو الآن في باريس وقد عرفت من بعض الإخوان أن هناك بعثات من كلية الحقوق للدراسة في باريس، ولذلك أقترح أن تجتهد في تغيير بعثتك من الولايات المتحدة إلى فرنسا لكي تكون قريبًا من الحاج أمين، لأن علاقاتنا به تحتاج لذلك.

شرحت للمرحوم الشهيد حسن البنا وجهة نظري في اختيار البعثة إلى أمريكا لدراسة الاقتصاد، لكن الإخوة الحاضرين جميعًا ألحوا عليّ في أن أضحي بمصلحتي وأهدافي الشخصية من أجل فلسطين.. وهذا ما فعلته.

لقد غيرت مسيرة حياتي كلها من أجل العمل الذي كلفت به لقضية فلسطين، ونظرت إلى الشيخ الفضيل نظرة فهم منها أنني عرفت دوره في كل ذلك، وأنه يريد أن أتوجه للجزائر، وليس فقط لباريس. 

طوال مراحل حياتي كنت دائمًا أسأل نفسي: هل ما قمت به في فرنسا من أجل قضية فلسطين والجزائر كان يتطلب هذه التضحية التي فرضتها على نفسي باستجابتي لطلب المرحوم الشيخ حسن البنا ومن معه من الفلسطينيين والجزائريين، ولم أكف عن هذا التساؤل إلا بعد أن التقيت بالرجل العصامي المرحوم عبد الحميد شومان مؤسس البنك العربي وعرفت منه أن العمل للاقتصاد يمكن أن يقوم به كل إنسان دون حاجة لشهادات من جامعات أمريكية، فانطلقت بكامل قواي للمساهمة في إنشاء البنوك الإسلامية وبناء ما يسمى الآن بـ «الاقتصاد الإسلامي».

(●) أستاذ القانون الدولي السابق بجامعة القاهرة.

الرابط المختصر :