; صفحات من دفتر الذكريات (83) قسنطينة الغالية ومستقبل القارة الأفريقية | مجلة المجتمع

العنوان صفحات من دفتر الذكريات (83) قسنطينة الغالية ومستقبل القارة الأفريقية

الكاتب الدكتور توفيق الشاوي

تاريخ النشر الثلاثاء 30-يناير-1996

مشاهدات 100

نشر في العدد 1186

نشر في الصفحة 46

الثلاثاء 30-يناير-1996

أحببت قسنطينة قبل أن أراها منذ سمعت أنباء حوادث "سطيف وقسنطينة"، في عام ١٩٤٥م، وفي عام ١٩٧٤م زرتها لأول مرة لإلقاء محاضرة عن مستقبل القارة الإفريقية بعد حضوري ملتقى الفكر الإسلامي في «تيزي أوزو».

التقيت في موسم الحج ببعض علماء الجزائر الذين عرفتهم قبل الاستقلال، واقترحوا علي أن أشارك في ملتقى الفكر الإسلامي الذي تنظمه وزارة الأوقاف والتعليم الأصلي، ووافقت على ذلك لأن وزيرها في ذلك الوقت كان صديقي الأستاذ مولود قاسم، وبمجرد وصول خطاب الدعوة سافرت من جدة إلى الجزائر، واضطررت إلى النزول «ترانزيت» في مطار القاهرة على الرغم مما في ذلك من مخاطرة لأنني في ذلك الوقت كنت مازلت مطارداً ومحروماً من الجنسية المصرية، وخاصة بعد حادث اعتقالي ومحاكمتي في بيروت عام ١٩٦٦م، وما سبقه من حرماني من جواز السفر والجنسية المصرية التي كانت حكراً في ذلك الوقت للناصريين ومن ترضى عنهم مباحث عبد الناصر وأجهزة مخابراته المتعددة.

وأنا جالس في صالة الترانزيت بمطار القاهرة فوجئت بأن عدداً من العلماء والمفكرين المصريين في طريقهم إلى الجزائر على الطائرة نفسها التي سأركبها، وسعدت بأن على رأسهم أستاذي الشيخ محمد أبو زهرة الذي رحب بي بمجرد أن رآني، ولم يتردد في معانقتي والترحيب بي بعكس الآخرين الذين تحاشى بعضهم التحدث معي أو الاقتراب مني، وقد استمرت مقابلاتي وأحاديثي مع المرحوم الأستاذ الشيخ محمد أبو زهرة طوال مدة إقامتنا في «تيزي أوزو» التي عقد فيها الملتقى في ذلك العام، وأطلعني على ما يواجهه من متاعب ومشاكل في مصر، وغضب عبد الناصر وعملائه عليه، حتى أنهم منعوه من التكلم في الإذاعة أو التليفزيون، وطاردوا كتبه ومؤلفاته وكل نشاطه، وقال لي إن سبب ذلك هو أنه في تأبينه لأحد أصدقائه وهو الدكتور محمد عبدالله العربي ألقى كلمة على قبره ذكر فيها أن فراق هذا الصديق ذكره بآلامه لفراق صديقة المرحوم الشهيد عبد القادر عودة، وأنه عرف فيما بعد أن عبد الناصر أخذ عليه اعتزازه بصداقة عودة، ووصفه بأنه شهيد مع علمه بأنه هو الذي أمر بإعدامه.

أذكر أنني كنت أحضر في لجنة الشؤون القانونية، لكنني كنت أتابع مناقشات لجنة الشؤون الاجتماعية، وكانت تحضرها الحاجة زينب الغزالي، ولما بدأ مقرر اللجنة بعد التوصيات للملتقى اقترحت عليه السيدة زينب الغزالي أن تقدم مشروع توصية بالدعوة للاقتصاد الإسلامي وضرورة إنشاء بنوك إسلامية، وسوق مشتركة للعالم الإسلامي. 

ولما جاءت جلسة اللجنة لمناقشة مسودة التوصيات التي أعدها المقرر، وهو صديق الأستاذ الشيخ محمد أبو زهرة، وكان يرافقه كظله، وجدت أنه تجاهل هذه النقطة ولم يشر إليها، فاعترضت عليه، وثرت على هذا الأسلوب الذي يتجاهل أهمية الفكر الاقتصادي الإسلامي، وضرورة الاهتمام به كمنطلق للنهضة والوحدة الاقتصادية للأمة الإسلامية، وحاول المقرر الرد علي، فثرت عليه بحدة، وتدخل الشيخ محمد أبو زهرة وأقنعه بقبول اقتراحي. 

بعد الجلسة استدعاني وحاول الإصلاح بيني وبين صديقه، وقال له كلمة لا أنساها أبدًا «هؤلاء الناس «الإخوان المسلمون» لهم حقوق علينا إنهم امتحنوا فصبروا وصمدوا أما نحن فلا ندري إذا امتحنا، من منا يصبر ومن لا يصمد».

اقترح علي صديقي الأستاذ مولود قاسم أن أزور جامعة الأمير عبد القادر الإسلامية في قسنطينة وألقي فيها محاضرة، فقبلت ذلك. واخترت عنوان المحاضرة «دور الإسلام في مستقبل القارة الإفريقية»، وقلت فيها إنني في عام ١٩٥٤م، قبل عشرين عاماً ألقيت في جامعة الخرطوم محاضرة عن «دور السودان في مستقبل القارة الإفريقية»، وكان محورها أن الإسلام هو الذي حمى شمال إفريقيا من المصير الذي حل بجنوب القارة، حيث نجح المستوطنون الأوربيون هناك في الاستيطان والاستقرار، وفي إقامة حكم عنصري لصالحهم، وأنشأوا دولة على أساس التمييز العنصري الذي يقصي الأهالي السود الأصليين عن كل نفوذ أو سلطة في ذلك النظام الذي كانوا يصفونه بأنه ديمقراطي، وقلت إن هدف الاستعمار كان ولا يزال دائمًا هو الاستيلاء على الشمال الإفريقي، وإقامة مجتمع استيطاني لاستبعاد السكان الأصليين المسلمين واستغلالهم، وكانوا يظنون ذلك سهلاً لأنه أقرب إليهم وأهم من النواحي الاقتصادية والاستراتيجية، لكنهم عجزوا عن ذلك في الماضي بسبب وجود حائط قوي محصن من الإرادة الشعبية التي أعزها الإسلام وحصنها بعقيدته وحضارته، وقيمه الثابتة التي دفعت شعوبنا إلى الجهاد والمقاومة الباسلة التي تشهد بها الوقائع والهجمات الفاشلة المتوالية التي شنها الأوروبيون جميعاً على شواطئ الشمال الإفريقي وغرب آسيا، ولكنهم فشلوا في الاستيلاء عليها أو الاستقرار بها فتوجهوا إلى الجنوب والغرب والشرق الإفريقي واستولوا على شواطئه، واستعبدوا شعوبه وأذلوهم بقصد إبادتهم، وساروا على خطة الميز العنصري التي مازال الأفارقة يقاومونها حتى الآن.

وها نحن نرى شعب الجزائر وغيرها من شعوب شمال إفريقيا المسلمة يدعمون هذه المقاومة ويناضلون من أجل دعم حركات التحرر الإفريقي، ويدفعون الرأي العام العالمي لنبذ الاستعلاء والميز العنصري والقضاء عليه، لأن أول مبادئ الإسلام هو المساواة والأخوة بين البشر، لأن أباهم واحد وإلههم واحد، كما قال رسولنا الكريم في حجة الوداع.

إذا انتصرت إفريقيا بفضل مبادئ الإسلام وتضامن الشعوب الإسلامية مع أشقائهم الأفارقة، فإن هذا الانتصار يرشح تلك القارة لكي يكون لها دور قيادي في الحضارة العالمية بعد انهيار الحضارة الأوروبية التي أفسدها الترف وأضلها البغي والعدوان الاستعماري، وقضت عليها الشيخوخة التي تحدث عنها كثير من الفلاسفة، وخاصة ابن خلدون الذي أكد أن الأمم المتمدنة تتعرض للانهيار بسبب توفر أسباب الترف وتفشي أسباب الفساد وتجري سنة الكون بأن يأتي دور الأمم الناشئة التي احتفظت بخشونة البداوة، وقيم الفطرة الإنسانية، وأنها مرشحة لكي تنتصر على الدول المتقدمة، وجديرة بأن تحل محلها في قيادة الإنسانية. 

لقد قلت للسودانيين منذ عشرين عاماً أن دوركم هو أن تكونوا الجسر الذي يصل قلب العالم الإسلامي بجميع أنحاء القارة الإفريقية، وأنا أقول للجزائريين إنكم سوف تكونون دائمًا طليعة الشعوب التي تهاجم معاقل الاستعمار الأوروبي، وترده صاغراً إلى شواطئ أوروبا، وتأخذ بثأر شعوبنا الإسلامية والإفريقية التي قاست من الاستعمار الأوروبي، وأن شعب الجزائر وشعوب إفريقيا الشمالية إذا تسلحوا بقيم الإسلام وأصالته واعتزوا بعقائده ومبادئه، فإنهم سيكونون جديرين بقيادة الشعوب الإفريقية نحو النهضة الفتية والقوة التي تؤهل هذه القارة الغنية لتقوم بدورها في بناء مستقبل الإنسانية، وأنا أعتقد أن ذلك هو الراجح، إذ إن آسيا وأوروبا وأمريكا التي تعتبر امتداداً لأوروبا قد قامت في الماضي بالدور القيادي في الحضارة العالمية، وأعتقد أن إفريقيا مازالت بكراً، وأن كثيرين يعتبرونها قارة مسلمة لأن أغلب سكانها من المسلمين، ولذلك أرشحها للقيادة في المستقبل إذا تسلحت بالإسلام وعقائده وقيمه الحضارية والأخلاقية. 

قلت للسودانيين منذ 20 عامًا: أنتم الجسر الواصل بين العالم الإسلامي وبقية إفريقيا. وأقول للجزائريين إنكم في طليعة الشعوب التي تهاجم معاقل الاستعمار وترده صاغر الشواطئ أوروبا

لاحظت أن عدداً من الطلاب اليساريين أدعياء الاشتراكية في ذلك الوقت لم يعجبهم تركيزي على دور الإسلام في إفريقيا وفي مستقبل العالم كله، وبدأوا يعارضون ما قلت، ويحتجون بأن الواقع لا يؤيد هذه التنبؤات، بل إن الظاهر أمامهم هو أن الكتلة الاشتراكية في الاتحاد السوفييتي وشرق أوروبا وآسيا هي التي ستقود العالم بعد انهيار الرأسمالية الأمريكية والأوروبية أجبت بأن سنة الكون تفرض التغيير، وتأبي بقاء واقع السيطرة الأوروبية والأمريكية إلى الأبد مهما تكن النظم السياسية السائدة فيها، وأننا نعتبر الكتلة الاشتراكية جزءًا وصورة من صور الحضارة الأوروبية التي استنفدت أغراضها وأصابتها بالشيخوخة

 بعد هذه المناقشات الساخنة لاحظت أن الدعوة لم توجه لي مرة ثانية لهذا الملتقى الإسلامي، ولم أعد إلى الجزائر إلا في عام ۱۹۸۹م، عندما دعيت إلى قسنطينة لإلقاء محاضرة ثانية في هذه الجامعة الإسلامية ذاتها. وكانت الدعوة من رابطة الجامعات الإسلامية التي عقدت مؤتمرها السنوي هناك.

(1) أستاذ القانون الدولي السابق بجامعة القاهرة.

الرابط المختصر :