; صفحات من دفتر الذكريات (٥٤).. ظاهرة الانفصال الثقافي | مجلة المجتمع

العنوان صفحات من دفتر الذكريات (٥٤).. ظاهرة الانفصال الثقافي

الكاتب الدكتور توفيق الشاوي

تاريخ النشر الثلاثاء 04-يوليو-1995

مشاهدات 88

نشر في العدد 1156

نشر في الصفحة 51

الثلاثاء 04-يوليو-1995

 المقاومة ذات المنابع الفكرية الإسلامية هي التي أسست الحركة الوطنية في إفريقيا الشمالية

 الاشتراكية ونظام التعليم العصري لعبا الدور الرئيسي في الانشقاق على الحركة الإسلامية

إن الجهاد المسلح ضد الغزو الأجنبي في أقطار إفريقيا الشمالية كانت قياداته إسلامية، وكان منبعها هو الإسلام دون أي اعتبار آخر، وهذا مؤكد فيما يتعلق بمقاومة الأمير عبد الكريم الخطابي في المغرب، والأمير عبد القادر الجزائري والثورات المتوالية بعده في الجزائر وثورة عمر المختار في ليبيا والسنوسيين أيضًا.

 حتى بعد انهيار المقاومة المسلحة ضد الغزو، فإن المفكرين وقادة الرأي والفكر الإسلاميين هم الذين بدءوا حركات الكفاح الوطني السياسي بالمعنى الحديث في هذه الأقطار جميعًا، وظهرت بوادر ذلك في إنشاء جمعية علماء المسلمين في الجزائر، وحزب الاستقلال في المغرب بزعامة علال الفاسي عالم القرويين، وحزب الدستور التونسي القديم الذي أنشأه الشيخ الثعالبي، في هذه البدايات يظهر أن الزعامات كانت إسلامية، وأن الفكر نفسه كان فكرًا إسلاميًا تغذيه روافد من كتابات عمالقة الفكر والرأي من أمثال الأمير شكيب أرسلان الذي كان له تأثير كبير في إنشاء الحركة الوطنية المغربية متمثلة في حزب الاستقلال الذي أنشأه علماء القرويين لمقاومة الظهير البربري الذي يعطل تطبيق الشريعة في أقاليم البربر، بل كان له دور كبير في إنشاء مصالي حاج - زعيم الحركة الوطنية لجمعية نجم الشمال الإفريقي بتشجيع الأمير شكيب أرسلان ومشورته، وقد كان علماء الزيتونة في تونس هم الذين أنشأوا الحزب الدستوري التونسي القديم وبالنسبة لليبيا نجد أنها بدأت جهادها ضد الغزو الإيطالي قبل الحرب بواسطة الجيش العثماني الذي كان يعمل باسم الخلافة الإسلامية، وكان يشاركه متطوعون إسلاميون من أمثال عبد الرحمن عزام والسنوسيين، وهم كما هو معروف طريقة صوفية نشأت في الجزائر وانتشرت في ليبيا.

هذه المقاومة ذات المنابع الفكرية الإسلامية هي التي بدأت الحركة الوطنية في بلاد إفريقيا الشمالية جميعها، لكنها تعرضت فيما بعد في مواقف مختلفة وتواريخ متنوعة لظاهرة لا بد من الإشارة لها- وهي ظاهرة تمرد ذوي الثقافة «العصرية«على تلك القيادات التي يسمونها »تقليدية« وذلك بسبب انفصالهم عن تيار الفكر الإسلامي الذي يغذيها، وهذه الظاهرة كانت نتيجة نظم التعليم «العصري« في داخل بلادنا وخارجها الذي حرم الشباب من الثقافة الإسلامية وأبعدهم عن مصادرها الأصلية.

التمرد المبكر في تونس:

هذا التمرد بدأ مبكراً في تونس متمثلًا في انشقاق بورقيبة وزملائه على حزب الدستور القديم وإنشائهم حزب الدستور الجديد الذي بقي يحمل هذا الاسم سنوات طويلة، وفي الجزائر نجد أن حزب الشعب الجزائري تمرد على جمعية العلماء وهاجمها هجومًا شديدًا في بدء إنشائه محتجًا بمواقف معتدلة لبعض العلماء، لأنه نشأ في حقيقته حزبًا عماليًا وزعماؤه كانوا من النقابيين الذين نشأوا في نقابات العمال ذات الثقافة الفرنسية الاشتراكية، وكان عندهم من العاطفة الوطنية أكثر مما لديهم من الثقافة الإسلامية، ثم إن حزب الاستقلال المغربي أيضًا قاسي من هذا الانشقاق في وقت متأخر نسبيًا، وظهر انفصال بعض ذوي الثقافة الحديثة من الشباب بقيادة بن بركة، وتمردهم على زعامة علال الفاسي وإخوانه من علماء القرويين بحجة أنهم يمثلون البرجوازية في «فاس».

هذا الانشقاق أخذ صورة التمرد على من بدءوا الكفاح الوطني وإن كان له أسباب خاصة بكل حركة وكل قطر على حدة ناتجة عن ظروفه الاجتماعية والسياسية وتداخل مراكز القوى في المجتمع، لكن هناك أسبابًا عامة مشتركة نتيجة للتحول الثقافي الذي بدأ بتقصير كثير من علماء المسلمين فيما يجب عليهم لتجديد الفكر الإسلامي نفسه وشيوع ظاهرة الجمود والتخلف في كثير من مؤسسات التعليم الإسلامي أدت إلى جعلها مقصورة على العلوم التي يسمونها علوم الدين، وهي العلوم التي تهتم بالفقه والتوحيد واللغة، وما إلى ذلك من العلوم التي كانت تعنى بها الجامعات الإسلامية مثل: الأزهر والقرويين والزيتونة، وعجزها عن مجاراة تقدم العلوم الأخرى بحجة أنها علوم مستحدثة عصرية أو أنها مستوردة من أوروبا، ولذلك لم تجد لها مكانًا في مناهجهم، بل إن بعضهم كان يقاوم تلك العلوم في بعض الأحيان، كما ظهر في مقاومة علماء الأزهر للحركة التجديدية التي قادها الشيخ محمد عبده في الأزهر، حيث إن بعض علماء الأزهر أعلنوا عدم رغبتهم في دراسة العلوم الحديثة كالجغرافيا والرياضيات والعلوم وما إلى ذلك.

هذا التراجع من جانب العلماء المسلمين أدى إلى تراجعهم في مراكز القيادة في المجتمع الذي كان يحتاج إلى زعامات تخاطب المجتمع بلغة عصره، وأن تخاطب الأعداء أيضًا، وهذا يحتاج إلى معرفة بلغتهم واطلاع على ثقافتهم والدخول عند اللزوم في حوار فكري أو ثقافي مع قادتهم وعلمائهم.

لقد احتكر هذا الحوار أجيالًا أنشأها التعليم العصري البعيد عن الثقافة الإسلامية الأصيلة والذي فصلهم عن منابع الفكر الإسلامي وأصوله، وهذا الانفصال هو الذي أدى بعد مدة طويلة إلى انحراف كثير من قادة الأحزاب الوطنية الذين حرموا من الثقافة الإسلامية عن الأهداف الأصيلة لشعوبنا واتجاه بعضهم إلى طريق التعاون مع القوى الأجنبية، وأعلن كثير منهم تنكرهم للمنابع والقيادات الإسلامية، على الرغم من أنها هي التي بدأت المقاومة للعدوان الاستعماري، كما بدأ اعتزاز كثير من القادة الوطنيين بالثقافة الأجنبية.

تونس والاندماج في الثقافة الفرنسية:

بدأ ذلك في تونس أول ما ظهر لأن كثيرًا من شبابها سبق شباب المغرب والجزائر في الاندماج في الثقافة الفرنسية وانقطعت صلته بالثقافة الإسلامية، وأوضح مثال على ذلك هو الحبيب بورقيبة وجماعته الذين رفعوا شعارًا سموه «البورقيبة» المعادية للإسلام وثقافته ومازالوا يفعلون ذلك.

أما في الجزائر والمغرب فقد تأخر الشقاق إلى أن جاءت موجة الاشتراكية وفتن بعضهم بالاشتراكية، واتصلوا بالأحزاب الاشتراكية والشيوعية والماركسية والأوروبية التي كان الإلحاد ركنًا ركينًا من أركان فلسفتها، والتي جعلت مقاومة التيار الإسلامي أول هدف لها الأسباب استعمارية بحجة أن الدين هو أول عقبة في سبيل نشر المذاهب الاشتراكية بين الجماهير وخاصة بين الشباب والطلاب إن اندماج شباب بعض الأحزاب الوطنية في الثقافة الأجنبية دون أن يكون لهم نصيب من الثقافة الإسلامية كانت له مزاياه في بداية الأمر، ولكنه انتهى بمخاطر جسيمة أدت إلى انقسام في الحركات الوطنية، وتعرضت قيادات العمل الوطني في أقطار إفريقيا الشمالية لهذه الظاهرة المعروفة، وهي ظاهرة التمرد والانفصال عن الأحزاب والحركات الإسلامية.

ولا تنطبق هذه القاعدة على ليبيا إلا في عهد القذافي، لأن عمر المختار كان من أصحاب الاتجاه الإسلامي، بل كان من مريدي السنوسيين، وتقدم للقيادة لأن السنوسيين اعتزلوا العمل وهاجروا من البلاد واستوطنوا في مصر، وتركوا المجال العمر المختار، وانتهى جهاده بمصرعه، أما حركة ليبيا التي قامت بعد الحرب العالمية الثانية فكانت منفصلة تمامًا عن جهاد عمر المختار ومقاومة السنوسيين، ولذلك لم تأخذ صورة انشقاق أو تمرد على القيادات الإسلامية وإنما كانت في صورة استئناف للجهاد وللكفاح الوطني بعد اختفاء القيادات الأولى لأن الإيطاليين أبادوا هذه القيادات وحرموا الشعب الليبي منها .

وفي الجزائر نجد أن حزب الشعب منذ بدايته دخل في مشادة كبيرة مع جمعية العلماء الجزائريين بسبب اتهامه لهم بعدم التكلم عن الاستقلال أو بعدم رفع شعار الاستقلال الذي بدأ به الحزب متجاهلًا أن السبب في هذا هو أن جمعية العلماء كانت في حقيقتها حركة ثقافية لها مدارس ومؤسسات دينية وتعليمية, وكانت لا تريد أن تتحول إلى حركة سياسية, لأن هذا يؤدي إلى تعرضها للإبادة لمجرد رفع شعار سياسي يخرجها من نطاق العمل الثقافي والاجتماعي، وكانت النتيجة أن حزب الشعب الذي أنشأه مصالي حاج استمر في تنافسه مع جمعية العلماء في السيطرة على الجماهير، لكننا مع ذلك نجد أن جمعية العلماء دخلت ميدان الكفاح المسلح بمشاركتها في الثورة وفي جبهة التحرير في عام ١٩٥٤م، في حين أن حزب الشعب الجزائري نفسه تخلف عنها في البداية لأسباب عديدة ليست كلها من جانبه، مما أدى إلى أن جمعية العلماء المسلمين انضمت لجبهة التحرير منذ بداية الكفاح المسلح، وشاركت فيها وكان لها دور كبير في تجنيد الجماهير في صفوف الجهاد ومعارك التحرير بمجرد أن تحول الكفاح السياسي إلى جهاد مسلح، أي عندما اتجهت الحركة الوطنية إلى المبدأ الإسلامي في الجهاد ضد العدوان الاستعماري.

الحالة المغربية:

أما في المغرب فقد بدأت زعامة الحركة الوطنية على يد علماء القرويين في فاس وكانت قاعدتها بلا شك مدينة «فاس» التي توجد فيها الجامعة، وكانت الجامعة هي منبع القيادات لهذا الحزب, وكان زعيم الحزب علال الفاسي - أحد علماء القرويين- الذي قاسى وكافح ونفي من البلاد تسع سنوات في «الجابون» ثم اغترب بضع سنوات أخرى بعد ذلك في مصر وطنجة، ولم يدخل بلاده إلا بعد إعلان الاستقلال، وقد بدأ بعض أعوانه الانفصال عنه بل أسهموا في إبعاده وتجميده تدريجيًا، وكان ذلك على يد الحاج أحمد بلا فريج الذي دخل الحكومة بالتعاون مع الملك تاركًا زعيم الحزب في الخارج بعيدًا عن ممارسة السلطة، وبقي مبعدًا عنها طول مدة حياته تقريبًا، فيما عدا فترة قصيرة عين فيها وزيرًا للشئون الإسلامية، ثم تعرض الحزب كما ذكرنا لانشقاق أخطر وأكبر قام به المهدي بن بركة وزملاؤه بإيعاز من الحكم العسكري الاشتراكي في مصر، وتشجيع من بعض رجال القصر الملكي وغيره من مراكز القوى داخل الجيش المغربي الذي كان أغلب ضباطه ورؤسائه من أبناء العنصر البربري ومن ذوي الثقافة الفرنسية.

الرابط المختصر :