العنوان صلاح القلب وفساده
الكاتب طه جابر العلواني
تاريخ النشر الثلاثاء 10-ديسمبر-1985
مشاهدات 57
نشر في العدد 745
نشر في الصفحة 40
الثلاثاء 10-ديسمبر-1985
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم النبيين، وعلى آله ومن دعا بدعوته، واهتدى بهديه إلى يوم الدين.
وبعد:
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ (ق: 37)، وقال: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ (الرعد: 28) وقال عز وجل: ﴿إِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ (الحج: 46)، ووصف قومًا بعدم الفقه فقال: ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ﴾ (الأنعام: 25) وقال: ﴿وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ﴾ (التوبة: 87)، وذكر القلوب وأشار إلى أنها تكون محلًا للطمأنينة والسكينة: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (الفتح: 4)، ﴿وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ﴾ (الأنفال: 10) ووعاء للرعب والقلق: ﴿وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾ (الأحزاب: 26).
وبقطع النظر عما قيل في بيان معنى «القلب» وشرح حقيقته –فإنه حيثما أطلق في الكتاب أو السنة- فإنما يراد به: ذلك الشيء الذي أودع الله –تعالى- في الإنسان ليفقه به، ويدرك، ويعرف حقائق الأشياء، ويكون –بعد ذلك- محلًا للإيمان أو الكفر، ومقرًا للصلاح أو الفساد، والعلم والإرادة، ومنطلقًا للفكر، والقلب هو الآمر الناهي في الإنسان، وبقية الأعضاء تنفذ له ما به يأمر، وتجتنب ما عنه نهى: فالأذن والعين واليد والرجل واللسان وسائر الأعضاء مسخرة له، وقد فطرت على طاعته لا تستطيع له خلافًا.
والقلب يتولى عملية تسخيرها وتوجيهها نحو ما تريد بواسطة جنود ثلاثة هي: البواعث والدواعي، ويعبر عنها بـ «الإرادة».
والمحركات للأعضاء من العضلات ونحوها، ويعبر عنها بـ«القدرة» والقوى المدركة –التي بها يتعرف على الأشياء ويدرك حقائقها –وهي وسائل العلم والإدراك فيه.
وبهذه يمتاز قلب الإنسان عن قلب الحيوان: فللحيوان إرادة وقدرة وشهوة وغضب، وحواس ظاهرة وباطنه، وإدراك لظواهر الأشياء التي تهمه، فهو إذا عطش يدرك أن الماء يرويه، وإذا جاع وشم رائحة الطعام جرى إليه، وإذا رأت الشاة الذئب بعينها فزع قلبها منه وهربت إن استطاعت –لأنها تدرك عداءه لها.
والإنسان الذي يشغل قلبه بلذائذ الجسم فيملؤه بحب الرغائب والشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ونحوها. ويشغل ما يبقى فيه من محل –إن بقي فيه شيء- ببعض المكروهات والمنغصات، والمنفرات –إنما هو إنسان قد انحط إلى حطيط البهائم، لا يخالفها بغير الشكل- فهو إما حيوان غمر كثور، أو شره كخنزير، أو ضار ككلب أو سنور، أو حقود كجمل، أو متغطرس كنمر، أو ذي روغان كثعلب، أو يجمع كل تلك الصفات فيكون كشيطان مريد.
إن حال أكثر الناس اليوم –هو الانغماس في تلبية دواعي شهوتي البطن والفرج، فإن بقي في القلب متسع أشغل بمنافسة الآخرين.
وإن من أشد ما ابتلي به الإنسان من انحراف –هو أن يتصور أن السعادة كل السعادة- فيما يسميه الناس بالحب: فإن جل وسائل التوجيه اليوم تدعو لهذا الذي يسمونه بـ «الحب» وإلى أتراع القلب به؛ فالمسلسلات والروايات والقصص والأغاني، وكثير مما يُطبع ويقال وينشر لا يدور إلا حول هذا المعنى الهابط –الذي يستوي فيه الإنسان والحيوان، والذي لا يحتاج إلى أية دعوة أو تنمية لأن الإنسان كالحيوان- بغريزته مدفوع إليه، وإن جنود هذا «المعنى» الظاهرة والباطنة ليست بحاجة إلى تقوية وإسناد، بل هي أحوج ما تكون إلى التحديد والإضعاف؛ فالحواس الظاهرة من السمع والبصر وقوى الغريزة، وكذلك الأخيلة والرغبات كلها جنود تسعى لتحقيق هذا النوع من الحب، وكفى بالشيطان معززًا ونصيرًا لها، فليست هي بحاجة إلى كل هذه الوسائل الضخمة الهائلة من الأفلام والروايات والقصص والأغاني ونحوها –التي هبطت بإنسان اليوم إلى حضيض هو دون مستوى الحيوان، فالحيوان يلبي دواعي غريزته حين تدعوه إلى ذلك، أما الإنسان المعاصر –فإنه يتفنن في بعث دواعي الغريزة وتقويتها وإضرائها ليستمتع- بعد ذلك بكل سبيل بقطع النظر عن أن يكون مشروعًا أو غير مشروع، مقبولًا أو غير مقبول، طبيعيًّا أو غير طبيعي، وهكذا لم يعد في قلبه مكان يتسع لإيمان بالله، أو حب له، أو خشوع لجلال قدره جل شأنه.
إن الشهوات ممتزجة بلحم ابن آدم ودمه، وهي محيطة بالقلب من كل جانب، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم» (ق. د. 1× 30) فلسنا بحاجة إلى بذل الأموال، وإنفاق الأعمار في سبيل تقويتها، ولكننا بحاجة إلى تطهير القلوب وانشراحها إلى الخير، وتعزيز دواعي الخير لها، وتضييق مجاري الشيطان إليها، فالشيطان قد أخذ على نفسه عهدًا بإغواء الإنسان وإضلاله. ﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (الحجر: 39)، قال: ﴿قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ * ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ (الأعراف: 16 – 17).
إن الخواطر التي تخطر على القلب –هي العوامل المحركة لإرادة الإنسان: فالخاطر يحرك الرغبة، والرغبة تتحول إلى عزيمة وإرادة والعزم يتحول إلى نية، والنية تحرك الأعضاء فتعمل.
والخواطر نوعان: خواطر للشر، وأخرى للخير؛ فخواطر الشر هي الوساوس التي تصرف المرء عن الخير، وخواطر الخير هي الملهمة التي تلهم الإنسان فعل الخير، فإذا استمع الإنسان إلى الموعظة والحكمة والكلم الطيب انبعثت فيه خواطر الخير فدفعته إلى عمل الخير، وإذا استمع أو شاهد ما يدعو إلى شهوة أو يثير رغبة انبعثت فيه خواطر الشر وانتابته الوساوس؛ فالقلب تتجاذبه ملهمات الخير ووساوس الشر: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا﴾ (البقرة: 268). والقلب –بأصل الفطرة- صالح لأن يستجيب لخواطر الخير ولخواطر الشر صلاحًا متساويًا، وإنما يترح أحد الجانبين بالعوامل المرجحة له: فمن خذل فاتبع هواه، وأكب على شهواته، وأعرض عن ذكر الله: ﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ﴾ (المجادلة: 19) ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ (الزخرف: 36) ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى * وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى﴾ (طه: 124 - 127).
ومن وفق وألهم الخير –استنار قلبه بنور الله، واطمأنت نفسه بذكر الله، وأذعنت لطاعته، وسعدت بمناجاته، وتمتع بما أحل له من الطيبات- من غير أن نشغله عن ذكر ربه، أو تنسيه واجبه نحو خالقه، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الشيطان قعد لابن آدم بطريق، فقعد له بطريق الإسلام، فقال: «أتسلم وتترك دينك ودين آبائك؟ فعصاه وأسلم، ثم قعد له بطريق الهجرة، فقال: أتهاجر؟ أتدع أرضك وسماءك؟ فعصاه وهاجر، ثم قعد له بطريق الجهاد، فقال: «أتجاهد –وهو تلف النفس والمال فتقاتل فتقتل وتنكح نساؤك، ويقسم مالك؟ فعصاه وجاهد، ثم قال صلى الله عليه وسلم: فمن فعل ذلك فمات كان حقًّا على الله أن يدخله الجنة» «النسائي بإسناد صحيح» «الحياء 3/ 29».
وقال عليه الصلاة والسلام: «القلوب أربعة: أجرد فيه مثل السراج يزهر، وقلب أغلف مربوط على غلافه، وقلب منكوس، وقلب مصفح. فأما القلب الأجرد –فقلب المؤمن سراجه فيه نوره، وأما القلب الأغلف فقلب الكافر، وأما القلب المنكوس فقلب المنافق عرف ثم أنكر، وأما القلب المصفح فقلب فيه إيمان ونفاق، ومثل الإيمان فيه كمثل البغلة يمدها الماء الطيب، ومثل النفاق مثل القرحة يمدحها القيح والدم: فأي المدتين غلبت على الأخرى غلبت عليه» «أخرجه أحمد 3/ 17» والطبراني في الصغير «الأمثال 2/ 598».
نسأل الله –تعالى- أن ينير بنور الإيمان قلوبنا، وأن يشرح لطاعته صدورنا، وأن يرزقنا حبه وحب من يحبه إنه سميع مجيب، والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل