; صورة البطل الشيشاني في الشعر الإسلامي المعاصر | مجلة المجتمع

العنوان صورة البطل الشيشاني في الشعر الإسلامي المعاصر

الكاتب مبارك عبد الله

تاريخ النشر الثلاثاء 08-أغسطس-2000

مشاهدات 74

نشر في العدد 1412

نشر في الصفحة 50

الثلاثاء 08-أغسطس-2000

محمد شلال الحناحنة

يخوض المجاهدون الشيشان حربًا شرسة غير متكافئة مع الآلة الحربية الروسية، ورغم ذلك فقد أبلى المجاهدون الأبطال بلاء حسنًا وسطروا قصصًا من البطولة والفداء يعجز القلم عن الإحاطة بها. ولقد وقف شعراؤنا الإسلاميون وقفة مشرفة في التعبير عن آلام الشعب الشيشاني المسلم وآماله عبر صور شعرية تحمل الكثير من وهج الصدق، فنقرأ للشاعر الإسلامي أحمد محمد الصديق قصيدة بعنوان الشيشان وقمم البطولة، يقول فيها:

إلى الشيشان تتجه القلوب *** وتحترق المنافذ والدروب 

إلى الشيشان تنبعث الأماني *** لها من وقد محنتها شبوب

 إلى الشيشان والإسلام يعلو *** وتندحر الزعازع والخطوب

 إلى الشيشان والأبطال سد *** منيع والذرى طور مهيب

تبزغ القصيدة من أفق إسلامي فسيح منذ البداية وهي تقتنص لحظات وجدها من القلوب الملتاعة الحزينة المترقبة لتصل إلى هناك حيث الرجال القابضون على البطولة والفداء، وهكذا تمتزج القصيدة بعبق المكان وتحاوره عبر شموخ الهوية الإسلامية من خلال شبه الجملة إلى الشيشان التي جاء تكرارها لإثراء حالة المشاركة الفاعلة مع تلك البطولة المنيعة الصادقة العزيمة مهما تكالبت قوى الشر والإجرام الروسي، ومهما احتشدت أعاصير المنايا:

هم «الروس» الجفاة وما نسينا *** ففي الأفغان ما زالت ندوب 

فمهلًا يا أخا الإسلام مهلًا *** فإن صباح دولتهم كئيب

 إذا ما الدب عربد في غباء *** فإن الدب مصرعه قريب 

وقالوا نزهة فإذا الليالي *** تزمجر وهي ثائرة غضوب 

وملحمة الجهاد لها دوي *** لساحات الوغى أبدًا تهيب

هكذا يسطر المجاهدون الأبطال في الشيشان ملاحم جهادية، حيث تزمجر الليالي كالأسود الثائرة في وجه الأعداء، وتدوي ساحات الحرب بصيحات البطولة والثأر للشعب البريء المشرد. ويمزج الشاعر بين الصور الحسية والمعنوية عبر استعارات تتعاضد نامية من وهج الحدث ساخرًا من غرور الأعداء الجبناء الذين ظنوا أن الحرب في الشيشان نزهة، فإذا بهم يهوون إلى قاع سحيق من الهزائم المتتالية أمام ثلة مؤمنة من الأبطال.

ولم ينسَ أحمد محمد الصديق أن يدمغ هذا الصمت المطبق حيث يمارس الأعداء الروس إبادة جماعية منظمة للشعب الشيشاني المسلم، وكأن المسلمين في الأقطار الأخرى قد غيبوا فلا دخل لهم فيما يحدث:

لقد هدموا القرى حتى توارت *** وغيبها عن الأفق المغيب

 فماذا بعد يا دنيا أجيبي *** إلام يطول ذا الصمت المريب؟

علام الطفل يسحق وهو غض *** وحقي في ثرى وطني سليب؟

وقد نهبوا بلادي واستباحوا *** حماها وانثني الغصن الرطيب

هم الدخلاء فأعجب إذ تراني *** كأني في الديار أنا الغريب

يلجأ شاعرنا إلى الأسئلة الإنكارية النازفة التي تزيدنا حرقة ولوعة أمام صمت عالمنا الإسلامي حيث تنهب البلاد، ويشرد العباد. وتستباح الحرمات، ويذبح الأطفال الرضع والشيوخ الركع، وحيث أضحى الأهل والأحباب غرباء في أوطانهم، ولعل شاعرنا الصديق من أقدر شعرائنا الإسلاميين استنهاضًا للهمم الجماعية عبر الاستفهامات الموجعة، والأساليب الإنشائية الزاخرة بالصور الشعرية التي تنفذ إلى هموم المسلمين أينما حلوا، ويمضي الشاعر في بث مشاعر إعجابه بتلك البطولة الشيشانية رغم ما في القلب من مواجع لمواقف المسلمين في تخاذلهم عن نصرة إخوانهم، فيصف هذه البطولة الفذة بالتحدي والشجاعة والصلابة والثبات والتقوى وصدق الإيمان والسمو والمجد العريق والاعتصام بحبل الله، كما شبه شذى عطر الشهادة في المجاهدين بشذى الزهور التي فاحت طيوبها، وهم تارة أعظم إقدامًا من الأسود حتى لتغار الأسود من شجاعتهم، كما أضحى فجر النصر تاجًا زين هاماتهم المرفوعة، وحسبهم بعد ذلك أن يد الله معهم، وعين الله تحرسهم:

أيا قمم البطولة والتحدي *** لقد فاحت من القمم الطيوب 

كماتك لا يشق لهم غبار *** ولا يشكون بل يشكو اللغوب

 تغار الأسد منهم وهي أسد *** لهم في كل جارحة نيوب

 وما لانت لهم أبدًا قناة  *** ولا قرت على ضيم جنوب

لهم في الله معتصم وفيهم *** أخو العلياء والندب الأريب

وفي أعطافهم نفحات مجد *** عريق زانه الشرف الحسيب

يد الرحمن تمنحهم ثباتًا *** وفي البأساء تمتحن الشعوب

 وأن الفجر آتٍ في يديه *** على هاماتكم تاج قشيب

وليس سوى الجهاد لكم طريق *** ومن يسلكه حقًا لا يخيب

أما وقفتنا الثانية مع البطل الشيشاني المسلم فهي مع الشاعر الإسلامي محمد علي الطبلاوي وهو شاعر عرف بثراء نبضه وقوافيه وتحنانه الدائم إلى ربوع تاريخنا الأصيل والاستضاءة بقبسات سلفنا الصالح، وقصيدته على أطلال جروزني التي بين أيدينا تتقدم إلينا عبر هذه النافذة، وهي تفجر فينا شظايا الأسى من خلال قافية فائية فيها الكثير من لوعات الحزن والضجر، كما أن إيقاع البحر الكامل ورويّه يسكب في نفوسنا حنينًا آسرًا إلى الماضي الذي بناه السلف الطيب الزكي، وضيعه الخلف، فنراه يخاطب جروزني

يا أخت أندلسي أرى في جعبتي *** سهمًا يتيمًا ما له أرداف

من ذا يعير القوم سيفًا صارمًا *** من لي بسعدٍ قوسه قذاف

عفوًا جروزني لن نمد لكم يدًا *** أيامنا رغم الرخاء عجاف

لكنها حبلى بأفكار الخنا *** من مجلس الأمن الدعي نخاف 

فمصير أمتنا غدًا في مجلس *** لا يحتويه العدل والإنصاف

يشعل الشاعر الإسلامي محمد علي الطبلاوي فينا لواعج مضنية، مازجًا بين الحاضر والماضي عبر مواءمة فنية بين الجمل الاسمية والفعلية، ليفضي بنا إلى مفارقات حسية ومعنوية بين أسى الحاضر وشموخ الماضي، وتألقه بين تشتت المكان ونزيفه، وحشد الزمان وسمو راياته ورغم خيوط الدمع التي تذرفها القصيدة في بعض مقاطعها، إلا أنها تنهض من كبرياء الإسلام وعظمته وجلاله لتعانق ذرا الشيشان وجباله الشم وبطولات مجاهديه:

ما زلت أذكر رغم ما بي من عنا *** جند الفتوح وما لها إيقاف

والمسلم القوام في طرقاتها *** يدعو الأنام وقلبه شفاف

للدين يسعى الناس دون كراهة *** ويهللون فيسجد الآلاف

وتحولت تلك الديار مساجدًا *** فيها لكل موحد أكناف

يأوي هذا الشعر إلى رؤى التفاؤل أخيرًا ويجود بخصوبة الذاكرة الإسلامية، ولا غرو لخصوبتها ومعينها الذي لن ينضب، فهي ذاكرة التوحيد الوارفة بثمار دانية تبشر بالنصر رغم الحرائق التي تحيط بنا متى تمسكنا بكلمة التوحيد قولًا وفعلًا، ومن هنا جاءت بشرى الشاعر الإسلامي محمد علي الطبلاوي لكوكبة المجاهدين الشيشان الصامدين، فننشد معه لنبض البطولة. لشممها وثباتها على الحق لصمودها وزحفها لكرها وفرها، لدحر الأعداء، ورفع رايات الإسلام خفاقة تحكي أمجاد الأمة وعنفوانها:

لي في ذرا الشيشان قلب نابض *** وعلى الرمال البيض لي أوصاف

وعلى لسان القوم لي أنشودة *** وعلى الجبال الشم لي إيلاف

رحم العقيدة ليس يعقم لحظة *** فمعينه لا يعتريه جفاف

كم جاد للدنيا بخير رجالها *** هذا أبو بكر يرى فيخاف

وابن الوليد إذا تعالى سيفه *** خضعت رقاب القوم والأكتاف

فالبحر في أعماقه تجد الحصى *** وبه اللآلي البيض والأصداف

 لا لن نلين فإن خبت راياتنا *** يومًا سيسعى للذرا الأشراف

 الزحف آتٍ ليس بي شك ولا *** في القلب من تصديقه إجحاف 

نادى بشير النصر في عرصاتها *** بنت الثمار لنا وحان قطاف

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل