العنوان صورة مقلوبة
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 18-نوفمبر-1980
مشاهدات 83
نشر في العدد 505
نشر في الصفحة 50
الثلاثاء 18-نوفمبر-1980
عندما كنا سادة الدنيا، وكنا القوة الأعظم والتي لا تنافسها قوة شرقية ولا غربية، وعندما كانت أساطيلنا تجوب البحار، وكانت جيوشنا تتحرك من بغداد العاصمة لرد اعتبار مواطنة مسلمة في عمورية، حاولت دولة مجاورة النيل من كرامتها، وعندما كانت الدول النامية في أوروبا ترسل أبناءها إلى جامعاتنا، وتتطلع إلى علم خبرائنا ومستشارينا، وكانت معظم مدننا تحوي جامعات كبرى، وتقدم المنح لأبناء الدول النامية في الغرب، وكان النصارى والغربيون الذين يأتون من مجتمعاتهم المتخلفة البدائية ينهلون من معارفنا، ويحاولون أن يحاكوا عاداتنا وثقافتنا ولغتنا- فكان الواحد منهم إذا رجع إلى مجتمعاته صار يرطن العربية الفصحى لغة الحضارة آنذاك؛ ليظهر ثقافته أمام قومه، وكانوا يستنكفون من لباس قومهم، ويأنفون من كتبهم الصفراء القديمة، ومعجبين إلى درجة الإفراط بدين الإسلام الحضاري، هذا ما دفع كاهن قرطبة في أواسط القرن الرابع الهجري لأن يقف على المنبر، ويصيح في قومه قائلًا: «أن يتاح لإنسان في هذه الأيام أن يقابل واحدًا من أبناء جنسنا يقرأ التفاسير اللاتينية للكتب المقدسة، ومن الذي يقرأ التفاسير للكتب المقدسة، ومن ذا الذي يدرس منهم فصول الأناجيل وسير الأنبياء والحواريين، واحسرتاه؛ إن كل الشبان من ذوي المواهب لا يعرفون إلا العربية، وإلا الكتابات العربية، فهم يقرؤونها ويدرسونها بحماسة بالغة، كما أنهم ينفقون المال الطائل لاقتنائها في مكتباتهم، وإنك لتراهم- حيثما وجدوا- يذيعون أن تلك الآداب جديرة بالإعجاب، فإذا تجاوزت عن ذلك، وأخذت تحدثهم عن الكتب المسيحية أزور جانبهم، وأجابوك بإزدراء «إنها أسفار تافهة، لا خطر لها ولا قيمة»، واحسرتاه عليهم، لقد نسي المسيحيون أنفسهم حتى ليندر العثور بين الآلاف منهم على فرد واحد يستطيع أن يحرر إلى أصدقائه رسالة لاتينية بأسلوب مقبول، على حين ترى جمهرتهم قادرة على الإبانة عما في نفوسهم بأسلوب عربي رائع، وترى حنقهم في قرض الشعر العربي قد وصل إلى حد فاقوا معه العرب أنفسهم.
أخي القارئ، نحن اليوم على أعتاب القرن الخامس عشر، وودعنا منذ فترة قصيرة القرن الرابع عشر، وكلمة كاهن قرطبة مضى عليها ألف عام، وهي كلمة يرددها عندنا من فوق المنابر كثير من العلماء والمشايخ والدعاة، يقولها الشيخ كشك في مصر، ويقولها الدكتور عبد الله عزام في الأردن، ويقولها الشيخ أحمد القطان، والشيخ عبد الرحمن الجمعيان في الكويت، ويقولها في كل بقعة من بقاع العالم الإسلامي، ولكنها تقال في اتجاه عكسي وبصورة مقلوبة.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل