; صوفيا على طريق بلجراد النظام الاشتراكي يتهاوى أمام الاحتجاجات الشعبية | مجلة المجتمع

العنوان صوفيا على طريق بلجراد النظام الاشتراكي يتهاوى أمام الاحتجاجات الشعبية

الكاتب د. محمد البقري

تاريخ النشر الثلاثاء 21-يناير-1997

مشاهدات 77

نشر في العدد 1235

نشر في الصفحة 32

الثلاثاء 21-يناير-1997

 بلغاريا 

من طبيعة الأمور والأشياء أن تنعكس الأحداث والمواقف الصلبة لقوى المعارضة الصربية التي ضربت الرقم القياسي الدولي في بقائها بالشارع في صورة احتجاجية ضد نظامها على مواقف العديد من القوى المعارضة في مواقع أخرى متفرقة من العالم ما زالت تعاني من سياسات الحكم الشيوعي أو الاشتراكي. 

وبالتالي من المنطقي والطبيعي أن يكون الأمر أكثر سهولة في انتقال شرارة الأحداث إلى بلغاريا كدولة مجاورة تربطها الحدود المشتركة مع صربيا، لتستلهم قوى المعارضة البلغارية وبشكل سريع الدرس وتسعى لتطبيقه خاصة وأن الأرض أمامها مهيأة للحصول على دعم الجماهير التي باتت هي الأخرى أكثر تهيؤًا للخروج إلى الشارع ليس من أجل المطالبة بحقها الديمقراطي في انتخابات برلمانية أو محلية، وإنما بسبب أقوى يتمثل في المطالبة بحقها في الحياة وتأمين لقمة العيش التي سلبت منها نتيجة للسياسات الاقتصادية التي تنتهجها الحكومة الاشتراكية الحاكمة؛ ولذا كان رد الفعل في الشارع البلغاري متسمًا بالعنف والقوة، ففي الوقت الذي تشابهت فيه الأحداث في شوارع العاصمتين بلجراد وصوفيا من حيث الحشود الجماهيرية الغاضبة والمندرة بالسلطة والحزب الاشتراكي الحاكم، إلا أنها قد اتخذت في العاصمة البلغارية شكلًا آخر من المواجهة اتسم بالدراما والمأساوية والتصادم المباشر مع رجال الأمن والشرطة في محاولة لاقتحام مبنى البرلمان.

 وكانت بوادر الأحداث قد ظهرت في شكلها المكتوم خلال شهر ديسمبر الماضي ووصف العديد من المراقبين الهدوء في العاصمة صوفيا في هذا الوقت بالهدوء الذي يسبق العاصفة؛ حيث كان يعقد المؤتمر الحزبي العام للحزب الاشتراكي الحاكم ووصل حد الخلاف الحزبي الداخلي بين تياراته المتنوعة إلى حد نجاح التيارات والقوى الرافضة السياسات الحكومة الاقتصادية والسياسية إلى إجبار رئيس الحزب ورئيس الوزراء جان فيدنوف على تقديم استقالته واختيار رئيس جديد للحزب واختيار وزير الداخلية الحالي كمرشح جديد لرئاسة الوزراء لما يتمتع به من شهرة حتى في أوساط المعارضة في مقاومته للجريمة وعصابات المافيا الجديدة.

انعكاس الأحداث على الحياة اليومية:

وقد أحدثت مناقشات الأعضاء في المؤتمر الحزبي والتي كشفت عن الكثير من الجوانب السيئة السياسات الحكومة والتي كانت أيضًا تذاع عبر وسائل الإعلام أحدثت تحركًا تحتيًا للبركان الجماهيري الذي يعاني ويشكل مباشر من هذه السياسات التي انعكست على الحياة اليومية، وأدت إلى ارتفاع جنوني مستمر في أسعار المواد الأساسية الغذائية والتموينية إلى حد تخطى كل الحدود والإمكانيات المتاحة للطبقة المتوسطة من العيش أو توفير الشروط الأدنى لحياة كريمة، وافتقاد النسبة العظمى من الجماهير الإمكانية دفع فواتير المياه والكهرباء والتدفئة التي ارتبطت أسعارها بسعر الدولار الأمريكي الذي أخذ بدوره في الارتفاع الجنوني – فعلى سبيل المثال خلال الشهرين الماضيين فقط كان سعر الدولار الواحد يساوي ٢١٠ ليفه «العملة البلغارية» مع بداية شهر نوفمبر ليصل اليوم في منتصف شهر يناير إلى ۷۰۰ ليفه للدولار الواحد، الأمر الذي أدى إلى انخفاض حاد لقيمة العملة المحلية وبالتالي الارتفاع المستمر والمتواصل لجميع السلع الأساسية، هذا بالإضافة إلى تفشي الجريمة بكل أنواعها واتخاذها شكل قانوني بعدما سمحت الحكومة لعصابات المافيا بإنشاء شركات قانونية اصطلح على تسميتها بشركات التأمين الخاصة مع ارتفاع نسبة العاطلين نتيجة إغلاق أكثر من ٧٤ مصنعًا ومؤسسة حكومية خلال العامين الماضيين والإجبار نتيجة ضغوط صندوق النقد الدولي على إغلاق تسعة بنوك خاصة كانت تعمل لصالح الشركات الاحتكارية وتهريب أموالها وعملاتها الأجنبية إلى الخارج وهي لا تتمتع برؤوس أموال حقيقية الأمر الذي أضر بألاف من الجماهير التي ضاعت ودائعها المالية مع إغلاق تلك البنوك.

تحرك المعارضة:

وهكذا أثارت قوى المعارضة البلغارية الديمقراطية الموحدة ضرورة استغلال هذه الغضبة الجماهيرية من سياسات الحكومة الاقتصادية إضافة إلى استغلال الفوز الساحق الذي تحقق لها في الانتخابات الرئاسية التي أجريت في الثالث من ديسمبر الماضي؛ حيث تقدمت بفارق كبير على مرشح الحزب الاشتراكي وراحت تتقدم إلى البرلمان ببيان أسمته بيان الإنقاذ الوطني، وتركز حول أربعة نقاط:

  1. الإعلان عن حل البرلمان.
  2. الدعوة إلى انتخابات برلمانية مبكرة.
  3. تشكيل حكومة مؤقتة من المتخصصين يعينها رئيس الجمهورية إلى حين إجراء الانتخابات البرلمانية المبكرة. 
  4. تعيين قيادة جديدة للبنك المركزي البلغاري؛ حيث إن القيادة الحالية قد أسهمت في السياسات الاقتصادية الخاطئة، ويجب أن يكون هناك قيادة جديدة تتولى المفاوضات مع صندوق النقد الدولي في الإعداد لإنشاء مجلس الرقابة على النقد.

وقد دعا رئيس البرلمان إلى عقد جلسة طارئة في العاشر من يناير الحالي لمناقشة البيان المتقدم من قوى المعارضة، والتي أسفرت عن فرض نواب الحزب الاشتراكي لكل بنوده؛ حيث اشترطت المعارضة، إما الموافقة عليه بشكل كامل أو رفضه بشكل كامل، وأدى الرفض إلى انسحاب نواب المعارضة الديمقراطية من الجلسة البرلمانية والخروج إلى الشارع لإخطار الجماهير التي كانت قَدْ أحاطت مبنى البرلمان برفض بیانِها، الأمر الذي أدى إلى إثارة تلك الجماهير ودفعها إلى أن تقرر محاصرة البرلمان وعدم السماح بخروج نواب الحزب الاشتراكي منه، ومع مرور الساعات وتزايد الحشد الجماهيري حول البرلمان حاولت وزارة الداخلية المساعدة في إخراج النواب الاشتراكيين بواسطة عربات مدرعة تم استدعاؤها خصيصًا لهذا الغرض، الأمر الذي استفز مشاعر المتظاهرين الذين تمكنوا من تخطي الحواجز الحديدية والطوق المفروض من رجال الشرطة والوصول إلى البوابة الرئيسية للبرلمان وقاموا بتحطيمها وتحطيم جميع النوافذ المطلة على الطابق الأرضي من المبنى محاولين اقتحام البرلمان من خلالها، إلا أن رجال الشرطة الذين استخدموا الهراوات والقنابل المسيلة للدموع قد نجحوا في صد الهجوم ووقف محاولة اقتحام المبنى مما دفع بالجماهير إلى التعبير عن غضبها بتحطيم السيارات الفاخرة الخاصة بالنواب والمتصادف وقوفها أمام مبنى البرلمان، فأدى ذلك إلى اتساع رقعة التصادم عندما صدرت التعليمات لرجال – الشرطة بتأمين الميدان البرلماني وضرورة خلوه من العناصر المتظاهرة فأسفرت التصادمات إلى إصابة أكثر من ۲۲٠ مواطنًا واثنين من نواب المعارضة تصادف وجودهما وسط الجماهير واثنين من نواب الحزب الاشتراكي أثناء محاولتهما الخروج من البرلمان فتعرفت عليهما الجموع المتظاهرة.

وقد أدى تصاعد الأحداث على هذا النحو إلى أن يعلن رئيس الجمهورية د. جيلو جيلف عن توقفه وامتناعه عن منح التكليف الرسمي لمرشح الحزب الاشتراكي بتشكيل الحكومة الجديدة داعيًا مجلس الأمن القومي للانعقاد بشكل طارئ، إلا أن هذا الاجتماع قد فشل بدوره في وجود حل وسط بين المعارضة والسلطة؛ حيث أصرت أحزاب المعارضة الديمقراطية على ضرورة الإعلان عن انتخابات برلمانية مبكرة في الوقت الذي أصرت فيه قيادات الحزب الاشتراكي على حقها في الحصول على التكليف الرسمي بتشكيل الحكومة الجديدة وفق ما ينص عليه الدستور، مهددة بعدم الحضور للجلسة البرلمانية الطارئة المحدد لها يوم التاسع عشر من الشهر الحالي والمخصصة لنقل السلطة الرئاسية من الرئيس الحالي إلى الرئيس الديمقراطي الجديد، وأداء اليمين الدستورية أمام نواب البرلمان، وبالتالي عرقلة المراسيم الخاصة بنقل السلطة إليه، مما يشكل إشكالًا قانونيًا دستوريًا يؤدي إلى تعميق الأزمة السياسية في البلاد التي ستصبح بلا رئيس في ظل حكومة مستقالة وبرلمان عاجز عن الانعقاد وعلى الرغم من ذلك، فقد أعلنت قيادات القوى المعارضة مواصلة المواجهة واستمرار التظاهرات الاجتماعية بشكل يومي حتى تخضع الحكومة والحزب الاشتراكي إلى الموافقة على إجراء انتخابات برلمانية مبكرة؛ حيث تدرك قوى المعارضة أن الفرصة المتاحة أمامها الآن بالحصول على الفوز الساحق بالأغلبية البرلمانية في حالة إجراء انتخابات مبكرة مستغلة بذلك الغضبة الشعبية العارمة من الأوضاع الاقتصادية فرصة يصعب تكرارها، وأن السماح بتشكيل حكومة اشتراكية جديدة قد يعطل من التأثير الجماهيري الذي حصلت عليه، ولذا راحت تحث الجماهير على عدم الاستسلام والاستمرار في ضغوطها على الحزب الاشتراكي فأعلن الطلاب في جامعة صوفيا عن وقف الدراسة والخروج إلى الشارع، الأمر الذي تزامن مع إعلان النقابات العمالية الرئيسية الثلاث عن البدء في إضراب عمالي شامل على مستوى الجمهورية يشمل عمال الموانئ والمناجم، ودفعت تلك التطورات إلى إحداث مفاجأة سياسية عندما أعلن رئيس البرلمان وهو المحسوب على الحزب الاشتراكي «بلاجويف سندو» دعمه وتأييده لإجراء انتخابات برلمانية مبكرة کمخرجٍ وحيد من الأزمة السياسية في البلاد، ليشكل بموقفه ضغطًا جديدًا على الحزب الاشتراكي الذي يواصل عناده بعدم البدء في أي حوارات قبل حصوله على التكليف بتشكيل الوزارة الجديد. 

ويقول المراقبون: إن الأيام القليلة القادمة سوف تحدد ما إذا كانت الجماهير البلغارية تملك القدرة على الاقتداء بنموذج المعارضة الصربية والبقاء في الشارع من خلال مواصلة تظاهراتها الاجتماعية حتى تقتضي حقها من قرض الانتخابات التي ستاتي حتمًا بقوى المعارضة إلى السلطة مهما كلفها ذلك من ثمن؛ حيث سيكون بكل المعايير أقل بكثير مما دفعته ونهب منها خلال السياسة الاشتراكية الاقتصادية في العامين الماضيين، فكل المؤشرات تؤكد أن صوفيا قد اتخذت طريق بلجراد وأن المارد البلغاري قد خرج من القمقم وأن محاولة السيطرة عليه باتت مستحيلة. 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 15

98

الثلاثاء 23-يونيو-1970

الدين في الأقطَار الشيوعيَة

نشر في العدد 716

126

الثلاثاء 07-مايو-1985

المجتمع المحلي- العدد 716

نشر في العدد 709

100

الثلاثاء 19-مارس-1985

من أجل قضية الإنسان