العنوان صياغة إرتريَّة للقرن الإفريقي
الكاتب عبيد الأمين
تاريخ النشر الثلاثاء 19-يوليو-1988
مشاهدات 83
نشر في العدد 875
نشر في الصفحة 24
الثلاثاء 19-يوليو-1988
● الثورة الإرترية تتطلع لمساندة أشقائها العرب وهي تخوض معركة التحرير والصمود والعزلة الدولية.
وسط الأوضاع السياسية المتفجرة في منطقة القرن الإفريقي استطاعت القضية الإرتريّة أن تفرض ذاتها من خلال ما اكتسبته مؤخرا من انتصارات عسكرية وسياسية الأمر الذي دفع بها في مقدمة الأحداث الإفريقية الساخنة بعد أن اجتازت فترة بيات طويلة امتدت من ١٩٨٥ حتى أخريات العام الماضي... وبمقاييس الحساب الزمني تعتبر الثورة الإرتريَّة أطول حركة تحرير وطني حملت السلاح من أجل نيل الاستقلال..
وترتكز إشكالية التعقيد في القضية الإرتريَّة على الموقع الاستراتيجي الذي حباه الله بها فهي تمتد على طول ألف كيلومتر من الساحل الغربي للبحر الاحمر ويتبعها أرخبيل يتكون من ١٢٦ جزيرة فهي بحق ضحية الجغرافيا.. وبتحريرها تفتقد إثيوبيا كل منفذ لها على البحر مما يجعل تمسكها بالاحتلال أمر يتصل بكينونتها وكما أن إرتريا تشكل أهمية خاصة لإثيوبيا فإنها تتمتع بأهمية كبرى على النطاق الدولي والإقليمي ولهذا عاشت فترات متطاولة وهي تتداول بين القوى الكبرى من برتغاليين وإيطاليين وحبش، بعد أن اجتزِئت من دولة الخلافة التركية.. ويتزامن حاليا في القرن الإفريقي بجانب الثورة الإرتريَّة كل من حركة تحرير التقراي وثورة شعب الأرومو المسلم في جنوب وشرق إرتريا وحركة تحرير الصومال الغربي بالإضافة لمشكلة الجنوب السوداني والتي تتصل بالأوضاع السائدة في إثيوبيا بحكم أن قيادة التمرد تتمركز فيها.
وجانب هذه الحركات السياسية والعسكرية المناوئة لنظام منغستو عموما، فإن الوضع الداخلي لإثيوبيا هو الآخر يشهد تفجيرا ينذر بعاصفة وشيكة، بعد أن انحسرت قوة التيار اليساري المتفتح لصالح التيار الشيوعي الأكثر تصلبا مما أفضى بحالة لجوء القيادات السياسية والعسكرية لخارج البلاد، ولقد ساعدت تلك الأوضاع بصورة مباشرة في الانتصارات العسكرية المتتالية التي حققتها الثورة الإرتريَّة، وإذا ما استمرت حالة تآكل نظام منغستو من داخله فإن انتصار الثورة الإرتريَّة يصبح واقعا لا شكّ فيه.
اشتراكية المطامع:
في أعقاب الانقلاب العسكري الذي أودى بحكم الإمبراطور الفاشي هيلاسلاسي عام ١٩٧٤ انعقدت آمال الكثير من أبناء الشعب الإرتري في تعديل الأوضاع السياسية والاجتماعية للإمبراطورية الحبشية المتداعية خاصة وأن قائد الانقلاب (أمان عندوم) من أصل إرتري إلا أن تلك الآمال ذهبت أدراج الرياح الموسمية للانشطارات المتكررة لقيادة الانقلاب والتي سطا عليها أخيرا منغستو هيلا مريام، ولذلك اندلعت الثورة الإرتريَّة بقوة طالبة تقرير المصير من خلال مفردات اللغة العسكرية التي يحسن مخاطبة الانقلابيين بها وكاد عام ١٩٧٧ يشهد ميلاد الدولة الإرتريَّة المحررة لولا الجسر الجوي الذي صنعته القيادة السوفييتية يومها لإمداد الإمبراطور» منغستو بما يلزم من أسلحة الردع حتى يعيد سيطرته المتأرجحة على إرتريا في الوقت الذي يرفع أكثر قادة التحرير الإرتري الألوية الحمراء وشعارات الاشتراكية الدولية... تضامنا مع الثورة الأم في الاتحاد السوفييتي إلا أن كل تلك الأدلة لم تجد موضعها في قيادة السوفييت الأعلى والذي تنظر له قيادات المنظمات الاشتراكية الإرتريَّة كنموذج متقدم في مناصرة الشعوب.
فكانت خيبة الأمل الكبرى بتنكُّر الرفيق الأكبر لحركة التحرير والزمالة الاشتراكية، ولذلك جاءت قرارات المؤتمر الثاني للجبهة الشعبية لتحرير إرتريا بقيادة (أسياس أفورقو، ورمضان محمد نور) تدين موقف الاتحاد السوفييتي وتصفه بالتحريف وموالاة الإمبريالية، وعلى الرغم من الثورة الإثيوبية لم تستطع أن تتجاوز المرحلة الانقلابية في إحداث التغييرات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية إلا أن الاتحاد السوفييتي ما زال يُصِرُّ عليها كحليف إستراتيجي بلا بدائل.
أطماع السوفييت:
ظل الاتحاد السوفييتي يتعامل مع منطقة القرن الإفريقي في البدء من خلال حركات التحرير وعلى رأسها فصائل الثورة الإرتريَّة وبمجيء منغستو للسلطة عمل الاتحاد السوفييتي على كسب جانبه وفك ارتباطه الماضي بالثورة الإرتريَّة وخلافا للنظرية الماركسية فقد استبدل السوفييت المبادئ بالمصالح وتحققت بذلك الأحلام القديمة في السيطرة على مداخل الملاحة الإستراتيجية لا سيما في وجودهم في إثيوبيا - الدولة الإفريقية الأقوى في دول جنوب الصحراء - يعوضهم عن حليفهم السابق الصومال الذي خرج على إرادتهم بإدارة الحرب ضد إثيوبيا في منطقة الأوغادين عام ١٩٧٦.
كما أن إثيوبيا تحتل الساحل الغربي الموازي لليمن الديمقراطي الحليف الأقدم في منطقة باب المندب الاستراتيجية، وفي ذات الوقت فإن خروج إثيوبيا عن دائرة النفوذ الأمريكي تعد نصرا آخرا يضاف لصالح الوجود السوفييتي، ولذا فإن الوجود السوفييتي قد تجاوز منطق الصداقة السياسية إلى مراحل الحلف الإستراتيجي ويفسر هذا أرتال الأسلحة المتطورة التي تجاوزت قيمتها 5 مليار دولار -حسب التقديرات الغربية- وجمهرة الجيوش الشيوعية التي تنادت لنصرة الرفيق الإفريقي فقد بلغ عدد الخبراء الروس ١٦٠٠، ومن ألمانيا الشرقية ٣٠٠ خبير بالإضافة إلى ٣٥٠٠ جندي كوبي وقد استطاع الثوار الإرتريون مؤخرا من أسر ثلاثة من الخبراء الروس وقتل آخر أثناء معركة (نقفة) التي انتصر فيها الثوار في مارس الماضي... وقد بدأت قيادة غور باتشوف تدعو مؤخرا إلى ضرورة إيجاد حل سلمِي لمشكلة إرتريا ووفقا لسياسة (البيروستوريكا) التي يتبناها غور باتشوف هناك ميل سوفييتي إلى تقليص المعونة لإثيوبيا.. غير أن إثيوبيا «الإمبراطورية» تبقى هي دولة الاعتماد الماركسي طمعا في أن يظل منغستو لينين إفريقيا».
النصير المفتقد:
ارتبطت الثورة الإرتريَّة منذ انطلاقها في عام ١٩٦١ بالمجموعة العربية والإسلامية انطلاقا من الرابطة العضوية التي تصلها بالأمة العربية، فأكثر القبائل إما عربية أو ذات أصول سامية تتصل بقبائل حِمْيَر العربية القديمة، كما أن اللغة العربية تُعتبر اللغة الأولى وتليها اللغة الثغرانية.. غير أن الأمة العربية لم تولِ الثورة الإرتريَّة ما تتطلبه من جهد واكتفت بمواقف قطرية فردية بدلًا من أدراجها ضمن قضايا الجامعة العربية... فالثورة الإرتريَّة حتى الآن لم تعطها الجامعة العربية صفة العضو المراقب على الرغم من أن هناك صلات جيدة مع الجامعة وأغلبية أعضاء المجموعة العربية، وكما أن الثورة لم توفق في كسب الدعم المنظم من الجامعة فإن الشعب الإرتري لم يجد هو الآخر تبنِّيا قوميًّا لأوضاعه التعليمية والاجتماعية مما جعله يتقلب في أحضان النظريات الفكرية المستوردة ولجأ يبحث عن ذاته في الغرب الرأسمالي كما أنه تطلع لخلاصة في الأطروحات الماركسية.
وحتى تلك المنظمات التي نشأت باسم الإسلام «الرابطة الاسلامية» عبدالله إدريس فقد ظلت تتردد على الدول العربية طالبة الدعم إلا أنها لم تحصد غير الخلافات، وانعكست تلك على بنيتها التنظيمية وأصابتها بالانشطار في كل مرحلة وذات الصورة حصلت عليها تلك المنظمات التي أولت وجهها شطر الدول العربية... وفي المقابل فإن الدول الغربية تبنت المسيحيين الإرتريين في الإيواء والدراسة، مما أوجد طبقة قيادية مقتدرة في مجال المسيحيين، وكذلك فإن التوجهات الغربية والاشتراكية تجد تأييدا أحسن حالا من الذي تتلقاه من الدول العربية، وهذا لا يمنع أن دولة مثل السودان تُسَخِّر إمكاناتها المتواضعة باستمرار لصالح الثورة الإرتريَّة، كما أن العراق والكويت والعربية السعودية لم تتخلَّ أبدا عن الثورة الإرتريَّة.
الثورة والمستقبل:
قال مؤرخ بريطاني شهير جاء في أبريل الماضي مع فريق الإذاعة البريطانية لمشاهدة المعارك بين الثورة الإرتريَّة وقوات منغستو أن معركة (أفعيت) هي أكبر نصر تحققه حركة تحرر وطني منذ معركة (ديان بيان فو) في فيتنام ١٩٥٤ بهذا الكم من المقدرة كانت انتصارات الثورة الإرتريَّة وهي تقاتل على طريقة الجيوش النظامية معتمدة على الإيمان بعدالة القضية وضرورة نَيْل الاستقلال عبر فوهة البندقية، فإن المفاوضات والأمم المتحدة هي التي أضاعت إرتريا ضمن مناورات الولايات المتحدة الأمريكية حين تمكن وزير خارجيتها «دالاس» من إصدار قرار (۳۹۰) يربط إرتريا مع إثيوبيا في اتحاد فيدرالي ودون انتظار الإمداد اكتسبت الثورة وجودها الضاغط على المشاريع الإقليمية والدولية ولم تعد كمًّا مهملا كما كانت في السابق بالرغم من قمة الكبار تجاهلت الوضع الدولي للصراع، واعتبرته قضية داخلية وطالبت منغستو بضرورة السعي لغرض الحل الذي يمكنه من الإبقاء على إثيوبيا «الإمبراطورية» موحدة إلا أن هذا التوجه ما كان للقوى الأعظم أن يشغل لها بال لولا الانتصارات التي هددت المشاريع الأمريكية - السوفييتية المتضاربة في المنطقة والتي تلتقي جميعا في كبت الثورة الإرتريَّة.. غير أن الثورة ليست منظمة واحدة أو فصيل وإن كانت اليوم تسيطر على الميدان الجبهة الشعبية -بقيادة- (أسياس، ورمضان) فإن الفصائل لا بد أن تجمع الشمل خاصة بعد أن تبين أن الشرق والغرب تلتقي مصالحه في تصفية كل تلك الفصائل دونما تمييز الاشتراكي منها والعربي والإسلامي وقد سعت مؤخرًا كل من السودان، والشاذلي القليبي إلى جمع الفصائل المختلفة في الخرطوم ومحاولة إيجاد صيغة مشتركة لرفع صيغة التنسيق القائم إلى قيادة وحدوية، وكلما توحدت الاتجاهات عادت الأصالة للثورة الإرتريَّة الضاربة الجذور في العروبة والإسلام... ومهما يكن فإن الشعب العربي المسلم في إرتريا حين يتطلع لبناء دولته المحررة ينظر لأشقائه في المشرق العربي والمغرب.. فهل تستجيب أواصر الإخاء وروابط الدم؟
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل