العنوان ملف العدد (2): المجتمع (2186)
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الجمعة 01-ديسمبر-2023
مشاهدات 82
نشر في العدد 2186
نشر في الصفحة 16
الجمعة 01-ديسمبر-2023
المقاومة الفلسطينية تتجاوز الحصار وتستشرف معركة التحرير
غزة- عبد الغني الشامي:
لم يتمالك المجاهد نضال فرحات، أحد قادة «كتائب القسام»، نفسه وانفجر في البكاء وهو يطلق أول صاروخ محلي الصنع من قطاع غزة تجاه مستوطنة سديروت، في ربيع 2001م.
طار فرحات قبل الصاروخ الوثاب إلى منزل الشيخ أحمد ياسين، مؤسس حركة «حماس»، ليخبره بالأمر قائلاً له: «الصاروخ وصل أبعد من 5 كيلومترات»؛ فتبسم الشيخ كعادته قائلاً له: «إذا صاروا 10 كيلومترات لك مني قُبلة على جبينك».
تروي هذه القصة، على بساطتها بنظر البعض، عمق التفكير الإستراتيجي للمقاومة الفلسطينية الحديثة بقيادة «كتائب القسام»، كما تروي حكاية اختراق المقاومة الفلسطينية الحصار المفروض على قطاع غزة وتطوير قدراتها العسكرية إلى أن وصلت مرحلتها اليوم، رغم كل ما مرت به من حروب وضربات متفرقة على مدار السنوات الماضية.
تطور نوعي وكمي
الكاتبة والباحثة السياسية تمارا حداد، تؤكد ذلك، بقولها: رغم الحصار المطبق منذ 17 عاماً، فإن المقاومة استطاعت أن تخترق جدرانه؛ من خلال اتباع أساليب ميدانية عملياتية عسكرية قادرة على فك الحصار الأمني والاقتصادي، باستغلال رائع لواقع التكنولوجيا والقدرات البشرية الذاتية التي طورت من خلالها كل أدوات التدريب والتسليح والتعزيز اللوجستي والمعنوي والأمني والمهني.
وتابعت: استطاعت المقاومة من خلال الأدوات الذاتية المتوفرة لديها من صنع صواريخ «الياسين»، وقذائف «الهاون»، و«آر بي جيه»، من خلال التعلم التقني وتطبيق ذلك على أرض الواقع؛ ما أدى إلى تعزيز قوتها الميدانية والمهنية والعسكرية العملياتية.
ظهر هذا جلياً خلال هذه المعركة المستمرة، وما زالت المقاومة صامدة تواجه أعتى جيش في المنطقة رغم قوته، تتابع حداد: ليس صموداً فقط، بل استطاعت أن تُلحق بالعدو خسائر مؤلمة في جنوده ودباباته النوعية التي تم تدمير عدد كبير منها من خلال أدوات المقاومة الفلسطينية المتطورة نوعاً وكماً.
صورة الانتصار انتقلت من الميدان إلى الشاشات، وفق حداد، فقد استطاعت المقاومة أن تفرض صورتها الإعلامية بكل قوة بسبب صمود وقوة المقاومة على الأرض، فهي أمام خيارين لا ثالث لهما؛ النصر أو الشهادة.
كلمة السر، وفق الباحثة السياسية، إرادة المقاومة التي تجلت في أبهى صورها، وإخلاص كوادرها، كما أن تحليها بالصبر يعد أداة أخرى لتحقيق الأهداف السامية، وهي كسر الحصار ووقف إطلاق النار وتبييض سجون الاحتلال من الأسرى الفلسطينيين؛ لذلك ما زالت المقاومة ثابتة على تلك المحددات حتى تحقق النصر رغم تعنت الاحتلال.
رأس الحربة
وبعمق أكبر، يرى أستاذ التاريخ الإسلامي في غزة أ.د. رياض شاهين أن المقاومة رأس الحربة ليس في مواجهة «إسرائيل» فحسب، إنما التحالف الذي تقوده أمريكا ودول غربية في مقدمتها بريطانيا وفرنسا وألمانيا واليونان وإيطاليا وغيرها، وهذه الدول تمتلك أكبر ترسانة عسكرية متطورة في العالم، بمقابل غزة التي تبلغ مساحتها 360 كيلومتراً مربعاً فقط، ويقطنها 2.3 مليون نسمة، لكنها تمتلك جيشاً تحررياً لا يزيد تعداده بضع عشرات الألوف غالبيتهم متطوعون، يملكون أسلحة فردية خفيفة من بنادق ومسدسات وقنابل وصواريخ صغيرة ومتوسطة المدى ومسيّرات، وهي في غالبيتها صناعات محلية.
ويضيف شاهين: بلغة المنطق والأرقام، فالغلبة للتحالف لا محالة، لكن قواتنا تعتمد على الله تعالى أولاً، ثم على أفرادها المقاومين والحاضنة الشعبية وثقتها بعدالة قضيتها، وأن حربها مع اليهود حرب عقائدية، تدافع عن أرضها ومقدساتها ومدنها التي احتلت في فترة ضعف كانت تمر بها الأمة العربية والإسلامية، إضافة إلى ذلك ثقتها بدعاء حفظة القرآن والدعاة والعلماء لها، ومساندة جميع شعوب العالم.
ويؤكد أستاذ التاريخ أن النقطة الأساس هي الحاضنة الاجتماعية التي وفرت للمقاومة القدرة على التكيف مع الظروف الصعبة، وبناء التحالفات الداخلية والخارجية والإقليمية؛ ما مكنها من إضافة عناصر جديدة لقوتها.
من جهته، قال الباحث الأردني حازم عياد: إن انخراط نخب في المقاومة عزز مقدرتها على التطوير والتكيف مع الواقع، وخوض عدة معارك، إضافة إلى الإرادة القوية للمقاومة، مشيراً إلى أن هذه الجولة ستشكل دون أدنى شك نقطة مفصلية في معركة التحرير القادمة.
المقاومة الفلسطينية.. ودرس بناء الذات!
أحمد عبد الواحد
من كان يتخيل أن «انتفاضة الحجارة» ستتطور وتصل إلى «طوفان الأقصى»، الذي حطم أسطورة واحد من أقوى جيوش المنطقة، المدججة بأحدث وأفتك أنوع الأسلحة، والمدعوم من الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وألمانيا وغيرها؟!
لم يكن ذلك محض صدفة، بل كان نتاج عملية طويلة ومعقدة من بناء الذات، والنقد البنَّاء، وإجراء المراجعات، وتصويب المسار، وترتيب الأولويات، واختيار الأكفأ، وقبل ذلك كله حُسن التوكل على الله تعالى.
«انتفاضة الحجارة» (الانتفاضة الأولى) التي اندلعت في 8 ديسمبر 1987م، أطلقت شرارة الجهاد والكفاح ضد الاحتلال، وقد استشهد خلالها أكثر من ألف شهيد، و3 آلاف جريح، مقابل مقتل 160 جندياً من العدو.
لقد كان الحجر لبنة أولى في مسيرة بناء، خضعت لها المقاومة، وطورت خلالها إمكاناتها وقدراتها، فانتقلت من مرحلة الحجارة، إلى الأسلحة البيضاء، ثم الرصاص، والقنابل اليدوية، والعبوات الناسفة، والعمليات الاستشهادية، فكان ثمرتها انطلاق «الانتفاضة الثانية» في 28 سبتمبر 2000م، التي استشهد خلالها 4412 فلسطينياً، ونحو 50 ألف جريح، مقابل مقتل 1069 «إسرائيلياً»، و4500 جريح، وانتهت في فبراير 2005م، ببناء جدار الاحتلال العازل في الضفة الغربية وانسحاب الاحتلال من قطاع غزة.
لم تركن المقاومة الفلسطينية إلى هذا النصر، ولم تطلب الراحة تلذذاً بنشوة زائلة، بل كان الأمر أكبر وأعقد من ذلك، إنها حرب تحرير واستقلال، من أجل استعادة كامل التراب، وتطهير «الأقصى» المبارك من دنس اليهود.
لقد عاودت المقاومة، وفي القلب منها «حماس»، عملية تقييم الذات، ورصد الأخطاء، وتبادل الخبرات، والاستفادة من تجارب الآخرين، ودراسة علوم الحرب، واعتماد التكتيكات الحديثة، وتطوير الإستراتيجيات العسكرية.
يمكن القول: إن «حماس» تحديداً أبهرت خبراء العسكرية حول العالم، حين تكيفت مع ظروف الحصار المفروض على قطاع غزة منذ العام 2006م، واتجهت نحو التحول من فصيل مقاوم إلى جيش صغير منظّم، بات يعتمد أساليب بناء الجيوش الحديثة، له رئاسة أركان، وغرف عمليات، وتشكيلات من قوات برية وبحرية وجوية، وهيئة إمداد وتموين، يمتلك قوات خاصة وقوات احتياط وضفادع بشرية، وسلاح المظلات، وسلاح المهندسين، والأمن السيبراني، وسلاح القنص، وجهاز استخباراتي متمرس، وآلة إعلامية قوية، وناطق عسكري مؤثر، وإدارة سياسية من الطراز الرفيع.
ثم تواصلت عملية بناء الذات، وصناعة شخصية جديدة للمقاومة، تتحدى ظروف الحصار، عبر بناء شبكة أنفاق معقدة، طولها أكثر من 500 كيلومتر، على أعماق مختلفة تتراوح بين 15 و70 متراً، أشبه بـ«شبكة مترو» أو متاهة عنكبوت، بها أنفاق صغيرة، ومتوسطة، وكبيرة، مسارات مختلفة ومتشابكة، غرف تحكم وقيادة واتصالات، مخازن أسلحة، منصات لإطلاق الصواريخ، أنفاق هجومية، وأخرى دفاعية، مزودة بنظام «الباب المسحور» الذي يتيح خروج قاذفات الصواريخ ثم الاختفاء فجأة، بها أنفاق مفخخة، وآلية لعزل الأنفاق المتضررة أو المكتشفة.
بموازاة ذلك، عاشت المقاومة التي بدأت بالحجر، حقبة جديدة عنوانها الصواريخ، لتتطور تلك الصناعة بخبرات محلية، وتكنولوجيا متواضعة، الأمر الذي شهد نقلة نوعية من صناعة صواريخ قصيرة المدى، إلى صواريخ متوسطة وبعيدة المدى، مزودة برؤوس تفجيرية، لها القدرة على تجاوز القبة الحديدية ومنظومات الدفاع الجوي التي يتمتع بها العدو.
ووفق دراسة صادرة عن مركز القدس للشؤون العامة، فإن «حماس» تصنع الآن جزءاً كبيراً من أسلحتها الخاصة، وتوسع أبحاثها، وتطور طائرات بدون طيار، وطوربيدات تحت الماء، وتنخرط في الحرب السيبرانية، وهي على وشك الخروج من إنتاج الصواريخ غير الموجهة إلى الصواريخ الدقيقة بعيدة المدى.
التساؤلات تطرح نفسها: كيف سيكون حال المقاومة الفلسطينية بعد 10 سنوات من الآن؟ وماذا سيكون في جعبتها للاحتلال؟ وإلى أي مدى يمكن أن تتطور مجدداً بعد أن باتت قادرة على اجتياح المستوطنات والمواقع العسكرية، وتوجيه ضربة استباقية مؤلمة معقّدة على المستوى الاستخباري والعملياتي؟
الواقع الماثل أمام أعين الجميع، حالة أسطورية، وغير مسبوقة؛ لأنها ليست حرباً نظامية بين جيشين، بل فصيل مقاوم مكون من آلاف المقاتلين، نجح في تكبيد جيش الاحتلال «الإسرائيلي» خسائر فادحة وهزيمة مذلة، لم يعهدها منذ نحو نصف قرن.
إنه درس عظيم في بناء الذات، يقدمه الفلسطينيون للعالم أجمع، بل أزعم أنه درس سيكون محل دراسة من الجيوش الكبرى والقوى العظمى، وقبلها درس للأمة العربية والإسلامية في كيفية استنهاض الذات وتحفيز مقوماتها وتحقيق النصر على أعدائها.
كيف نجحت «حماس» في بناء حاضنة شعبية فلسطينية قوية؟!
«حماس» حركة إسلامية تنطلق من الإسلام عقيدة وفكراً وأخلاقاً ومعاملات وحرية للإنسان
.. وتحمل مشروعاً وطنياً فلسطينياً يؤمن بتحرير الأرض وحق الشعب في تقرير مصيره بنفسه
.. وأنشأت مؤسسات دعوية واجتماعية وتربوية خدمت المجتمع وخففت عنه الواقع المرير
الشعب الفلسطيني شاهد صعود «القسام» وتراكم تجاربها وتفاني عناصرها وإبداع قياداتها وتضحياتهم
رأفت مرة
عضو القيادة السياسية في «حماس»
عملية «طوفان الأقصى» التي نفذتها «كتائب القسام»، الجناح العسكري لحركة «حماس»، فجر 7 أكتوبر 2023م، ودقتها ونجاحها الذي أبهر العالم وزلزل الكيان الصهيوني، وحجم الإرهاب «الإسرائيلي» العنيف في قتل الفلسطينيين وتدمير قطاع غزة، وتحمُّل المجتمع الفلسطيني هذا الكم الهائل من الإرهاب، وتقديم أبناء غزة هذه التضحيات التي تفوق الوصف والتحمل البشري؛ فتح الباب على سؤال كبير صار محل النقاش والاستفسار والبحث عند كل الجهات والقوى المتابعة: كيف نجحت حركة «حماس» في بناء هذه القاعدة الشعبية حولها؟ وكيف تمكنت من حشد تأييد ودعم مختلف شرائح المجتمع؟ وكيف يلتف الناس حول «حماس» ويثقون بها ويقدمون هذه التضحيات ويتحملون ويصبرون؟!
هذا سؤال مشروع، ومن الطبيعي أن يطرح في هذا الوقت، خاصة أن العالم يراقب «حماس» ويراقب قطاع غزة، وأن أي تطور أو فعل يجري في غزة مهما كان حجمه أو نوعه يحظى بالاهتمام.
سنحاول هنا الإجابة عن هذا السؤال الكبير بموضوعية.
أولاً: إن «حماس» حركة إسلامية تنطلق من الإسلام؛ عقيدة وفكراً، وأخلاقاً ومعاملات، وحرية للإنسان، فحركة «حماس» تنظر إلى فلسطين من زاوية دينية تعطي مكانة للقدس و«الأقصى» والأرض المباركة وقضية الإسراء والمعراج وفتوحات الصحابة الكرام.
ثم إن «حماس» تنطلق من الاستعداد والتضحية والصبر والنصر، من قيم إسلامية خالصة، ومعانٍ إيمانية، وتوكل على الله تعالى ومرضاته.
ثانياً: إن «حماس»، في الوقت نفسه، مشروع وطني ينظر إلى فلسطين كوطن وأرض محتلة، على أبناء هذا الوطن جميعاً التحرك لتحريره.
و«حماس» تحمل مشروعاً وطنياً وأهدافاً وطنية وقيماً وطنية ومنطلقات وطنية، تؤمن بتحرير الأرض وحرية الإنسان وحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره بنفسه.
ثالثاً: إن «حماس» استمرار للتاريخ الوطني الفلسطيني، واستكمال للمسيرة الوطنية الفلسطينية، التي مرت بمراحل كثيرة، من «وعد بلفور» عام 1917م، و«ثورة البراق» عام 1929م، و«ثورة الشيخ عز الدين القسام» عام 1935م، و«الإضراب الكبير» عام 1936م، ومقاومة الشعب الفلسطيني فترة «النكبة» عام 1948م، وانطلاق «الثورة الفلسطينية» عام 1965م.
بالتالي؛ فإن «حماس» اليوم تكمل هذا التاريخ المجيد مع الشعب الفلسطيني وتحمل أهداف الماضي والحاضر والمستقبل.
رابعاً: إن «حماس» نشأت بقرار فلسطيني من بيئة فلسطينية من رحم المجتمع ومن قلب الشعب، وهي وليدة المجتمع والمعاناة وبؤس النكبة، ومعاناة الفلسطينيين المقيمين في أرضهم، واللاجئين المشردين، هي صنيعة رجال هجروا من أرضهم عام 1948م، وعاشوا في بؤس في مراحل حكم الاحتلال الصهيوني، وعايشوا عنفه وإرهابه وظلمه وتعسفه.
خامساً: إن قيادات وكوادر وأبناء «حماس» هم من المجتمع الفلسطيني، يعيشون معه، يقيمون حيث يقيم، يصلون في المساجد، يدرسون في المدارس، يعملون في الأسواق والحرف، منازلهم مثل منازل جميع الفلسطينيين، حياتهم مثل حياة جميع الفلسطينيين، مستواهم الاجتماعي مثل المستوى الاجتماعي لجميع الفلسطينيين، عانوا قهر الاحتلال وظلمه، وشاركوا في كل مراحل النضال الوطني الفلسطيني، لكنهم ذهبوا باتجاه تشكيل حركة «حماس» نظراً للتطورات السياسية والعسكرية التي شهدتها الساحة الفلسطينية، وطبيعة الصراع وما وصلت إليه القضية الفلسطينية.
سادساً: لقد لمس المجتمع الفلسطيني من «حماس» مستوى الصدق والأخلاق والفضيلة والتواضع والإنسانية، التي تمتع بها قيادات وعناصر الحركة، مثل الشيخ أحمد ياسين، ود. عبدالعزيز الرنتيسي، وقيادات الحركة الإسلامية في القدس والخليل ونابلس، ولمسوا صدق هؤلاء واقترابهم من الناس.
سابعاً: لقد عملت «حماس» على تأسيس مؤسسات دعوية واجتماعية وإنسانية وعلمية وتربوية ورياضية، رجالية ونسائية، خدمت الإنسان الفلسطيني، وخففت عنه الواقع الاجتماعي الصعب، وساعدته في تخطي معاناة صحية أو خدماتية أو تربوية، والأهم أن الإنسان الفلسطيني كان يلمس حجم اهتمام «حماس» به وسعيها للتخفيف عنه.
ثامناً: لقد شكل مشروع المقاومة الذي أطلقته «حماس» منذ بداياتها عنصر ثقة، حيث حمل هذا المشروع أهداف التحرير والحرية وإقامة الدولة وعودة اللاجئين، ثم شاهد المجتمع الفلسطيني كيف أن «منظمة التحرير الفلسطينية» تخلت عن هذه الأهداف ووقَّعت على «اتفاق أوسلو»، الذي تعهد بحماية الاحتلال والاعتراف به، وبينت التطورات لاحقاً أن «السلطة الفلسطينية» تحولت إلى أداة أمنية للاحتلال لإنهاء الأهداف الفلسطينية وتعزيز مصالح الاحتلال.
ثم شاهد الفلسطينيون كيف أن الاحتلال يعتقل ويغتال قيادات «حماس»، بينما قيادات فلسطينية أخرى تسهر مع مسؤولين أمنيين «إسرائيليين» في الملاهي في «تل أبيب» وتحصل على بطاقة «VIP».
تاسعاً: أجريت في الضفة وغزة عدة انتخابات، وكانت «حماس» تحصد غالبية شعبية، مثل الانتخابات البلدية عام 2005، والبرلمانية عام 2006م، وانتخابات النقابات والمهن والجامعات، وهذا دليل على ثقة الناس بـ«حماس» ومشروعها.
ثم إن المجتمع الفلسطيني لمس كيف أن العالم يتآمر لإلغاء نتائج الانتخابات؛ فقط لأن «حماس» كانت الفائزة.
عاشراً: إن قيادات «حماس» تعرضوا للاغتيال أو الاعتقال، وإن أبناء قادة «حماس» هم معتقلون أو شهداء أو في الخنادق أو المعارك في حالة التحام مع الاحتلال، وهم ليسوا في الفنادق أو المطاعم أو منشغلين بالاستثمارات المالية والانبطاح أمام الحاكم العسكري «الإسرائيلي» ليمرر لهم الصفقات.
حادي عشر: لا شك أن «حماس» استفادت شعبياً وبشكل كبير من ممارسات قيادة «منظمة التحرير الفلسطينية»، وقيادة «السلطة»، التي كانت تمارس الهيمنة على المؤسسات وعلى القرار، ويطغى عليها الفساد المالي، وتقمع الشعب، وتعتقل المقاومين، وتحمي العملاء والخونة، وتصف المقاومة بـ«الإرهاب»، وتتعاون أمنياً مع الاحتلال، وتنسحب حين تتقدم قوات الاحتلال، وتفرط بالقضية الفلسطينية والثوابت الوطنية، وترفض تمثيل «حماس» وقوى المقاومة في المؤسسات الفلسطينية، وتطلب هذه القيادات دعم الاحتلال وتسقط أخلاقياً ووطنياً، وتصمت عند الاعتداءات «الإسرائيلية» على القدس و«الأقصى» والمدن والقرى.
ثاني عشر: إن الشعب الفلسطيني والعالم شاهد صعود «كتائب القسام» وتراكم تجاربها وتفاني عناصرها وإبداع قياداتها وتضحياتهم منذ تأسيسها، حيث قدمت «كتائب القسام» منذ 35 عاماً نموذجاً في الأداء العسكري المقاوم الذي أذهل الاحتلال.
فقد طورت «القسام» أداءها من الرصاص إلى الصواريخ إلى عمليات التوغل والأسْر والتصنيع بمختلف الأنواع، وضربت الاحتلال في العمق وصولاً إلى «تل أبيب»، وسيَّرت الطائرات والبحرية وحررت الأسرى، وحطمت صورة الاحتلال الذي انسحب من غزة عام 2005م بفعل ضربات المقاومة.
وكان الإنسان الفلسطيني يراقب ويتابع ويقرأ التحولات والوقائع، وهو إنسان يتمتع بالوعي والحرية والاستقلالية، ووجد أن «حماس» حركة صادقة واعية مسؤولة محل ثقة بتحقيق تطلعاته وأهدافه.
طوال 35 عاماً، وجد الشعب الفلسطيني أن «حماس» ثابتة على نهجها صادقة في وعدها متمسكة بمبادئها مضحية من أجل حرية الشعب، تضرب الاحتلال بالعمق وتوقع فيه خسائر مذهلة صادمة.
لقد كانت عملية «طوفان الأقصى» أكبر وأهم عملية زلزلت الاحتلال، وأذهلت العالم وحكمت أسطورة العدو.
من هنا كان هذا الإرهاب «الإسرائيلي» للانتقام من المدنيين!
ومن هنا جاء الالتفاف الفلسطيني والعالمي حول «حماس».
برامج التربية لحركات المقاومة الإسلامية.. سر «طوفان الأقصى»
التربية والتعليم أهم أدوات المقاومة الفلسطينية لتنشئة جيل من المجاهدين لمواجهة الاحتلال
«حماس» تعتمد في برامجها الربط بين العقيدة والسياسة والاهتمام بالقيم والأخلاق إلى جانب التدريب البدني
من برامج «حماس» التربوية: «الكشافة والمرشدات» «الطلائع» «الأنصار» «تعلم وحفظ القرآن الكريم»
«طوفان الأقصى» برهنت على أن التربية ليست فقط للمقاومين، بل لتمتين الحاضنة الشعبية كذلك
منى حامد
«يجب على أي شخص كان يحضر الدورات التدريبية العادية ولم يكن يخطط لحضور صلاة الفجر في مساجده المعتادة أن يذهب للصلاة»، هذه الرسالة كانت شرارة عملية «طوفان الأقصى» التي نفذتها المقاومة الفلسطينية باقتدار، في 7 أكتوبر الماضي، إذ وصلت إلى شباب فصائل المقاومة، ليجتمعوا في الصلاة ويأخذوا سلاحهم وينفذوا واحدة من أعظم ملاحم البطولة في التاريخ العسكري.
تسلط هذه الرسالة، التي نقلتها صحيفة «الجارديان» البريطانية عن مصادر وصفتها بالمطلعة، الضوء على دور البرامج التربوية في عملية إعداد المجاهدين وتنفيذهم لعمليات المقاومة الفلسطينية، التي يمكن وصفها بأنها سر نجاح «طوفان الأقصى» الأول.
التربية والتعليم هما أهم الأدوات التي تستخدمها فصائل المقاومة الفلسطينية لتنشئة جيل من المجاهدين والمناضلين القادرين على مواجهة الاحتلال «الإسرائيلي» والدفاع عن الحقوق والمقدسات الفلسطينية، وتتضمن برامجها مجموعة من الأنشطة والمبادرات والمشاريع التي تهدف إلى تعزيز الوعي الديني أولاً، والوطني والثقافي والاجتماعي والنفسي ثانياً.
ولا تقتصر هذه البرامج على الشباب، بل تشمل حتى الأطفال وتنمية مهاراتهم وقدراتهم ومواهبهم، وتحفيزهم على المشاركة الفاعلة في الحياة العامة والنضال ضد الاحتلال، وهو ما يهتم به «قسم الأشبال» في فصائل المقاومة الفلسطينية، خاصة في حركتي «حماس» و«الجهاد الإسلامي».
وتعتمد حركة «حماس» في برامجها التربوية على مبدأ الربط بين العقيدة والسياسة، والتوازن بين العلم والجهاد، والاهتمام بالجوانب الإنسانية والأخلاقية والقيمية إلى جانب التدريب البدني؛ بهدف تربية جيل من المجاهدين المؤمنين بالله ورسوله وكتابه، والمحبين لفلسطين وشعبها وقضيتها، والملتزمين بالميثاق والبرنامج السياسي للحركة، والمستعدين للتضحية والفداء في سبيل الحرية والكرامة والعدالة.
حركة تربوية
من أهم برامج الحركة التربوية، بحسب بياناتها الرسمية ومصادر «الجارديان»، برنامج «الكشافة والمرشدات»، الذي يعد من أقدم وأوسع برامج «حماس» التربوية، إذ بدأ في عام 1992م، ويستهدف الأطفال والشباب من سن 7 إلى 18 عاماً.
ويهدف هذا البرنامج إلى تنمية الجوانب البدنية والعقلية والروحية والاجتماعية للمشاركين، وتعليمهم المهارات الحياتية والقيادية والعسكرية، وترسيخ قيم الولاء والانتماء والتعاون والتضامن والتحدي والإبداع.
ويشمل البرنامج مجموعة من الأنشطة والفعاليات، مثل الرحلات والمخيمات والمسابقات والورشات والدورات والمحاضرات والندوات والمهرجانات والعروض والاحتفالات والمشاركة في المناسبات الوطنية والدينية والإنسانية.
ومن أبرز الرموز الذين تربوا على هذا البرنامج الشهيد أحمد الجعبري، القائد العسكري السابق لـ«كتائب القسام»، الذي كان مؤسساً ومشرفاً على «الكشافة والمرشدات» في «حماس»، واغتيل على يد الاحتلال «الإسرائيلي» في عام 2012م.
كما تضم منظومة التربية لدى الحركة برنامج «الطلائع»، وهو من أهم وأحدث برامج حركة «حماس» التربوية، إذ بدأ في عام 2013م، ويستهدف الشباب من سن 18 إلى 25 عاماً، ويضم حوالي 50 ألف عضو وعضوة في قطاع غزة والضفة الغربية.
ويهدف هذا البرنامج إلى تأهيل الشباب للقيادة والمسؤولية والمشاركة في الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية والجهادية، وتوعيتهم بالقضايا الوطنية والإسلامية والعربية والدولية، وتحفيزهم على الابتكار والتميز والتطوير.
ويشمل هذا البرنامج مجموعة من الأنشطة والفعاليات، مثل الدورات والورشات والمحاضرات والندوات والمؤتمرات والمعارض والمهرجانات والحملات والمبادرات والمشاريع والمشاركة في الانتخابات والمظاهرات والمواجهات.
ومن أبرز الرموز الذين تربوا على هذا البرنامج محمد الضيف، القائد العسكري الحالي لـ«كتائب القسام»، الذي كان مؤسساً ومشرفاً على «الطلائع» في حركة «حماس»، وقد نجا من عدة محاولات اغتيال من قبل الاحتلال.
برنامج «الأنصار»
أما البرنامج الذي يستهدف الفئة العمرية بين 25 و40 عاماً، في «حماس» فهو برنامج «الأنصار»، الذي بدأ في عام 2014م، ويضم حوالي 20 ألف عضو في قطاع غزة والضفة الغربية، ويهدف إلى التدريب والتأهيل للعمل السياسي والاجتماعي والإعلامي والجهادي، وتمكين المنتسبين له من القيام بدورهم في خدمة الحركة والشعب والقضية الفلسطينية، وتوسيع قاعدة التأييد والتأثير للحركة في المجتمع الفلسطيني، وتعزيز العلاقات مع الفصائل والمؤسسات والشخصيات الوطنية والإسلامية والدولية.
ويشمل هذا البرنامج مجموعة من الأنشطة والفعاليات، مثل اللقاءات والحوارات والزيارات والمهام والمسؤوليات والمشاركة في الأحداث والقضايا المهمة.
ويعد برنامج «تعلم وحفظ القرآن الكريم» قاسماً مشتركاً بين كل برامج التربية الأخرى في «حماس»، وهو من أهم وأقدم برامج الحركة، إذ بدأ في عام 1988م، ويستهدف جميع الفئات العمرية والاجتماعية، ويضم حوالي 200 ألف مشارك ومشاركة في قطاع غزة والضفة الغربية.
ويهدف هذا البرنامج إلى تعليم القرآن الكريم وتفسيره وحفظه وتجويده وتطبيقه، وتربية الناس على العقيدة الإسلامية الصحيحة والمنهج النبوي الشريف، وتنمية الجوانب الروحية والأخلاقية والقيمية للمشاركين، وتحقيق الوحدة والتآخي والتعاون بين المسلمين.
كما يشمل البرنامج مجموعة من الأنشطة والفعاليات، مثل الحلقات والدورات والمسابقات والمؤتمرات والمهرجانات والاحتفالات والمشاركة في الأعمال الخيرية والدعوية، ومن أبرز رموزه الشيخ الشهيد أحمد ياسين، مؤسس حركة «حماس» وزعيمها الروحي، الذي كان من أبرز القراء والمفسرين والمعلمين للقرآن الكريم في فلسطين، واغتيل على يد الاحتلال «الإسرائيلي» في عام 2004م.
وللحركة برامج أخرى في عملية التربية والتعليم، تستهدف الأسرى وأهالي الشهداء والجرحى والأيتام، وبرنامج «النساء والفتيات»، إضافة إلى برنامج خاص بالطلبة والخريجين، وآخر للعلماء والدعاة، وثالث للفن والإبداع، ورابع للرياضة والتربية البدنية، وغيرها من البرامج المتخصصة، التي تسعى إلى تحقيق رؤية «حماس» في بناء جيل من المجاهدين المؤمنين بالله ورسوله وكتابه، والمحبين لفلسطين وشعبها وقضيتها، وهو ما توازيه برامج أخرى مشابهة لدى حركة «الجهاد الإسلامي».
لقد قدمت عملية «طوفان الأقصى» برهاناً عملياً على أن التربية لدى حركات المقاومة، ليس فقط في صقل جوانب الانضباط والفداء والتضحية لدى منتسبيها، بل في تمتين الحاضنة الشعبية للمقاومة في الأرض المقدسة؛ وهو ما أذهل العالم على مدى عدة أسابيع يتعرض فيها المدنيون لقتل ممنهج، فلا نجد فيهم من يسخط أو يشتم المقاومة، بل يبدون كل الدعم لمجاهديهم وكل الرضا بقضاء الله تعالى.
ومن رحم هذه الأهوال وردود الفعل الإيمانية تلك، أبدى مئات المؤثرين حول العالم اهتمامهم بمعرفة الإسلام وقراءة القرآن الكريم، لمعرفة ماهية تلك الثقافة وهذا الإيمان الذي يجعل من هؤلاء البشر بكل هذا القدر من الثبات والصمود، فسبحان الذي يجعل المنح في رحم المحن!
شبهات وردود.. «حماس» خلية إيرانية!
إيران لها علاقات دبلوماسية مع معظم الدول العربية والإسلامية
علاقة «حماس» بإيران سياسية وليست دينية أو مذهبية
المقاومة الفلسطينية تتوافق مع إيران في «مقاومة» الاحتلال
«حماس» اضطرت للتعامل مع إيران حيث تُركت تواجه الإجرام الصهيوني وحدها
مركز معلومات «المجتمع» وإدارة المعرفة
استغل المرجفون على الساحة العربية العلاقة بين حركة «حماس» وإيران، وأشاعوا أن «حماس» ما هي إلا خلية من خلايا النظام الإيراني، وأرادوا من خلال ذلك إنهاء التعاطف الشعبي مع حركة «حماس»؛ بحجة أنها حركة شيعية وليست سُنَّية!
وبما أن هذه الشبهة تنطلق من منطلق شرعي (سُنَّة وشيعة)، فينبغي أن نرد عليها من منطلق شرعي.
قبل الرد على هذه الشبهة، ينبغي أن نؤكد الحقيقة التي يعرفها القاصي والداني؛ وهي أن النظام الإيراني له علاقات دبلوماسية مع معظم الدول العربية والإسلامية.
وعندما نقول علاقات دبلوماسية، فإن هذا يعني أن اتفاقاً تم بين النظام الإيراني وهذه الدول على درجة التمثيل الدبلوماسي الذي يهدف إلى حماية مصالح هذه الدول وضمان مصالح رعاياها، وإجراء المفاوضات التي تقتضيها الظروف وتوثيق العلاقات الدولية والاقتصادية والثقافية بين هذه الدول.
ومعلوم أن هذه البعثات تراقب تطور الأحداث في الدول المستقبلة وتقدّم تقارير دورية عنها، ويكون رئيس البعثة سفيراً أو وزيراً مفوضاً أو قائماً بالأعمال، ويعهد له التواصل مع دولة الاستقبال فيكون ممثلاً شخصياً لرئيس دولته، ولا يتمّ اعتماده إلّا بكتاب اعتماد يقدَّم إلى رئيس الدولة المستقبلة، وتحدد الدولة الموفدة عدد أعضاء البعثة في ضوء إمكانياتها، وعلى نحو يتناسب مع تقديرها لمدى أهمية علاقاتها مع الدولة المستقبلة.
كل هذا تم بين النظام الإيراني ومعظم دول العالم العربي والإسلامي، ثم يأتي بعد ذلك من يدَّعي أن حركة «حماس» خرقت العزلة المفروضة على إيران وأقامت علاقات معها!
لماذا ذهبت «حماس» إلى إيران؟
وللإجابة عن التساؤل، يجب أن نقرر أولاً أن علاقة حركة «حماس» بالنظام الإيراني علاقة سياسية وليست دينية أو مذهبية.
و«حماس» قبلت المساعدة من إيران لأنها متفقة معها في موقفها من الكيان الصهيوني، وهذه العلاقة لا يصح وصفها بأنها «ارتباط» بقدر ما هي تحالف سياسي، وقد لجأت «حماس» لهذا التحالف عندما بدأ الكثير من الأنظمة العربية التي كانت تقف مع الشعب الفلسطيني تطبع مع الاحتلال، والبعض من هذه الأنظمة صنَّف «حماس» على أنها منظمة «إرهابية»، فلم يعد أمام «حماس» إلا أن تتعاون وتتقبل العون من القوى التي تتفق مع منهجية مقاومة الاحتلال.
المقاومة الفلسطينية («حماس» أو غيرها) تتعامل وتتعاون مع نظام إيران على أساس توافق مواقفهم في موضوع «مقاومة الاحتلال»، وليس بين المقاومة ونظام إيران تحالف إستراتيجي، وإيران قبلت أن تقدم الدعم للمقاومة الفلسطينية دون أن تلتزم المقاومة بتقديم أي تنازلات.
إن إثارة هذه الشبهة (علاقة «حماس» والمقاومة الفلسطينية بإيران) بشكل متكرر في الفترة الأخيرة، وخاصة بعد العملية البطولية للمقاومة «طوفان الأقصى»، الهدف من ورائه الطعن في المقاومة والتلميح والغمز بأن المقاومة الفلسطينية تتماهى مع المشاريع التوسعية لإيران في المنطقة.
هذه الأطراف المشككة استغلت التشوه في المفاهيم السياسية في مجتمعاتنا وبلادنا، فالكثيرون اعتادوا على أن تكون التفاهمات السياسية بين أي طرفين سياسيين هي علاقات ارتباط وتبعية، والحقيقة أن هذا صحيح في معظم نماذج التحالفات السياسية في بلادنا العربية.
لكن المقاومة الفلسطينية لديها تجارب طويلة ومريرة مع التحالفات السياسية في بلادنا، وهذا جعلها تتعلم من تجاربها وتطور تجربتها السياسية؛ لذلك أصبحت تبني تحالفاتها على أساس الموقف وليس من خلال التوافق الكامل أو الارتباط أو التبعية؛ بمبدأ «نتعاون فيما اتفقنا فيه، ولكل منا وجهته ورأيه عندما نختلف»، والحقيقة أن هذا هو الأسلوب الناجح في العلاقات السياسية.
لذلك، رغم أن «حماس» والمقاومة الفلسطينية علاقتهم جيدة مع إيران، وهناك تعاون كبير بينهم، فإن هذه العلاقة محصورة فيما هو متفق عليه؛ وهو مقاومة الاحتلال، ولا علاقة للمقاومة بأي نشاط آخر لإيران.
الإسلام يبيح للمضطر:
أما من الناحية الشرعية، فلقد أباح الإسلام للمضطر أن يأكل الميتة، قال تعالى: (إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) (البقرة: 173)، وقد قال السعدي في تفسير هذه الآية: فمن اضطر؛ أي: ألجئ إلى المحرم بجوع أو إكراه، غير باغ؛ أي: غير طالب للمحرم، مع قدرته على الحلال، أو مع عدم جوعه، ولا عاد؛ أي: متجاوز الحد في تناول ما أبيح له اضطراراً، فمن اضطر وهو غير قادر على الحلال، وأكل بقدر الضرورة فلا يزيد عليها، فلا إثم؛ أي: لا جناح عليه، وإذا ارتفع الجناح، رجع الأمر إلى ما كان عليه، والإنسان بهذه الحالة مأمور بالأكل، بل منهيّ أن يُلقي بيده إلى التهلكة وأن يقتل نفسه، فيجب عليه الأكل، ويأثم إن ترك الأكل حتى مات، فيكون قاتلاً لنفسه، وهذه الإباحة والتوسعة من رحمته تعالى بعباده، فلهذا ختمها بهذين الاسمين الكريمين المناسبين غاية المناسبة فقال: (إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ).
وقال ابن كثير في تفسيره: قال مجاهد: فمن اضطر غير باغ ولا عاد قاطعاً للسبيل، أو مفارقاً للأئمة، أو خارجاً في معصية الله، فله الرخصة، ومن خرج باغياً أو عادياً أو في معصية الله فلا رخصة له، وإن اضطر إليه، وكذا روي عن سعيد بن جبير.
وقد أثبتت كتب السيرة قصة عمار بن ياسر رضي الله عنه مع المشركين، وذلك عندما سلط عليه المشركون أشد أنواع التعذيب في مكة، ولم يكن ذلك العذاب له وحده، بل لكل العائلة؛ لأبيه ولأمه، فقد وضعوا الصخر الملتهب على صدره، وضربوه ضرباً شديداً، وقاموا بقتل والديه أمامه، ياسر وزوجته سمية رضي الله عنهما، وطلبوا منه أن يسب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأمام هذا القهر والتعذيب والإكراه الحقيقي، والقتل الفعلي الذي حدث لأعز الناس لديه بعد النبي صلى الله عليه وسلم، وأمام الألم الرهيب الذي كان يحس به في كل ذرة من جسده، قال ما أراده الكفار منه، وسبَّ الرسولَ صلى الله عليه وسلم، سبَّه بلسانه مع أن قلبه لا يُقدِّم عليه أحداً من خلق الله ولا حتى نفسه التي بين جنبيه.
ومع أن الموقف سليم شرعاً، لكنه جاء مسرعاً باكياً معتذراً تائباً بمجرد أن تركه الكفار، فشكى حاله للنبي صلى الله عليه وسلم وهو يبكي ويعتذر إليه مما فعل، وقال له: قد قلت فيك كذا وكذا، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: «كيف تجد قلبك؟»، قال عمار: أجده مطمئناً بالإيمان، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن عادوا فعد»؛ فأنزل الله عز وجل قوله: (مَن كَفَرَ بِاللّهِ مِن بَعْدِ إيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَـكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) (النحل: 106)(1).
وقصة نعيم بن مسعود رضي الله عنه في غزوة «الخندق» معروفة للجميع، حيث أذن له رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يخذّل عن المسلمين بالإيقاع بين المشركين ويهود بني قريظة.
فإذا كانت حركة «حماس» اضطرت اضطراراً للتعامل مع إيران فلها العذر؛ وذلك لأنها تتعامل مع عدو لا يرقب في مؤمن إلًّا ولا ذمة، وقد تخلى عنها من حولها وتركها تواجه هذا الإجرام الصهيوني.
الهامش
(1) كتاب «كن صحابياً»، د. راغب السرجاني (1/ 6).
دور المرأة الفلسطينية في «طوفان الأقصى»
دور المرأة الغزاوية برز في التجهيز والإعداد واكتمل في قدرتها على التحمل والصمود
المرأة الفلسطينية هدف رئيس للاحتلال حيث 70% من الشهداء من النساء والأطفال
أسامة الهتيمي
ربما لا يبدو في الظاهر أي دور للمرأة الغزاوية في العمليات العسكرية التي تقوم بها المقاومة ضد الاحتلال، فجل هذه العمليات يخطط لها ويقوم بها شباب أو رجال دون أن يكون للنساء فيها دور مباشر، فطبيعة الوضع الأمني تحتم على المنخرطين في عمليات المقاومة تلقي تدريبات في غاية الصعوبة والاختباء في أماكن ذات طابع خاص، فضلاً عن التغيب عن المنازل لمدد زمنية غير محددة، وهي كلها أمور يصعب على الغزاويات بمختلف فئاتهن التعاطي معها لظروف وحيثيات كثيرة.
غير أن ذلك لا يعني أنه ليس للفلسطينية نصيب في عمليات المقاومة، فذلك إجحاف لدورها وتجاهل لتضحياتها.
لعل دور المرأة الفلسطينية الداعم لـ«طوفان الأقصى» يبرز على مستويين؛ أولهما يتمثل في مرحلة التجهيز والإعداد، فلم يعد ثمة شك في أن عملية إعداد كوادر المقاومة لا تنحصر فقط في جانبها العسكري من ناحية التدريب على استخدام السلاح والمشاركة في المناورات أو حتى اكتساب القدرة على التخفي وغير ذلك، ولكنه قبل ذلك إعداد تربوي ونفسي.
وقد بدا أنه كان ولم يزل للمرأة الفلسطينية النصيب الأكبر من هذا الدور التربوي والنفسي، فالمعلوم أن أغلب عناصر المقاومة هم من الشباب الذين لا تتجاوز أعمارهم الثلاثين عاماً، الذين ولد أغلبهم وعاشوا في ظل ما يسمى بمؤتمرات واتفاقات «مدريد» (1991م)، و«أوسلو» (1993م)، وكذلك نشأتهم خلال سنوات الحصار المفروض على غزة الذي يعود لنحو 17 عاماً، فضلاً عن معايشتهم للحروب التي شنها الاحتلال على القطاع في أعوام 2008 و2012 و2014 و2021م.
ومع ذلك، فإن هؤلاء لم يتربوا على الخضوع أو الخنوع أو الاستسلام والقبول بالأمر الواقع، فقد رضعوا منذ طفولتهم المبكرة كل معاني الصمود والمقاومة وحب الوطن والاستعداد للفداء والتضحية.
ومن قبل كل ذلك التربية على الالتزام بالصلاة والحرص على حفظ كتاب الله وتعلق القلوب بالمسجد الأقصى حتى وإن لم يروه، وقد عجزوا عن الذهاب إليه والصلاة فيه، وهي كلها سلوكيات ومعانٍ بثتها الأمهات الفلسطينيات في نفوس هؤلاء الأبناء الذين ما أن كبروا وشبوا عن الطوق وأصبحوا شباباً يافعين حتى انخرطوا في المقاومة، يلبون نداء «الأقصى» والوطن، وقد رسخ في نفوسهم التمسك به حتى الموت أو الاستشهاد على ترابه.
وكان يمكن للمرأة الفلسطينية خاصة الأمهات أن تترك لمشاعرها المرهفة أن تتسلل لنفوس المقاومة وعناصرها فتفت في عضدهم وتضعف من حماسهم وتزيدهم تمسكاً بالحياة الدنيا والسعي للنجاة بالنفس حتى ولو كان ذلك على حساب القضية والتفريط في ثوابتها، وهو ما لم تفعله بجهاد ووعي، فكانت طاقة هائلة غير محدودة تدفع أبناء المقاومة للإقبال بلا خوف أو وجل على صنع البطولات تلو البطولات في معارك الكرامة التي لن تتوقف إلا عندما يعود الوطن حراً.
نتائج وتداعيات
وأما المستوى الثاني لدور المرأة الفلسطينية في «طوفان الأقصى» فيتعلق بتداعيات ما بعد العملية، فقد اعتادت المقاومة الفلسطينية على أن يعقب كل عملية عسكرية لاستهداف الاحتلال رد فعل منه؛ الأمر الذي يستلزم الاستعداد النفسي من قبل الظهير الشعبي في غزة للتعامل مع رد الفعل، ومن ثم فإن ذلك الاستعداد جزء مهم من قدرات المقاومة ونجاح عملياتها.
وتجلى دور الفلسطينية الغزاوية في هذه المرحلة في قدراتها على التحمل والصمود الذي اتخذ أشكالاً متعددة يجدر بكل شكل منها أن يكون نبراساً مضيئاً لكل النساء في كل أنحاء المعمورة، فيضيف صفحة جديدة في سجل نضالها المشرف، ويثبت للجميع أن اصطفاءها من قبل الله تعالى لتكون في مقدمة الصفوف لم يكن عبثاً.
فعلى الجانب الإيماني يندر أن نجد امرأة غزاوية يائسة أو غير واثقة بالمقاومة، أكد ذلك جل المقاطع المصورة التي تناقلها ويتناقلها النشطاء كل لحظة على مواقع التواصل، فما أن تعلم الفلسطينية باستشهاد ابنها أو زوجها أو أخيها أو أبيها أو أي أحد من ذويها حتى يعلو صوتها بالحمد، والتأكيد على الرضا بقضاء الله سبحانه، وهو فعل المجاهدين الذين بسلوكهم هذا يبقون روح الحماسة والرغبة في المواصلة.
كذلك ووسط كل هذا الكم من الدمار والتخريب والقصف المتواصل من قبل الاحتلال لم تتخل المرأة الغزاوية عن تدينها أو إظهار تمسكها بحجابها، حتى إذا ما تعرضت للقصف كانت على حجابها سواء في حال نجاتها أو في حال استشهادها.
تضحيات ثمينة
أما فيما يخص التضحيات، فالحديث يطول بلا نهاية، فالمرأة الفلسطينية أضحت هدفاً رئيساً للاحتلال، وهو ما أكده المتحدث باسم «سرايا القدس»، الذراع العسكرية لحركة الجهاد الإسلامي، حينما قال: «إن الاحتلال «الإسرائيلي» عجز عن مواجهة المقاومة؛ فصب غضبه على النساء والأطفال»، وهو ما تدعمه الأرقام؛ فقد بات معلوماً أن أكثر من 70% من شهداء الاعتداءات الصهيونية من النساء والأطفال.
ويكفي أن ننظر إلى ما قدرته الهيئات والمنظمات الدولية بشأن ما تعرضت له المرأة الفلسطينية في غزة، فوفق تقارير صادرة عن الأمم المتحدة، والاتحاد العام للمرأة الفلسطينية، فإن نحو 700 ألف امرأة وطفلة نزحن نتيجة العدوان ولجأن إلى مدارس وكالة غوث وتشغيل اللاجئين (الأونروا) والشوارع والخيام في ظروف صحية وإنسانية صعبة.
وبطبيعة الحال، فقد زادت الاعتداءات الصهيونية من أعداد الأرامل في القطاع، فبحسب بعض التقديرات تسبب العدوان حتى اللحظة في إضافة أكثر من 1000 امرأة أرملة مضطرة لأن تعيل أسرهن بعد وفاة شركائهن الذكور، فتكون معاناة مضاعفة تتحملها فقط المرأة الغزاوية.
وتأتي مأساة الحوامل في غزة فاضحة كاشفة لضمير العالم المزيف، ففي الوقت الذي يجب أن تحظى فيه أي امرأة حامل بالرعاية الصحية في الوقت الذي غاب الحد الأدنى من الحياة الآدمية لنحو 50 ألف غزاوية حامل يفترض أن تضع نحو 5 آلاف منهن أولادهن خلال أسابيع؛ ما اضطر بعضهن لوضع أبنائهن في الشارع وفي الخيام مع غيبة تامة لكل متطلبات الولادة الصحية الآمنة.
وأخيراً، فإن ما سبق لم يكن إلا بعض ملامح من واقع مؤلم تتزاحم صوره ومشاهده التي لم تعد خافية يراه الجميع ويعلمه، غير أن الصمت بات سيد الموقف، لا يهزمه إلا صمود الفلسطينية في غزة الأبية.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل