العنوان ملف العدد (1): المجتمع (2161)
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الاثنين 01-نوفمبر-2021
مشاهدات 94
نشر في العدد 2161
نشر في الصفحة 10
الاثنين 01-نوفمبر-2021
قبل أن تتحول لوسيلة لإفناء الحياة البشرية..
من يحمينا من أخطار «الحروب السيبرانية» الأقل كلفة وأكثر دماراً؟!
الحملاوي: البيان النهائي الأخير لقمة «الناتو» وردت فيه كلمة «سيبراني» 25 مرة
هلال: التحقيقات غالباً ما تصل إلى طريق مسدود لعدم العثور على دليل تقني
حسني: «دليل تالين» حل مؤقت تضمن مجموعة من القوانين المتعلقة بالصراعات الإلكترونية لسد الفراغ القانوني الدولي
نصر: أطراف الحروب السيبرانية يغيب عنهم تماماً البعد الأخلاقي والإنساني في ممارستهم العدوانية
قزامل: على جميع محبي السلام أن يبحثوا عن وسائل للتعاون بينهم للتقليل من أخطار هذه الحروب
إسلام فرحات
رغم سقوط عشرات الملايين من الضحايا في الحرب العالمية الثانية قبل أكثر من 75 عاماً، فإن دعاة الحرب والدمار لم يتوقفوا عن ابتكار أساليب جديدة للدمار، وقادتهم عقولهم الشيطانية منذ نهايات القرن الماضي إلى صراع جديد من خلال «الحروب السيبرانية» أو «الإلكترونية» التي تهدد كل أوجه الحياة على الأرض إذا تم اختراق المنظومة المتحكمة في الرؤوس النووية وأسلحة الدمار الشامل بكل أنواعها لتفني الحياة البشرية أو تحولها إلى جحيم.
من هنا تأتي أهمية هذا التحقيق الذي يلقي الضوء على مخاطر هذه الحروب السيبرانية على البشرية، والضوابط القانونية الدولية التي يمكنها مواجهتها، وكذلك المنظومة الأخلاقية والدينية التي يمكن أن تكون جرس إنذار أخيراً لنجاة السفينة البشرية من الدمار التام.
في البداية، يعرف د. محمد يونس الحملاوى، أستاذ هندسة الحاسبات بجامعة الأزهر، الهجوم أو الحرب السيبرانية بأنها «أي هجوم أو محاولة تستهدف فضح أو تغيير أو تعطيل أو تدمير أو سرقة أو الحصول على وصول غير مصرح به، أو استخدام غير مصرح به للأصول».
وأوضح أن المهاجم قد يكون شخصاً أو دولة أو منظمة أو جماعة أو حتى عصابة أو من مصدر مجهول بقصد الوصول إلى البيانات أو الوظائف أو المناطق المحظورة لدى الخصوم لإلحاق الضرر بهم، ولهذا يؤكد أن الحرب السيبرانية هي أحد أنماط الحروب الإلكترونية، ويتم خلالها استخدام الطاقة الكهرومغناطيسية للتحكم في المجال الذي يتميز باستخدام الإلكترونيات والطيف الكهرومغناطيسي لاستخدام البيانات المتعلقة بالبنية التحتية المعلوماتية لمختلف المجالات الحيوية، خاصة في القطاعات العسكرية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية، لافتاً إلى أن الهجمات الإلكترونية تتراوح بين تثبيت برامج التجسس على أجهزة الكمبيوتر، ومحاولة تدمير البنية التحتية للخصوم.
دفاع سيبراني مشترك
وأشار الحملاوي إلى أن الحرب السيبرانية الإلكترونية تتكون من ثلاثة أنشطة رئيسة تتم عبر الإنترنت؛ أولها: الهجوم الإلكتروني الذي يتم باستخدام الطاقة الكهرومغناطيسية لمهاجمة الأجهزة والمعلومات والإلكترونيات عند العدو، والوصول إلى طيفه الكهرومغناطيسي لتدميره أو السيطرة عليه وتحويره باستخدام البيانات المتعلقة بأنظمة الشبكة والبنى التحتية المرتبطة بها.
وثانيها: الحماية الإلكترونية، وهي كل الوسائل التي يتخذها كل طرف لحماية بياناته والبنى التحتية الإلكترونية لديه من أي اختراق أو تلاعب أو تحكم من الغير.
أما ثالثها فهو دعم الحرب الإلكترونية عن طريق أي إجراء يتم من خلاله تحديد مصدر الطاقة الكهرومغناطيسية من الأنظمة الشبكية لغرض التعرف الفوري على التهديد أو إجراء للعمليات المستقبلية.
ولفت الحملاوي إلى أن مخاوف العالم كبيرة جداً من نتائج الحروب السيبرانية التي تزداد تقنياتها صعوبة وتطوراً في أدوات البرمجيات والتكنولوجيا الحديثة، ولا يفطن كثيرون إلى أن هذه الحرب غير التقليدية أكثر دماراً وأقل تكلفة ودموية؛ لأنها باستطاعتها تدمير أنظمة الإلكترونيات التي أصبحت مخازن لكل المعلومات المتعلقة بكل أوجه الحياة على الأرض؛ بدءاً من محطات المياه، ومصادر الطاقة، والهواتف، ووسائل الاتصالات والمواصلات البرية والجوية والبحرية، والمحطات الإذاعية والتلفزيونية، وكل مكونات الأنظمة المالية.. إلخ.
ويستشهد الحملاوي على أهمية الحروب السيبرانية بأن البيان النهائي الأخير لقمة حلف شمال الأطلسي (ناتو) وردت فيه كلمة «سيبراني» 25 مرة، وقامت الدول الأعضاء في الحلف من مختلف القارات بالتوقيع على سياسة دفاع سيبراني شاملة أو ما يشبه «اتفاقية دفاع سيبراني مشترك»، ليكون بينها تكامل في المعلومات، وكذلك التصدي المشترك لي هجوم سيبراني تتعرض له دولة عضو بالحلف، وهذا فصل جديد من فصول الحرب الباردة التي ستكون نهايتها مفجعة للبشرية جمعاء إذا لم يتم كبح جماح أطراف الحروب السيبرانية التي تزداد اشتعالاً وتطوراً كل يوم.
جيوش إلكترونية
من جهته، حذر د. علي الدين هلال، العميد الأسبق لكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة، من التصاعد الخطير في الحروب السيبرانية الجديدة في الصراع الدولي، خاصة بعد الهجوم السيبراني على مواقع عدد من الوزارات الأمريكية المهمة، في ديسمبر 2020م، التي شملت الدفاع والخارجية والخزانة والتجارة والطاقة والأمن الداخلي، والوكالات الفيدرالية الرسمية ومراكز الأبحاث والمنظمات غير الحكومية، وقبلها التدخل في الانتخابات الأمريكية مما ينذر بتصعيد خطير.
وأشار هلال إلى أن الحروب السيبرانية تعد تحدياً خطيراً يفوق الحروب التقليدية المباشرة التي كانت تتم في الماضي، ويزيد الأمر صعوبة أن التحقيقات حول هذه الانتهاكات والاختراقات الإلكترونية غالباً ما تصل إلى طريق مسدود لعدم العثور على دليل تقني يثبت هوية المتدخل أو شخصيته سواء كان دولة أم منظمة أم عصابة أم حتى أفراداً يجيدون القرصنة الإلكترونية.
وأكد أن ما يشهده العالم في مجال «الحروب السيبرانية» يعد تطوراً سريعاً أشبه ما يكون بسباق التسلح، لكن تقوده «الجيوش الإلكترونية» ليدخل العالم حلقة جديدة من سباق التسلح السيبراني الذي أصبح أحد أهم عناصر قوة الدول المتصارعة التي تسعى إلى تطوير نظم أمن قواعد معلوماتها الإستراتيجية والعسكرية والأمنية.
وأنهى هلال كلامه عن خطورة وأهمية الحروب السيبرانية بما قاله الرئيس الأمريكي «جون بايدن» بأن الولايات المتحدة الأمريكية بحاجة ماسة وضرورية إلى تعطيل وردع خصومها عن القيام بمثل هذه الهجمات السيبرانية التي تهدد الأمن القومي الأمريكي والعالمي.
وعن الضوابط القانونية للحروب السيبرانية، أكد د. أحمد حسني، أستاذ القانون الدولي بجامعة الأزهر، أن هذه الحروب مستحدثة ولا يوجد كثير من النصوص القانونية الدولية المتعلقة بها، إلا أنه من مصلحة كل دول العالم التوافق على نصوص قانونية عامة تضمن الالتزامات الدولية.
وتابع: فمثلاً المادة (36) من البروتوكول الإضافي الأول الصادر عام 1977م، تلزم كل دولة التحقق من امتثال أي أسلحة جديدة تقوم بنشرها أو تدرس مسألة نشرها لقواعد القانون الدولي الإنساني، كما أن وسائل الحرب الآن وأساليبها تطورت كثيراً؛ فلم تعد اتفاقيات جنيف التي تمت صياغتها بعد الحرب العالمية الثانية صالحة في التعامل معها؛ ولهذا كان البحث عن صياغة قانونية دولية للتعامل مع الحروب السيبرانية ضرورة.
وأوضح حسني أن الحل المؤقت لسد الفراغ القانوني الدولي تمثل فيما يسمى بـ»دليل تالين»، الذي صدر منذ سنوات قليلة بعد الحرب الإلكترونية التي تعرضت لها إستونيا من روسيا، ووضعه متخصصون في أمن تكنولوجيا المعلومات وقانونيون وعسكريون، وتضمن مجموعة متميزة من القوانين المتعلقة بالصراعات الإلكترونية.
ومع هذا، يرى حسني أنه غير كاف، ولا بد من البحث عن نصوص أخرى، خاصة أنه من الصعب إخضاع التجسس والحروب السيبرانية لقوانين التجسس والحروب التقليدية، وكيفية حماية الناس في حق الدفاع عن النفس، خاصة إذا كانوا ضحايا.
وطالب أستاذُ القانون الدولي بجامعة الأزهر خبراءَ القانون الدولي باتخاذ خطوات تكميلية لـ»تالين» للتأكيد على دور وأهمية القانون الدولي الإنساني، خاصة أثناء النزاعات المسلحة بكافة أشكالها ومنها الحروب السيبرانية.
وأوضح حسني أن هناك اتفاقيات قانونية إنسانية تمت صياغتها لحماية ضحايا النزاعات المسلحة وكيفية التعامل مع أساليب ووسائل القتال لتكون أكثر إنسانية وأقل وحشية ودموية؛ فمثلاً هناك اتفاقيات لحماية ضحايا الحرب، واتفاقيات أخرى لتقييد وحظر بعض أنواع الأسلحة، وثالثة لحماية الموارد، ورابعة للتحكيم الجنائي الدولي، لكن المشكلة أن هذه الاتفاقيات تغيب عنها تفاصيل الحروب السيبرانية التي يصعب التعامل معها بنفس الاتفاقيات التقليدية.
غياب الأخلاق
من جهته، يؤكد د. خالد نصر، أستاذ العقيدة والفلسفة والأخلاق بجامعة الأزهر، أن هناك شبه اتفاق على الأخلاق في الأديان والأعراف السوية، كما أنه لا يوجد دين أو عرف أو مبادئ أخلاقية تبيح التجسس والضرر بالآخر سواء كان دولة أم أفراداً.
وأشار نصر إلى أن تغلُّب القيم المادية النفعية والأنانية –على مستوى الدول والأفراد– أضر كثيراً بالمنظومة الأخلاقية السابقة؛ بدليل قيام حروب راح ضحيتها عشرات الملايين من البشر الأبرياء الذين لم يكن لهم ناقة ولا جمل في تلك الحروب، والوضع نفسه يتكرر الآن من خلال الحروب السيبرانية التي يقع ضررها الرئيس ليس على الأطراف المتصارعة فقط، بل بقطاع عريض من البشر المدنيين، بل إنها تهدد الحياة البشرية كلها إذا تم اختراق المنظومة الإلكترونية المتحكمة في أسلحة الدمار الشامل والحقائب النووية، فضلاً عن منظومة كل وسائل النقل بما فيها الطائرات والقطارات التي يركبها الملايين من البشر يومياً ويتم التحكم فيها إلكترونياً، وغير ذلك الكثير من الأنظمة المالية العالمية من البنوك وغيرها، حتى يصل الأمر إلى إمكانية اختراق أجهزة التحكم في مياه الشرب للمواطن البسيط.
وأوضح أن أطراف الحروب السيبرانية يغيب عنهم تماماً البعد الأخلاقي والإنساني في ممارستهم العدوانية، بل إنهم يتهربون من المسؤولية القانونية الدولية؛ فما بالنا بالمنظومة الأخلاقية التي تتعلق بالضمير الإنساني الميت لدى هؤلاء الوحوش الآدمية التي تستخدم وسائل «التوحش الإلكتروني» للإضرار بالإنسانية، بل وتهدد كل أوجه الحياة على الأرض؟
وأنهى د. نصر كلامه مؤكداً أن «الأخلاق عنوان الشعوب»؛ ولهذا حثت عليها جميع الرسالات السماوية، ونادى بها الأنبياء والصالحون والمصلحون والفلاسفة في كل العصور؛ لأنها أساس الحضارة الإنسانية، والضابط الأساسي للمعاملة بين البشر.
وعن حكم الشرع في الحروب السيبرانية، يؤكد د. سيف رجب قزامل، العميد السابق لكلية الشريعة والقانون بجامعة الأزهر، أنه رغم عدم وجود نص خاص بتلك المستحدثات، فالإسلام يتضمن قواعد عامة وكلية صالحة لكل زمان ومكان؛ فهذه الحروب تتضمن العدوان والفساد، وقد حرم الله ذلك بنصوص صريحة؛ فقال سبحانه: (وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا) (الأعراف: 56)، وكذلك حرم العدوان بكل صوره، إلا إذا أدى ترك العدوان لضرر أكبر، فيكون الرد بمثله، وما يزيد على ذلك فمحرم شرعاً؛ حيث قال الله تعالى: (وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِينَ) (البقرة: 190).
وأوضح قزامل أن المشاركين في «الحروب السيبرانية» أعداء للتعايش السلمي بين البشر يقودون البشرية إلى الصراع الذي قد يفضي إلى الهلاك والدمار الشامل، ولهذا فإن حسابهم عند الله عسير؛ لأنهم يضرون بخلق الله والكون والموارد الطبيعية.
وأكد قزامل أن على جميع محبي السلام والخير والعدل والمساواة في العالم أن يبحثوا عن وسائل للتعاون فيما بينهم للتقليل من أخطار هذه الحروب السيبرانية التي تعد نذير شؤم للبشرية وليس فيها أي جوانب خير، داعياً إلى تأمل القاعدة التي وضعها الحديث النبوي حيث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً»، فقال رجل: يا رسول الله، أنصره إذا كان مظلوماً، أفرأيت إذا كان ظالماً كيف أنصره؟ قال: «تحجزه أو تمنعه من الظلم فإن ذلك نصره».
مواقع القمار الإلكتروني.. والحروب السيبرانية
مرزوق فليج الحربي
نائب رئيس التحرير
في هذا العدد، تناولنا موضوع الحروب السيبرانية كملف للعدد، وتطرقنا لحقيقتها ومدى خطورتها وأين مواقعها وتدار بين من ومن.. والحروب السيبرانية حروب تستخدم فيها التكنولوجيا والأقمار الصناعية، ومن الممكن أن تبعد الحرب عن أرض الصراع آلاف الأميال وخسائرها تكون كبيرة؛ سياسية واقتصادية، ومن يديرها لا يتكلف ترسانة أسلحة ولا جيوشاً، وتستطيع أن تغير الخرائط والقرارات بضغطة زر!
وعلى جانب آخر، هناك حرب على نفس نمط الحروب السيبرانية، ولكنها حروب ضد الأخلاق وضد القيم وضد الفطرة، وتعتبر أخطر من الحروب السيبرانية؛ فهي تهدم الإنسان من الداخل، تهدم قيمه وأخلاقياته، وتحوله إلى إنسان سلبي لا يُعتمد عليه، وأخطر من هذا يصبح مهدداً لاستقرار الأسرة وقيم المجتمع، وفي النهاية يدخل دائرة الإجرام.
وبدأت هذه الحروب بمواقع التعارف بين الجنسين ودون ضوابط ومواقع لنشر الجنس والشذوذ الجنسي والدفاع عن الشواذ والترويج للفكر الإلحادي.
واليوم تطل علينا هذه الحرب بمفسدة جديدة ربما كانت موجودة من قبل ولكن تم التسويق لها، بعد تحويرها، بحيث تخرجها عن سياقها الشرعي وتصبح مجرد لعبة إلكترونية، وهي نشر القمار والميسر عن طريق برامج وألعاب يستطيع الشخص أن يشارك في اللعبة بمبلغ بسيط مع مجموعة من اللاعبين، وتصبح هناك مقامرة وفق نمط لعب يعتمد على الفوز والخسارة، والفائز يكسب جميع الأموال.
من بديهيات القول: إن القمار والميسر محرمان بالنص القرآني الواضح (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (المائدة: 90)، بل إن بعض العلماء حرم المراهنة حتى لو كانت بدون أموال، والقمار هو وسيلة للكسب السريع والخسارة السريعة، وأضرار القمار كثيرة؛ منها إضاعة المال وإشاعة البغضاء والعداوة بين المراهنين، ويصل الأمر إلى حالة من الإدمان التي تسمى «القمار القهري أو اضطراب القمار»، وهو يؤدي إلى نشوء رغبة بلعب القمار لا يمكن السيطرة عليها، وبالنهاية يندفع المقامر إلى السرقة أو بيع ممتلكاته والعيش في حالة من الاضطراب والتفكير فقط في لحظة المقامرة، ناهيك عن المشكلات الأسرية والاجتماعية التي يخلقها القمار.
وإن كان القمار في السابق عن طريق لعب الورق وأجهزة كهربائية فيما يسمى بالكازينوهات، فالقمار اليوم بين يدي الشخص وتحت أصابعه عبر أجهزة الهاتف، والكمبيوتر، وعن طريق لعبة حظ بمسمى مباشر أو غير مباشر.
ومواقع الشركات المنتجة لبرامج القمار تسعى لتسويق برامج القمار عبر وسائل دعائية من وضع رصيد مالي في حساب من يحمل اللعبة بجهازه، أو تكثيف الإعلانات عبر مواقع التواصل الاجتماعي وعبر الدعايات الإلكترونية.
وللأسف، انتشرت مواقع وألعاب القمار بالفترة الأخيرة بين الشباب والمراهقين، وأصبح التعامل معها عادياً وكأنها لعبة بمبلغ مالي، ولعل السبب الرئيس في زيادة الإقبال من قِبَل الشباب وغيرهم على لعبة القمار هو عدم معرفتهم بالحكم الشرعي، والنظر للقمار على أنه مجرد لعبة، والأمر الآخر أن البعض ينقصه الوازع الديني والمراقبة والخوف من الله تعالى، فليس لديه مشكلة بحرمة القمار، ويمارسه للتكسب المالي غير المشروع، والأمر الثالث نجاح الشركات المنتجة لألعاب القمار في التسويق لها، وخداع الناس فيها، والأمر الرابع عدم وجود رقابة من أولياء الأمور على أبنائهم، وعدم توجيههم لحسن استخدام الأجهزة الإلكترونية، وتعزيز المراقبة الذاتية.
اليوم، هناك دور كبير للآباء والأمهات والدعاة وجهات الرقابة الإلكترونية في كل دولة، والمؤسسات والجمعيات القيمية في التصدي لهذا الأمر وغيره من الأمور التي تدعو لهدم الأخلاق وإفساد الشباب.. وخلق البدائل لهم، والتوجيه باستمرار للقضاء على هذا التطور السريع في نشر وبث والترويج للبرامج المفسدة للأخلاق والقيم.
ملف العدد
الحرب السيبرانية بين “حماس” والصهاينة فرضت معادلات جديدة بمعركة التحرير
مشتهى:
- السرية التامة أساس العمل والحاضنة الشعبية مهمة لدعم هذه الحرب
- الحرب السيبرانية التي تخوضها «حماس» مع العدو أصابته في مقتل وألحقت به الكثير من الضربات الموجعة
عطا الله:
- «حماس» تمكنت من كشف أرقام هواتف لجنود صهاينة ونشرها ما يعدُّ اختراقاً كبيراً
- الصراع السيبراني يشكل خطراً على عناصر المقاومة بحكم التقدم الصهيوني بتكنولوجيا المعلومات الرقمية
فلسطين المحتلة- محمد سالم:
لا تتوقف الحرب بين حركة المقاومة الإسلامية (حماس) والصهاينة عند الاجتياحات والاغتيالات، وإطلاق الصواريخ والتوغل؛ فثمة معارك شرسة ساحتها الفضاء الإلكتروني، وقد ألحقت «حماس» بالعدو خسائر موجعة لم يعترف بالكثير منها، رغم إعلان «حماس» عن ذلك أكثر من مرة من خلال الوصول لأرقام هواتف وحسابات لضباط وجنود صهاينة.
تخوض «حماس» الصراع السيبراني مع العدو الصهيوني رغم الحصار، وسيطرة الصهاينة على كل الفضاء الإلكتروني الفلسطيني بحكم الاحتلال للأرض وكل مقدرات الشعب الفلسطيني.
وتعليقاً على هذا الأمر، يقول أشرف مشتهى، المختص في التقنية وأمن المعلومات، في تصريحات لـ»المجتمع»: إن القاعدة الأساسية التي تعمل عليها حركة «حماس» من أي جهاز اتصال مستخدم مثل الهواتف والحواسب يجب أن يكون آمناً ومنفصلاً تماماً عن أي اتصال خارجي، مثل شبكات الإنترنت أو أي شبكات عامة، خصوصاً في المهام الخاصة بالمقاومة، فـ»حماس» لها شبكتها الآمنة لا يستخدمها إلا عناصرها وقيادتها، ولا يمكن لعامة الناس الدخول لها، وهي شبكات آمنة خاصة بالمهام القتالية، والحركة تفرض إجراءات أمنية مشددة على جميع عناصرها؛ بحيث تعمل على التقليل من احتمالية تعرض تلك الشبكات لمخاطر، وهناك تعميمات تكون بشكل مستمر للتعريف بالتحديثات الخاصة بالشبكات والحفاظ عليها من الاختراق.
وفيما يتعلق بمتابعة التطور السيبراني الصهيوني من قبل «حماس»، أشار مشتهى إلى أن هذا موجود خصوصاً بعد تعدد ساحات المعارك مع العدو الصهيوني، بالإضافة للمعركة السياسية والاجتماعية والاقتصادية؛ حيث إن هناك معارك سيبرانية، وعمليات هجوم سيبراني، أصبحت تمثل تهديداً كبيراً على الكيان الصهيوني، لافتاً إلى أن «حماس» تتابع عن كثب كل ما هو جديد في هذا الموضوع، وهناك مصادر خاصة لـ»حماس» في هذا الجانب، إضافة إلى أن كثيراً من التقارير التي تصدر من الكيان الصهيوني فيما يتعلق بالوحدات الاستخباراتية والسيبرانية تؤكد ذلك، خصوصاً ما أثير مؤخراً عن الوحدة «8200» التي تتبع قيادة أركان الاحتلال، وكذلك الوحدة «9000»، وهي وحدات متخصصة بمتابعة الحرب السيبرانية ومعرفة أماكن الهجوم ومتابعة ذلك.
وأكد مشتهي أن المقاومة وقدراتها السيبرانية غير معروفة، ولكنها لا تقارن مع مقدرات الاحتلال الهائلة في هذا المجال، خاصة أن الاحتلال الصهيوني يسيطر على الفضاء الإلكتروني الفلسطيني.
وأوضح مشتهى أن «حماس» لا تترك أي جهد في سبيل تطوير قدراتها في المجال السيبراني، وما حدث في الحروب السابقة أعوام 2008، و2012، و2014، و2021م من هجمات إلكترونية سيبرانية من قبل «حماس»، مثل اختراق صفحات ومواقع إلكترونية ومؤسسات صهيونية حساسة خير دليل على ذلك، لافتاً إلى أن «حماس» تمتلك عقولاً نيرة وذكاء شديداً، وهذا باعتراف الصهاينة الذين قالوا: إن من يعملون في المجال السيبراني الفلسطيني يمتلكون مهارات عالية جداً وخارقة.
الحاضنة الشعبية
وحول من يدعم «حماس» وقدراتها السيبرانية المتطورة، بيَّن مشتهى أن الأمور حالياً صعبة في ظل الحصار الصهيوني المشدد المفروض على القطاع منذ أكثر من 15 عاماً، والمراقبة الشديدة على شبكة الإنترنت التي بات من الصعب استخدامها، لما لذلك من أخطار ومحاذير سواء من قبل المقاومة أو من يدعمها من الدول المساندة، مشيراً إلى أنه في فترة من الفترات كان عناصر «حماس» يسافرون لدول عربية وإسلامية وصديقة، كانت تقدم لهم الدعم والمساندة والتعليم والتدريب في هذا المجال، ونقل الخبرة لقطاع غزة، وربما ظهرت آثار ذلك خلال الحرب الماضية، من خلال استهداف الاحتلال للعديد من المقرات للمقاومة التي كانت تنفذ هجمات سيبرانية على مؤسسات ومواقع الاحتلال الصهيوني المختلفة.
وأوضح مشتهى أن الحرب السيبرانية حرب خفية، ولا أحد يعرف تفاصيلها ولا نجاحاتها، ولذلك فالسرية التامة هي أساس العمل، والمد والدعم والحاضنة الشعبية مهمة لدعم هذه الحرب السيبرانية، فهذا يرفع من الروح القتالية لدى المقاومة، والداعمون للمقاومة كثر حول العالم.
وأكد مشتهى أن هناك الكثير من المعارك السيبرانية وقعت بين «حماس» والعدو الصهيوني، وباتت معروفة عمليات الاختراق المتبادلة، ولا أحد يفصح عن تفاصيلها ولا الخسائر التي ألحقتها بالمؤسسات الصهيونية نتيجة تلك الحرب، مبيناً أن حركة «حماس» تعرضت للكثير من الهجمات السيبرانية التي أدت في بعض الأحيان لاستشهاد عناصرها وكوادرها.
ولفت مشتهى إلى أن الحرب السيبرانية التي تخوضها «حماس» لها تأثير على الصهاينة، مبيناً أنه في السابق تمكنت الحركة من خلال جيشها الإلكتروني من اختراق الكثير من المواقع الإلكترونية الصهيونية، ومن أبرزها الموقع الخاص بالمتحدث باسم قوات الاحتلال، وعام 2013م تمكنت عناصر من «كتائب عز الدين القسام»، التابعة لحركة «حماس»، من اختراق مواقع صهيونية، واستمرت عمليات الاختراق ولم تتوقف؛ حيث تم عام 2017م اختراق العديد من أجهزة اتصالات ضباط وجنود صهاينة، وتمكنوا من الوصول للكثير من المعلومات والمحادثات، وكذلك تم الوصول للعديد من المجموعات المغلقة على مواقع التواصل الاجتماعي، مؤكداً أنها كانت تستخدم في التوجيهات وإرسال نشرات مختلفة للجنود والضباط الصهاينة.
وبيَّن مشتهى أن الحرب السيبرانية التي تخوضها «حماس» مع العدو أصابته في مقتل، وألحقت به الكثير من الضربات الموجعة، ولم يعترف بالخسائر نتيجة تلك المعارك المستمرة التي سوف تبقى ويتم تطويرها، لافتاً إلى أن المعركة السيبرانية أشد ضرراً على الصهاينة من الصواريخ التي تطلقها المقاومة، وذلك لأثرها الكبير والمدمر على المؤسسات الصهيونية، لأنه لا يمكن ترميم ذلك، حيث إن تلك الحرب شرسة ومجهولة المصدر، ولا تتوقف وهي في تطور مستمر.
أبعاد الحرب السيبرانية
وقد تمكنت حركة «حماس»، وفق اعترافات وسائل إعلام صهيونية، من اختراق العديد من القنوات التلفزيونية، والمواقع الإلكترونية لعدة صحف ومجلات، وبثت فيها رسائل تحذيرية للصهاينة، كما أشارت صحف صهيونية إلى أن حركة «حماس» تمكنت من اختراق ترددات إشارة اللاسلكي التابع لقوات الاحتلال والتجسس عليه، رغم التفوق التكنولوجي الهائل الذي ينفرد به الصهاينة في العالم، والاعتماد بشكل كبير في إدارة المؤسسات والشركات على «الذكاء الاصطناعي».
من جانبه، أكد المختص بالشأن الصهيوني أكرم عطا الله لـ»المجتمع» أن هناك صراعاً سيبرانياً مشتعلاً بين «حماس» والاحتلال الصهيوني؛ حيث يتخذ أشكالاً متعددة عسكرياً ومعلوماتياً، مبيناً أنه في الآونة الأخيرة أصبح الاختراق مستمراً، وسجلت المقاومة العديد من النقاط المهمة في هذا المجال، مبيناً أن الاحتلال الصهيوني يتحكم بالمجال السيبراني بحكم سيطرته على كل مقدرات الشعب الفلسطيني، ومراقبة المعلومات عبر الأقمار الصناعية والأجهزة التكنولوجية فائقة التطور، وقد أحدثت حماس اختراقات في ذلك رغم إمكانيات القوة والسيطرة على المجال الإلكتروني الفلسطيني، الذي يتغذى من الفضاء والشركات الصهيونية.
ولفت عطا الله إلى أن «حماس» تمكنت من كشف أرقام هواتف لجنود صهاينة ونشرها، وهو ما اعتبره الصهاينة حينها يشكل اختراقاً كبيراً، واعترفوا بأن هذا الأمر تكرر أكثر من مرة، وبالتالي، كما يقول عطا الله، هناك قدر من التنافس والحرب السيبرانية بين «حماس» والصهاينة لكنهم لا يعلنون عن ذلك، مشيراً في الوقت ذاته إلى أن «حماس» تعمل بشكل مستمر على خوض هذا الصراع رغم إمكاناتها البسيطة نتيجة الحصار الصهيوني المستمر منذ 15 عاماً؛ حيث تعمل الحركة على مجاراة الحرب السيبرانية مع الاحتلال.
وأكد أن ما يحدث هو ميدان حرب مستمرة غير معلنة، و»حماس» لا تستسلم في هذا المجال وتعمل بكل طاقتها، وقد استفادت بالتأكيد من هذا الصراع السيبراني، وهي حرب أدمغة وعقول وهو صراع نخبوي تعمل عليه فئات نخبوية غاية في السرية تحقق انتصارات كثيرة على الصهاينة في ميادين مختلفة، مستدركاً أن الصراع السيبراني بين المقاومة والاحتلال يشكل خطراً أحياناً على عناصر المقاومة بحكم التقدم الصهيوني الهائل في مجال تكنولوجيا المعلومات الرقمية، وفي مجال إدارة الحواسب بأنواعها المختلفة؛ ما يسهل الوصول إلى مصدر الهجمات السيبرانية وتحديد المكان بدقة، مؤكداً أنه بكل الأحوال فالشعب الفلسطيني يستخدم كل الوسائل رغم التضحيات في سبيل مقاومة هذا الاحتلال لتحرير الأرض والمقدسات.
“حرب سيبرانية باردة” أمريكية صينية بدل حروب الأسلحة التقليدية.. ما أدواتها؟
مَنْ كان يعتقد أن الحرب الباردة قد انتهت بسقوط جدار برلين فعليه متابعة تطورات العلاقات الأمريكية الصينية
«بايدن»: روسيا لاعب ثانوي لواشنطن بالمقارنة مع الصعود المقلق للقوة الصينية
الصين تتفوق على أمريكا بأنظمة «G5” التي أحدثت ثورة بعالم الرقمنة والاستشعار
وزير أمريكي سابق: البيانات وليس الأسلحة المحرك الرئيس للحرب الباردة بين واشنطن وبكين
أمريكا صنفت “هواوي” بين شركات معدات الاتصالات الصينية التي تعتبر تهديداً للأمن القومي
يوسف أحمد
لم يفهم كثير من العرب سر إعلان إدارة الرئيس الأمريكي «جو بايدن» اعتزامها إهمال المنطقة العربية الشرق أوسطية وإسقاطها من اهتمامها، وإعطاء الأولية والتركيز الأمريكي للصين وآسيا، إلا حين بدأت معالم حرب تدور تحت الأرض بين الصين وأمريكا لقيادة العالم.
هذه الحرب التي تشكل نوعاً جديداً من الحرب الباردة التي شهدها العالم بين أمريكا والاتحاد السوفييتي في السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي؛ هي «الحرب السيبرانية» التي تستخدم الوسائل التقنية الحديثة وتكنولوجيا الإنترنت والاتصالات.
من كان يعتقد أن الحرب الباردة قد ولّت وانتهت بسقوط جدار برلين؛ فعليه متابعة تطورات العلاقات الأمريكية الصينية، وصراع النفوذ بين العملاقين وحلفائهما الذي دخل مرحلة اصطفاف جديدة تعترضها مطبات كبرى، أولها اقتصادية.
مبعث القلق الأمريكي هو تفوق الصين على أمريكا في العديد من مكامن القوة التكنولوجية، وتزايد الحديث عن انتقال القوة الاقتصادية من الغرب نحو الشرق، بسبب التحول في هيكل الاقتصاد العالمي لصالح الرقمنة وتفوق الصين فيه.
وعكس المتوقع، فقد سعى الرئيس «بايدن» إلى تغيير الأولويات الإستراتيجية للسياسة الخارجية الأمريكية، وأكد أن روسيا لم تعد منافساً مباشراً لواشنطن، مصنفاً إياها كلاعب ثانوي بالمقارنة مع ما يعتبره صعوداً مقلقاً للقوة الصينية على الصعيد العالمي.
وفي العام الماضي، كتب صندوق النقد الدولي، في ثنايا تقرير له، أن الصين تفوقت على الولايات المتحدة كأكبر اقتصاد عالمي بشكل مؤقت، بسبب تضرر الناتج المحلي الأمريكي، من تبعات جائحة «كورونا»؛ ما جعل الاقتصاد الصيني الأكبر عالمياً.
كما كتب «جيمس ستافريديس»، وهو أميرال بحري متقاعد بالبحرية الأمريكية وقائد عسكري سابق لحلف «الناتو»، في مقالة نشرتها «بلومبيرج»، أن هناك 17 عنصراً نادراً تعد الصين مستخرجاً رئيساً لها، قد تدفع علاقة واشنطن وبكين لمزيد من التوتر، مضيفاً أن هذه العناصر الأرضية النادرة قد تصبح ساحة حرب بين الولايات المتحدة والصين خلال السنوات الأخيرة، إذ تضم الأرض الصينية الواسعة أنواعاً كبيرة من هذه المعادن، وتعد بكين مصدراً شبه وحيد لاستخراجها، وهذه العناصر النادرة، هي: «لانثانوم، سيريوم، براسيوديميوم، نيوديميوم، بروميثيوم، سماريوم، يوروبيوم، جادولينيوم، تيربيوم، ديسبروسيوم، هولميوم، إربيوم، ثوليوم، إيتربيوم، لوتيتيوم، سكانديوم، وإيتريوم».
ورغم أن الكثير من هذه المعادن ليس نادراً من زاوية الرواسب العالمية، فإن استخراجها عملية صعبة وباهظة التكاليف، وتعد الصين رائدة في عملية الاستخراج، وتستخدم تلك المعادن في الصناعات عالية التقنية، بما في ذلك الهواتف الذكية، والطائرات المقاتلة، والمكونات الداخلة في كافة الأجهزة الإلكترونية المتقدمة تقريباً.
وتسيطر الصين على ما يقرب من 80% من سوق العناصر الأرضية النادرة، منها ما تعمل على استخراجه بنفسها، ومنها العمليات الجارية على المواد الخام من أماكن أخرى حول العالم.
وإذا ما قررت الحكومة الصينية الاستعانة بسلاح تقييد الإمدادات من هذه العناصر –الأمر الذي هدَّدت به بكين مراراً وتكراراً من قبل– فمن شأن ذلك أن يخلق تحديات هائلة أمام المصنعين؛ لذلك وصف مسؤولو إدارتي «ترمب» السابقة، و»بايدن» الحالية، الصين بأنها «التحدي الجيوسياسي الأكبر لأمريكا»، ووصفوا القيادة الصينية بأنها «مفترسة».
كما تسبق الصين الولايات المتحدة بأنظمة ترددات الجيل الخامس للإنترنت (5G) التي يُتوقع أن تُحدث ثورة في عالم الرقمنة على إنترنت الأشياء والاستشعار والحواس.
وما تزال الشركات التكنولوجية الأمريكية متأخرة كثيراً عن نظيرتها الصينية في التوصل إلى بناء معدات وأنظمة قادرة على توفير سرعة الإنترنت التي تقدمها الشركات الصينية، وأبرزها “هواوي”؛ لذا تعتبر الصين المورّد الرئيس لتكنولوجيا الجيل الخامس، وكل المواد اللوجستية المتعلقة بهذه التكنولوجيا، وهي تحث زبائنها على اعتماد رؤية للشبكة تقارب رؤيتها.
كما تدعو الصين دول العالم إلى استخدام “السور الرقمي العظيم” الذي تتصدره مجموعة “هواوي”، هذه الشركة التي ما برحت واشنطن تضغط على حلفائها من أجل إقصائها، بحجة تجسس الشركة لحساب بكين.
ومع استمرار توسع مبادرة طريق الحرير والتنامي المطرد للقدرات الاقتصادية والعسكرية والدبلوماسية للصين، فإن التصادم مع القوة الأمريكية مبرمج بالضرورة في عدد من الجبهات حول العالم.
لذلك لم تكن الحرب التجارية التي أعلنها “دونالد ترمب”، ويكملها “بايدن”، مجرد نزوة؛ فقد بات صناع القرار في الولايات المتحدة على وعي تام بالتحدي الإستراتيجي الذي تشكله القوة الصينية بالنسبة للهيمنة الغربية على العالم.
تفاصيل "الحرب الباردة"
في 11 يوليو الماضي، نشر وزير العمل الأمريكي السابق «روبرت رايش» مقالاً بصحيفة «الجارديان»، قال فيه: إن البيانات -وليس الأسلحة- هي المحرك الرئيس للحرب الباردة الناشئة بين الولايات المتحدة والصين، وأضاف أن «الحرب الباردة الناشئة بين بكين وواشنطن لا تتعلق بالأسلحة التقليدية بقدر ما تتعلق بجمع البيانات وتحليلها والاستفادة منها إلى أقصى حد للتغلب على الجانب الآخر، وأن القلق الحقيقي للمشرعين الأمريكيين بشأن شركة «ديدي» الصينية لنقل الركاب، وشركات التكنولوجيا الصينية الأخرى التي تكتسب موطئ قدم مالياً في الولايات المتحدة؛ هو أنهم قد يجمعون كميات كبيرة من البيانات حول الولايات المتحدة».
وفي كتابه «تحول السلطة.. بين العنف والثروة والمعرفة»، قال المفكر الأمريكي «ألفن توفلر»، في تسعينيات القرن الماضي: إن «الصراع الدولي المقبل سيدور حول المعرفة، وستكون مسرحه وميدانه عقول البشر وما تحتويه من معلومات ومعارف»، مشيراً إلى أن «قضايا التكنولوجيا ستحتل مكانة رئيسة في التنافس الدولي»، خصوصاً بين الولايات المتحدة وبقية القوى الكبرى.
ولا تقتصر الحرب السيبرانية على الصين وأمريكا فحسب، فحين التقى الرئيس «جو بايدن» بنظيره الروسي «فلاديمير بوتين»، بقمة جنيف، في يونيو الماضي، كانت الهجمات السيبرانية من أبرز القضايا الخلافية التي أثارها الرئيس الأمريكي، في مؤشر مهم حول تغير طبيعة المواجهة إلى «سيبرانية» بعد انحسار المنافسة العسكرية النووية خلال الحرب الباردة.
وقال «بايدن»: إنه قدم لـ»بوتين» قائمة بأسماء 16 قطاعاً أو صناعة محددة أو بنية تحتية حيوية من قطاع الطاقة إلى شبكات مياه الشرب وغيرها يجب أن تبقى في مأمن من الهجمات السيبرانية، وهدد «بايدن» بأنه إذا استمرت الهجمات ضد الأجهزة الأمريكية الحكومية أو الشركات الخاصة من داخل الأراضي الروسية –من قراصنة حكوميين أو مجرمين عاديين– فإن الولايات المتحدة سوف ترد بالمثل إلكترونياً بـ»هجوم سيبراني».
وفي السنوات الماضية، تعرضت الأجهزة الحكومية الأمريكية، وشركات القطاع الخاص العملاقة، لهجمات إلكترونية فعالة، قامت بها دول، أبرزها الصين ثم روسيا وكوريا الشمالية وإيران، وجميعها كانت أقل تطوراً من الولايات المتحدة في مجال القدرات السيبرانية.
هذه الهجمات طالت وزارة الدفاع، وأجهزة الاستخبارات، وشركات الطيران، وشركات الطاقة، وشركات إلكترونية ضخمة، مثل شركة «سوني» (التي تعرضت لهجوم إلكتروني من قبل كوريا الشمالية لأنها أنتجت ووزعت فيلماً يسخر من زعيم كوريا الشمالية)، أبرز هذه الهجمات التي تعرضت لها الولايات المتحدة من الناحية السياسية هي تلك التي استهدفت الحزب الديموقراطي الأمريكي وشبكة اتصالاته خلال انتخابات الرئاسة في عامي 2016 و2020م.
وضمن هذه الحرب، قررت لجنة الاتصالات الفيدرالية الأمريكية (FCC)، في 27 أكتوبر الماضي، إلغاء الرخصة الممنوحة لشركة “تشاينا تليكوم” للعمل في الولايات المتحدة، مشيرة إلى مخاوف تتعلق بالأمن القومي.
و”تشاينا تيليكوم”، هي واحدة من أكبر شركات الاتصالات الصينية، وحصلت على رخصة لتقديم خدمات الاتصالات منذ نحو 20 عاماً في الولايات المتحدة، وفقاً لـ”رويترز”، وقالت اللجنة: إن الشركة تخضع للاستغلال والتأثير والسيطرة من قبل الحكومة الصينية، وإن ملكية الحكومة الصينية وسيطرتها تثير مخاطر كبيرة على الأمن القومي الأمريكي وإمكانية الوصول إلى الاتصالات الأمريكية وتخزينها وتعطيلها وإساءة توجيهها.
وهذه الشركة تقدم خدمات اتصال عبر الموبايل لأكثر من 4 ملايين أمريكي صيني، ومليوني سائح صيني يزورون الولايات المتحدة سنوياً، و300 ألف طالب صيني في الكليات الأمريكية، وأكثر من 1500 شركة صينية في أمريكا.
أيضاً صنفت أمريكا، في مارس الماضي، “هواوي” بين شركات معدات الاتصالات الصينية التي تعتبر تهديداً للأمن القومي، واعتبرت أن “هواوي” تشكل خطراً غير مقبول على الأمن القومي، على غرار “ZTE”، و”هيتيرا كوميونيكيشنز”، و”هانغتشو هيكفيجن ديجيتال تكنولوجي”، و”داهوا تكنولوجي”.
وقد أصدرت وزارة التجارة الأمريكية، في 20 أكتوبر الماضي، قواعد جديدة وضوابط لتصدير أو إعادة تصدير أو نقل صادرات البرمجيات المستخدمة في المراقبة على المواطنين، وغيرها من أنشطة الأمن السيبراني؛ ما من شأنه أن يغير أشكال المراقبة وأنماط الهجمات التي نراها في الشرق الأوسط، سواء بحجب المواقع الإلكترونية أم الاستهداف المباشر؛ أي تعرقل قدرة حكومات تشتري هذه التقنيات لمراقبة شعوبها، وكذلك تعرقل قدرات جماعات وعصابات تنشط من مناطق غير خاضعة لسلطة مركزية قوية على شنّ هجمات إلكترونية ضد أجهزة حكومية في الدول الغربية، أو شركات عالمية ضخمة؛ يعني أن هذه القدرات الإلكترونية أصبحت السلاح التخريبي الأفضل في أيدي “الضعفاء” بالعالم.
"الناتو" بمواجهة الصين
لم تكتفِ أمريكا في حربها السيبرانية مع الصين بنفسها، لكنها جعلت حلف «الناتو» يصطف معها؛ حيث قال أعضاء حلف شمال الأطلسي، في بيان، في 14 يونيو الماضي: إن «طموحات الصين المعلنة وسلوكها المتواصل تشكّل تحدّيات لأسس النظام الدولي المستند إلى قواعد أمن الحلف».
وفي المقابل، لم يتأخر رد فعل بكين؛ إذ سارعت إلى اتهام دول حلف شمال الأطلسي بنهج عقلية «الحرب الباردة وسياسة التكتل»، على حد تعبير البعثة الصينية لدى الاتحاد الأوروبي في بروكسل، ودعت دول الحلف إلى التوقف عن المبالغة في نظرية التهديد الصيني.
ويذكر أن سبب تدخل «الناتو» في هذا الصراع أن الولايات المتحدة تحتاج إلى شبكة قوية من الحلفاء والشركاء للمساعدة في توفير التوازن مع صعود بكين، كما كان عليه الأمر إبان الحرب الباردة مع المعسكر السوفييتي؛ فالغرب يرى أن الصين تعمل على إعادة تشكيل النظام العالمي بأسلوب من شأنه إلحاق الضرر بالمصالح الحيوية للقوى الغربية، وقد يعزز نموذج الدولة المستبدة ويضر بالديمقراطيات ودورها في العالم.
وكما في الحرب الباردة ضد المعسكر الشيوعي، تبدو الكتلة الأوروبية سواء من حيث ثقلها البشري والعسكري والسياسي الحليف الأقرب الذي يتقاسم مع الولايات المتحدة نفس القيم، في وقت تسعى فيه الصين بدورها لبناء تكتل اجتذبت إليه روسيا وإيران.
وعلى المستوى العسكري، تحول بحر الصين الجنوبي إلى ساحة مواجهة بين واشنطن وبكين؛ حيث تدعي الأخيرة سيادتها البحرية عليه.
ويربط محللون بين البعدين التكنولوجي والعسكري في الإستراتيجية الأمريكية ضد الصين على ضوء الأمر التوجيهي الذي أصدره وزير الدفاع الأمريكي «لويد أوستن» إلى البنتاجون، وطالبهم فيه بتكثيف تركيزهم على الصين.
وينظر الأمريكيون إلى الصين باعتبارها منافساً عسكرياً وتكنولوجياً، وبالنسبة للأوروبيين؛ فإن الصين تمثل سوق نمو ضخمة بالنسبة لشركات الهندسة الميكانيكية والكيميائية والسيارات، وهي حقيقة تبدو أكثر جلاء في زمن ما بعد «كورونا».
ولكي نفهم مدى خطورة هذه الحرب وسر اهتمام أمريكا بها، نشير لما كتبه المفكر الأمريكي الشهير «جوزيف ناي»؛ حيث قال: إن «الخوف من هجوم سيبراني على غرار «بيرل هاربر» (شنّته طائرات يابانية على الأسطول الأمريكي قبالة جزيرة هاواي في المحيط الهادئ قبل نهاية عام 1941م، وبسببه دخلت أمريكا الحرب العالمية الثانية) يهدد العالم».
الآن صُناع السياسات مهمومون باحتمالات من قبيل إقدام «الهاكرز» على تفجير أنابيب النفط، وتلويث إمدادات المياه، وفتح بوابات السدود، وإرسال الطائرات على مسارات تصادم باختراق أنظمة مراقبة الحركة الجوية، وربما شبكات الطاقة الكهربائية وتفعيل أسلحة نووية!
الحرب السيبرانية الأمريكية الإيرانية.. من يصرخ أولاً؟
التطورات الدراماتيكية التي شهدتها المنطقة بالعقدين الأخيرين فتحت ساحات جديدة للاحتكاك بين الطرفين
أمريكا وإيران تعتبران الحرب السيبرانية مقارنة بالتقليدية الخيار الأفضل لهما
التعنت الإيراني بالمفاوضات سيكون دافعاً لأمريكا لتفعيل الحرب السيبرانية لإجبارها على الرضوخ للمطالب الدولية
الهجمات السيبرانية قد تكون الرد المناسب لطهران على خطوات واشنطن تجاهها
الإنترنت اختراع أمريكي وبالتالي فهي من الدول الرائدة في استكشاف القوة السيبرانية وتطوير قدراتها
إيران أعدت هجمات سيبرانية طالت بعض المؤسسات الأمريكية كاستهداف القطاع المالي عام 2012م
أسامة الهتيمي
كاتب صحفي مهتم بالشأن الإيراني
لى الرغم من أن حالة التوتر التي تشهدها العلاقات الأمريكية الإيرانية تعود إلى عام 1979م، حيث تمكنت الثورة الإيرانية التي قادها الخميني من إسقاط نظام الشاه محمد رضا بهلوي، أحد أهم حلفاء واشنطن، وقيام الثوار حينئذ باحتجاز الرهائن الأمريكيين في طهران لمدة 444 يوماً؛ فإنه على مدار أكثر من أربعة عقود مضت لم يتجاوز هذا التوتر في العلاقات الثنائية حد المناوشات، إذ بقي كل من الطرفين حريصاً على ألا يصل بهذا التنافس السياسي بينهما إلى حد الحرب التقليدية الشاملة التي لم تكن آثارها السلبية المتوقعة وزمنها المفتوح السببين الوحيدين لمحاولتهما تفاديها؛ فكلاهما يدرك أيضاً أن اندلاع مثل هذه الحرب يؤثر سلباً على المصالح الإستراتيجية لكل منهما في المنطقة.
التطورات الدراماتيكية التي شهدتها المنطقة في العقدين الأخيرين، خاصة بعد الغزو الأمريكي لأفغانستان عام 2001م، والاحتلال الأمريكي للعراق عام 2003م، ثم اندلاع الثورة السورية عام 2011م، فضلاً عن «عاصفة الحزم» التي شنها التحالف العربي على الحوثيين في مارس 2015م، فتحت جميعها ساحات جديدة للاحتكاك بين الطرفين الأمريكي والإيراني؛ نظراً للتباين الشديد لمصالحهما المتعلقة بهذه الملفات.
الأمر الذي دفع واشنطن ومن خلفها العديد من القوى الدولية والإقليمية للعمل على الحد من القدرات الإيرانية التي بدا واضحاً أنها في تصاعد مستمر، خاصة بعد أن تمكنت بعض أطراف المعارضة الإيرانية من الكشف عن الكثير من تفاصيل البرنامج النووي والتأكيد على أن طهران باتت قريبة من امتلاك القدرة على صنع سلاح نووي؛ الأمر الذي حشد الجهود للتوصل إلى خطة العمل الشاملة المشتركة (الاتفاق النووي)، في يوليو 2015م، التي بموجبها يتم الحد من قدرات إيران النووية، وهو ما لم يتحقق حتى اللحظة؛ ما ضاعف الحاجة الأمريكية للبحث عن حرب بديلة للحرب التقليدية يمكن لواشنطن من خلالها ممارسة الضغط على طهران.
الحرب السيبرانية.. والخيار الأفضل:
بعيداً عن الخلاف بين القانونيين حول اعتبار «عمليات اختراق البنية المعلوماتية لطرف ما، وما يرتبط بها من شبكات وتطبيقات، ومن ثم إلحاق الخلل وتعطيل أو إفساد شبكات الاتصال، وتأثير ذلك على تدفق المعلومات بين وحدات الشبكات التي تعتمد عليها في أداء عملها» هو حرب بالمعنى القانوني أم لا، إلا أن ما تحدثه بالفعل هذه العمليات لا يقل أثراً عن الحرب التقليدية؛ وهو ما دفع كلاً من الولايات المتحدة وإيران إلى اعتبار هذه الحرب السيبرانية التي أول ما بدأ الحديث عنها في أوائل التسعينيات الخيار الأفضل في تعاطيهما بعضهما بعضاً، ولا سيما وأن الحرب السيبرانية تتسم ببعض السمات التي ترجح كفتها في إطار مقارنتها مع الحرب التقليدية التي ربما يقطع اندلاعها شعرة معاوية بين أمريكا ومصالحها الإستراتيجية بالمنطقة، فيما ستكون قاصمة لظهر إيران.
فالحرب السيبرانية بشكل عام غير مكلفة من الناحية المالية لمن يقوم بها، فلا حاجة إلى الجنود والطائرات وحاملاتها والصواريخ والدبابات والغواصات وغيرها من الأسلحة التقليدية؛ فهي لا تحتاج إلا بعض المتخصصين من «الهاكرز» الذين يجلسون على أجهزة الحاسوب مستخدمين عدداً من برامج الاختراق، ومن ثم فهي في غالب الوقت حرب بلا دماء ولا ضحايا بشرية، في حين أنه يمكن أن تكبد الطرف الواقعة عليه خسائر فادحة تقدر بمليارات الدولارات؛ فبمقدورها أن تعطل وسائل الاتصالات والمواصلات والمصارف والبنوك والبورصة والنظام التعليمي والجامعات والمراكز البحثية والمنشآت والمؤسسات الحساسة التحتية وشبكات المياه والغاز ومحطات الكهرباء وغيرها؛ مما يمكن أن يصيب الحياة العامة بالشلل التام، بالإضافة إلى إمكانية التأثير على الانتخابات وعملية التصويت فيها، بل والأخطر تأثيرها على النظم المتعلقة بمنظومة الدفاع والهجوم.
كذلك، فإن هذه الحرب تمنح القائمين عليها القدرة على التخفي؛ فهم غير منظورين أو معروفي الهوية، ومن ثم فإنه من الصعب التعرف عليهم إلا إذا أعلنت جهة بعينها عن مسؤوليتها عن هذه الحرب، في حين أن مجالها الجغرافي غير محدد، فهي يمكن أن تشمل أنحاء متفرقة من البلد المستهدف، بل وميادين شتى؛ ما يجعل نتائجها سريعة.
البرنامج النووي وأشياء أخرى:
ربما لا يمكننا الربط بشكل قاطع بين اندلاع حرب سيبرانية أمريكية إيرانية وانسحاب الرئيس الأمريكي السابق «دونالد ترمب» من الاتفاق النووي، في مايو 2018م، ثم استئناف العقوبات الاقتصادية، في أغسطس من العام نفسه، وما أعقب ذلك من إعلان طهران عن خطوات تخفيض التزامها ببنود الاتفاق النووي، وما تلا ذلك أيضاً من عقد 6 جولات من المفاوضات في فيينا حول عودة واشنطن للاتفاق بعد تولي الرئيس الأمريكي الجديد «جو بايدن» موقعه، انتهت في يونيو الماضي، وفشلت جميعها في تحقيق الهدف؛ فالواقع والأحداث يقولان: إن هذه الحرب السيبرانية وقعت قبل ذلك بسنوات.
في هذا الإطار، فإن غاية ما يمكن الإشارة إليه هو أن التعنت الإيراني في استئناف مفاوضات فيينا، ومواصلة اتخاذ خطوات تخفيض الالتزام بالاتفاق النووي، وعدم التوصل لاتفاق شامل مع وكالة الطاقة الذرية لمراقبة النشاط النووي، والاطلاع على ما تتضمنه كاميرات المراقبة للمنشآت النووية خلال الشهور الماضية؛ سيكون دافعاً قوياً لواشنطن لتفعيل الحرب السيبرانية بغرض إجبار طهران على الرضوخ للمطالب الدولية والتسريع من استئناف مسار فيينا.
ولعل ما يرجح القول بأن واشنطن ستراهن على الحرب السيبرانية خلال المرحلة المقبلة إذا واصلت إيران تعنتها، هو أن العقوبات الاقتصادية لم تعد تحقق جدواها كما كان منتظراً؛ إذ تمكنت إيران طيلة الأربعين عاماً الماضية التي عانت خلال أغلبها من الحصار والعقوبات من أن تكتسب خبرة كبيرة في مواجهة هذه العقوبات عبر ما أطلقت عليه «اقتصاد المقاومة»، كما نجحت في توظيف الاستقطابات الدولية والإقليمية لكي تحدث ثغرات عديدة تمكنها من كسر حدة الحصار والالتفاف على العقوبات.
والدوافع الإيرانية لسلوك نفس الطريق لا تقل أهمية عن دوافع أمريكا، بل ربما تزيد، فالهجمات السيبرانية التي تشنها إيران تتناسب مع حجم القوة الإيرانية التقليدية، حيث البون الشاسع بين القدرات العسكرية الأمريكية والإيرانية لصالح واشنطن بالطبع، وهي القدرات التي إذا استخدمتها فستعرضها للمزيد من العقوبات، فيما يمكن أن تكون هذه الهجمات السيبرانية هي الرد المناسب، بحسب طهران، على الخطوات التي تتخذها واشنطن تجاهها بين الحين والآخر؛ كالثأر مثلاً من عملية اغتيال قائد فيلق القدس الإيراني قاسم سليماني، في يناير 2020م.
القدرات الإلكترونية الأمريكية:
لا يمكن أن يجادل أحد في أن الولايات المتحدة الأمريكية تحتل المرتبة الأولى عالمياً من الناحية التقنية والقدرات السيبرانية؛ فالإنترنت نفسه اختراع أمريكي؛ وبالتالي فإن أمريكا كانت وما زالت من الدول الرائدة في استكشاف القوة السيبرانية وتطوير قدراتها أمام التزايد الحاصل يوماً بعد يوم في عدد الهجمات السيبرانية التي تتعرض لها التي أضحت بالآلاف يومياً؛ الأمر الذي دفع الجيش الأمريكي، عام 2016م، إلى أن يعلن إنشاء قيادة عسكرية جديدة هي «القيادة السيبرانية»؛ لتأمين الفضاء السيبراني لها ولحلفائها، وبالتضامن مع وكالة الأمن القومي الأمريكي.
كما أقرت وزارة الدفاع، بعد ذلك بعامين، إستراتيجية «الفضاء الإلكتروني» التي ترتكز على مبدأ «الدفاع المتقدم»، وأن أفضل وسيلة للدفاع هي إلحاق الهزيمة بالعدو في عقر داره، ليعقب ذلك هجمات سيبرانية ضد البرنامج النووي الإيراني والبرنامج الصاروخي لكوريا الشمالية وهجمات أخرى.
القدرات الإيرانية:
حدثان مهمان كانا مفصليين في سعي إيران لتطوير قدراتها السيبرانية:
الأول: الثورة الخضراء عام 2009م؛ حيث دفع الزخم الشعبي لها النظام والمتطوعين الموالين له إلى اختراق حسابات المواطنين للتجسس عليهم بعد أن أصبحت مواقع التواصل الاجتماعي إحدى أهم وسائل التواصل بينهم ما أكسبها خبرة في عمليات الاختراق.
الثاني: الهجمة السيبرانية التي تعرضت لها منظومات التحكم الخاصة بالبرنامج النووي الإيراني بواسطة فيروس يُدعى «ستوكسنت»، عام 2010م، لتسارع إيران للقيام ببناء وحدات دفاع سيبرانية تضم آلاف المتطوعين من مختلف الأعمار؛ وذلك لحماية البنية التحتية للبلاد، وشن هجمات سيبرانية ضد دول بعينها، وإنشاء المجلس السيبراني الأعلى، عام 2012م، لرسم سياسة إيران في المجال السيبراني والتنسيق مع مختلف الأجهزة والوحدات السيبرانية.
ورغم أن إيران تأتي في الترتيب من ناحية القدرات السيبرانية بعد عدة دول، منها روسيا والصين وكوريا الشمالية، فإن أمريكا نفسها أقرت بقدراتها؛ ففي بيان صدر من الداخلية الأمريكية بعد مقتل سليماني، حذرت فيه من هجمات سيبرانية قد ينفذها خبراء قرصنة إيرانيون أو من حلفاء إيران، مؤكدة أن إيران تمتلك برامج رقمية بوسعها تنفيذ هجمات من هذا النوع.
هجمات سيبرانية متبادلة:
لعل نظرة سريعة على تاريخ الهجمات السيبرانية المتبادلة بين أمريكا وإيران يكشف أن كليهما وجد بغيته في هذه الهجمات؛ فكلاهما يعدها ورقة مهمة للضغط على الآخر، إما لتقوية موقفه التفاوضي بشأن العديد من الملفات التي تحظى باهتمام مشترك، وإما للرد على سلوك صدر من أحدهما تجاه الآخر هنا أو هناك واستلزم حفظ ماء الوجه رداً عليه.
ويبرز من بين الهجمات الأمريكية التي تعرضت لها طهران تلك الهجمة التي شنتها واشنطن منذ أكثر من 14 عاماً في حملة سرية تسمى «الألعاب الأولمبية» ضد منشآت التخصيب النووي، وكذلك الهجمة التي تمت عبر فيروس «Stuxnet”، عام 2010م، وسببت ضرراً بمنشأة نطنز.
وفي إبريل 2011م، اكتشفت وكالة الدفاع الإلكتروني الإيرانية فيروساً يطلق عليه “نجوم”، صمم للتسلل إلى منشآتها النووية وإتلافها، فيما أقرت، في مايو 2012م، بأن فيروساً أطلق عليه اسم «Flame» أصاب أجهزة الكمبيوتر الحكومية وسرق البيانات.
كما ادعى رئيس وكالة الدفاع المدني الإيرانية، في أكتوبر 2018م، أن إيران تمكنت من تحييد جيل جديد من “ستيكس نت” في محاولة لضرب البنية التحتية للاتصالات، فيما زعمت طهران، في يونيو 2019م، أنها فككت شبكة تجسس إلكترونية تديرها وكالة المخابرات المركزية الأمريكية.
وفي رد من إدارة “ترمب” على قيام إيران بإسقاط طائرة أمريكية بدون طيار، عام 2019م، قامت واشنطن بهجوم إلكتروني على قاعدة بيانات الحرس الثوري المستخدمة للتخطيط لشن هجمات على ناقلات النفط، فيما وجهت ضربة أخرى لإيران في سبتمبر من العام نفسه، بعد أن أطلقت إيران طائرات بلا طيار وصواريخ “كروز” على منشأتين نفطيتين.
في مقابل ذلك، فقد كان لإيران عدة هجمات سيبرانية طالت بعض المؤسسات والمنشآت الأمريكية، يبرز منها الهجوم الذي استهدف القطاع المالي في أمريكا عام 2012م، وكذلك الهجوم على حسابات لعب القمار في مدينة لاس فيجاس عام 2014م، والهجوم على الحسابات الشخصية ومواقع التواصل الاجتماعي لعدد من المسؤولين عام 2015م، والهجوم على بعض خطوط توزيع الغاز والكهرباء لأول مرة في عام 2013م، ثُم تكرر في يوليو 2019م بمدينة نيويورك.
مستقبل الحروب السيبرانية:
ليس من شك في أن الذين وقعت عليهم الحروب السيبرانية يدركون أخطارها وآثارها؛ فبالضغط على عدة «أزرار» يمكن أن تتكبد الدولة المستهدفة خسائر فادحة دون أن تحدث ذلك الصدى الهائل ولا التداعيات الخطيرة المحتملة للحرب التقليدية، غير أنها في الوقت ذاته لا يمكنها أن تحسم صراعاً؛ فهي لا تعدو عن كونها هجمات متفرقة لمدة زمنية محدودة ما يجعل من الحرب التقليدية أمراً وارداً.
ويبقى مع ذلك أن اللجوء للحروب السيبرانية سيكون الخيار المحتمل لدى الكثير من البلدان في إدارة صراعاتها؛ فمهما كانت درجة أي دولة من التقدم العلمي، فإن بمقدورها عبر عدد من المتخصصين أو حتى المتطوعين شن مثل هذه الهجمات؛ فمثل هذه الحرب لا يحتاج إلى أكثر من «هاكرز» و»حاسوب» و»برامج اختراق» يتوافر شراؤها بمنتهى السهولة لتتمكن هذه الدولة من أن تنال من غريمتها.
أما في حالة النموذج الأمريكي الإيراني، فإن المرجح أن تظل الحرب السيبرانية شكلاً من أشكال إدارة صراعهما الذي لا ترغب إحداهما في حسمه، أو مطابقة نهايته على ما يعلنه مسؤول كل بلد حول المراد منه.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل