; صُحبة القرآن الكريم | مجلة المجتمع

العنوان صُحبة القرآن الكريم

الكاتب د. إيمان مغازي الشرقاوي

تاريخ النشر السبت 27-سبتمبر-2008

مشاهدات 67

نشر في العدد 1821

نشر في الصفحة 52

السبت 27-سبتمبر-2008

إنه مأدبة الله الزاخرة بكل الأصناف التي لا مثيل لها، ففيها ما تشتهيه الأنفس وما تريد، يجد كل إنسان على صفحتها بغيته الغني والفقير، القوي والضعيف، الرجل والمرأة الأبيض والأسود، العربي والعجمي، الكاتب والأمي العالم والعامي، ولم لا وهو مأدبة الملك الكريم التي يدعو إليها جميع بني آدم ليتزودوا منها وينتفعوا ويعتصموا بها ويستشفوا وإلا لازمهم الداء العضال وأنهكتهم الأمراض المهلكة.

أرأيت إذا دعيت إلى تلك المادية العامرة بأشهى الزاد المليئة بالخيرات من ملك الملوك العظيم الذي تنحني أمامه جميع الجباه إجلالًا وتعظيمًا، أيكون من حسن الأدب أن ترفض الدعوة أو تخلف الموعد أم تسعى بكل ما أوتيت من جهد لتلبيتها؟

وما الحال لو كانت هذه الدعوة من المنعم الكريم سبحانه الذي جعل موائده ممدودة ليل نهار وطوال العام لكل السائلين والمحتاجين، ومتاحة لكل الطبقات والجنسيات، كل بما يناسبه ويرضيه ويشبع حاجته؟! أفلا تلبي دعوته وتجلس على مأدبته العظيمة بكل أدب ووقار، وسكينة وخضوع، وتذلل وامتنان؟!

إن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعانا لهذه المأدبة الطيبة فقال: «إن هذا القرآن مأدبة الله، فاقبلوا من مأدبته ما استطعتم» (الحاكم).. لكن الناس أمام تلك المأدبة المباركة أصناف عدة، فمن أخذ منها لا يشبع ولا يقنع وكلما تهل وارتشف زاد جوعه، واشتد عطشه، وتجدد شوقه إذ يجد فيها راحة نفسه وشفاء قلبه.. ومن زاهد فيها لا يفقه أهميتها، تأخذ الدنيا بتلابيبه، فهو في شغل شاغل بنفسه وماله وولده، قد ألهته دنياه عن رؤية المعجزة، فخسر بذلك خسرانًا مبينًا.

وبعضهم يأخذ منها ما يوافق هواه ويترك ما فيه شفاءه، فيكون ممن قال الله تعالى فيهم: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ (البقرة: ٨٥)، وهذا لا يتم له الانتفاع، إذ لا بد من أخذ جرعات كاملة من الدواء الشافي الكامن فيها.

وثمة صنف عجيب من البشر لم يؤمن بعد بالمعجزة مع أنه يراها أمامه رأي العين ليل نهارا ولا عجب ..... ﴿بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ (الحج: 46)، فإذا هو يشكك في صلاحية ما عرض فيها، دون وعي أو فهم، ويظن أن فيها ضره لا نفعه، أو أنها لا تصلحه ولا تسعه ويردد ما يردد المرجفون والحاسدون في كل عصر وزمان يحذو حذوهم ليكون كالإمعة يسير حسب التيار مع أي أحد سارا والله تعالى يقول لهذا وأمثاله: ﴿أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ﴾ (البقرة: ١٤٠).

رمضان شهر النور

ولو عادت بنا ذاكرة الوجدان إلى سابق عهدها، واستعادت سالف أيامها حين علا ذكرها، وسطع في الأفق نجمها، لأبصرت النور متمثلاً في كلام الله عز وجل، وعاشت من جديد مع الذكرى الخالدة حين اتصلت الأرض بالسماء مع تنزل كلمات الوحي الخالدات يذكرنا بذلك شهر الصيام المبارك. قال تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ (البقرة: ١٨٥).

ليجتمع في هذا الشهر الكريم ما ليس في غيره من شهور العام، إذ تنزل كلام الله عز وجل في أشرف لياليه وفرض الله علينا صيام نهاره إلى يوم القيامة لترقى النفس مع رقي الزمان إلى أعلى مقام، كما دعانا ربنا إلى التعبد فيه وقيام لياليه ، لتشرف هي الأخرى بتلاوة الآيات البينات كما شرفت من قبل بتنزلها على النبي الخاتم صلى الله عليه وسلم.

وشرع لنا الاعتكاف في عشره الأواخر التي خصت بأعظم ليلة، ليخلو فيها الحبيب بحبيبه، يتلو من آياته المباركات، ويناجي فيها العبد الضعيف مولاه القوي فيتقوى بذكره، ويعز بمعيته، اقتداء بسيد العابدين القائل لنا: «إن هذا القرآن حبل الله، والنور المبين، والشفاء النافع، عصمة لمن تمسك به، ونجاة لمن تبعه، لا يزيغ فيستعتب، ولا يعوج فيقوم، ولا تنقضي عجائبه، ولا يخلق من كثرة الرد، اتلوه فإن الله يأجركم على تلاوته كل حرف عشر حسنات، أما إني لا أقول ﴿الم﴾ حرف، ولكن ألف ولام وميم» (الحاكم).

فرمضان إذًا شهر النور، نزل فيه فأضاء الكون، وبدد الظلام، وأنار القلوب المعتمة، فمحا عنها الكفر والشرك وأزال منها الأسقام، وقد كتب الله تعالى به للنفوس حياتها وحفظها من الهلاك بعد أن أو حلت في مستنقعات الرذائل والفواحش والمنكرات، وكادت تهلك في ظلمات التيه والضلالات، قال تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ (المائدة: 15-16). 

فالنور هو القرآن الكريم الذي أنزل على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم أنار الله به معالم الحق، وهو طريق هداية ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ﴾ أي طرق النجاة ومناهج الاستقامة والسلامة الموصلة إلى الجنة دار السلام، المنزهة عن كل آفة، والمؤمنة من كل مخافة ويخرج به من شاء من ظلمات الكفر والجهالات إلى نور الإسلام والهدايات بإذنه من وتوفيقه وإرادته، فينجيهم من المهالك ويهديهم، ويوضح لهم أبين المسالك ويصرف عنهم المحذور، ويحصل لهم أحب الأمور، وينفي عنهم الضلالة، ويرشدهم إلى أقوم حاله.

القرآن شفاء ورحمة

قال تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾ (الإسراء: 82). قال قتادة: إذا سمعه المؤمن انتفع به وحفظه ووعاه، ﴿وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾، أي لا ينتفع به ولا يحفظه ولا يعيه، فإن الله جعل هذا القرآن شفاءً ورحمةً للمؤمنين.

فالقرآن شفاء إذ يستشفي به من الجهل والضلالة، ويبصر به من العمى، ويذهب ما في القلوب من أمراض من شك ونفاق وشرك وزيغ وميل ويشفي من ذلك كله، وليس هذا إلا لمن آمن به وصدقه واتبعه، فإنه يكون شفاء في حقه. كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ (فصلت: 44). 

واختلف العلماء في كونه شفاء على قولين: أحدهما: أنه شفاء للقلوب بزوال الجهل عنها وإزالة الريب، ولكشف غطاء القلب من مرض الجهل لفهم المعجزات والأمور الدالة على الله تعالى، الثاني: شفاء من الأمراض الظاهرة بالرقى والتعوذ ونحوه.

وقال تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: ﴿مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾ (طه: 2)، أي لا والله ما جعله شقاء ولكن جعله رحمةً ونورًا ودليلا إلى الجنة، رحمة يحصل فيها الإيمان والحكمة وطلب الخير والرغبة فيه، وفيه أيضا تفريج الكروب، وتطهير العيوب، وتكفير الذنوب، مع ما تفضل به تعالى من الثواب في تلاوته.

يحيون ليلهم بالقرآن

وكما نزل القرآن الكريم في شهر رمضان فإن أيامه ولياليه يحييها أيضا القرآن الكريم إذ يتعبد الصائمون بتلاوته، قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ (القدر: 1)، فترى بيوت الله تعالى بالذكر عامرة، فتتنزل الرحمة كما قال صلى الله عليه وسلم: «ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله، يتلون كتاب الله ويتدارسونه فيما بينهم إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده» (مسلم).

وإن تلاوة القرآن الكريم من أهم العبادات التي تميز شهرنا الفضيل، حيث يتضاعف ثواب الأعمال الصالحة، كما يطمع الصائمون في شفاعة القرآن والصيام لهم عند الله يوم القيامة. قال صلى الله عليه وسلم: «الصيام والقرآن يشفعان للعبد، يقول الصيام رب إني منعته الطعام والشراب بالنهار فشفعني فيه، ويقول القرآن: رب منعته النوم بالليل فشفعني فيه، فيشفعان» (أحمد).

وقد كان جبريل عليه السلام يعارض النبي صلى الله عليه وسلم القرآن في رمضان من كل سنة مرة، فلما كان العام الذي توفي فيه عارضه مرتين، وكان السلف الصالح يكثرون من تلاوة القرآن في رمضان عن أي وقت غيره ويتلونه في صلاتهم وغيرها، مكان قتادة، يرحمه الله. يختم القرآن في كل سبع ليال دائمًا، وفي رمضان في كل ثلاث، وفي العشر الأواخر منه في كل ليلة.

وكان مالك - يرحمه الله - إذا دخل رمضان ترك قراءة الحديث ومجالس العلم وأقبل على قراءة القرآن الكريم من المصحف وكان الزهري - يرحمه الله - إذا دخل رمضان يقول: إنما هو تلاوة القرآن وإطعام الطعام وكان إبراهيم النخعي يختم القرآن الكريم في رمضان في كل ثلاث ليال، وفي العشر الأواخر في كل ليلتين، وكان الأسود يقرأ القرآن الكريم كله في ليلتين... فأين أنا وأنت أيها الصائم من هؤلاء الكرام؟! أما أن لنا أن نعمر أوقاتنا بذكر الله عز وجل، وتخشع قلوبنا لكلام ربنا، فنعيش معه تلاوةً وفهمًا وتطبيقًا وعملاً ودعوةً ومنهاجًا وتحكيمًا وقانونًا ودستورًا وشريعةً؟

كن ممن اصطفاهم الله!!

هيا أيها الصائم الكريم: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ﴾ (النحل: 98 )، فالرحمن علمك بفضله، وأنطق لسانك بذكره، والرحمن أيها الناس برحمته إياكم علمكم القرآن قال تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ﴾ (الرحمن: 1-2)، فمن فضله ورحمته أنزله، ويسر حفظه وفهمه على من رحمه، وأنعم بذلك عليكم، إذ بصركم بما فيه رضا ربكم، وعرفكم ما فيه سخطه، لتطيعوه باتباعكم ما يرضيه عنكم، وعملكم بما أمركم به وبتجنبكم ما يسخطه عليكم، فتستوجبوا بذلك جزيل ثوابه وتنجوا من أليم عقابه.

فإذا أردت أيها الصائم أن تكون من هؤلاء فعليك أن تقرأه بتدبر وفهم لتعتبر، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا﴾ (الإسراء: 89)، أي وجهنا القول فيه بكل مثل يجب به الاعتبار من الآيات والعبر والترغيب والترهيب والأوامر والنواهي وأقاصيص الأولين، والجنة والنار والقيامة وكل ذلك يحتاج لمزيد فكر وحسن تدبر ليحصل الانتفاع.

قال تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ (محمد: 24)، وعن خالد بن معدان قال: ما من آدمي إلا وله أربع أعين: عينان في رأسه لدنياه، وما يصلحه من معيشته، وعينان في قلبه لدينه، وما وعد الله من الغيب، فإذا أراد الله بعبد خيرًا أبصرت عيناه اللتان في قلبه، وإذا أراد الله به غير ذلك طمس عليهما، فذلك قوله: ﴿أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾.  

أنصت وتدبر واعمل

ما أقبح أن تجد أناسًا يلغون ويلهون ويتسامرون، وآيات الله تعالى تتلى على مسامعهم، فما أقبح هذا الصنيع منهم وقد قال الله تعالى لنا موجهًا وآمرًا: ﴿ وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (الأعراف: 204)، وقال تعالى: ﴿ لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (الحشر: 21 ).

فإذا كان الجبل في غلظته وقساوته لو فهم هذا القرآن فتدبر ما فيه لخشع وتصدع من خوف الله عز وجل، فكيف يليق بنا ونحن بشر ألا تلين قلوبنا وتخشع وتتصدع من خشية الله، وقد فهمنا عن الله أمره وتدبرنا كتابه.

والاستماع إلى القرآن الكريم عظيم الثواب، وكثير الأجر، وهذه بشارة سارة لنا وخاصة لمن لم ينل حظه من علم القراءة والكتابة، فله أن يستمع للقرآن ولا يحرم نفسه من الأجر، ولا يتعلل بأنه أمي، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من استمع إلى آية من كتاب الله كتبت له حسنة مضاعفة ومن تلاها كانت له نورًا يوم القيامة» (أحمد) ..

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 16

1041

الثلاثاء 30-يونيو-1970

لقلبك وعقلك - العدد 16

نشر في العدد 32

129

الثلاثاء 20-أكتوبر-1970

الجهاد ماض إلى يوم القيامة