; ضرورة العدل | مجلة المجتمع

العنوان ضرورة العدل

الكاتب د. محمد عمارة

تاريخ النشر الخميس 01-يناير-2015

مشاهدات 75

نشر في العدد 2079

نشر في الصفحة 38

الخميس 01-يناير-2015

فريضة إنسانية وضرورة واجبة للمؤمن أو الكافر..

 

ـ العدل في الإسلام.. فريضة واجبة وليس مجرد حق من الحقوق

ـ ليس باستطاعة المسلم التنازل عن فريضة العدل أو التفريط فيها دون وزر وتأثيم

ـ «العدل» هو «الميزان» الذي أنزله الله سبحانه مع الكتاب لتستقيم شؤون الإنسان

ـ الله سبحانه وتعالى أنبأنا أن هذه الأمانة التي فرض على الإنسان حملها كانت المعيار الذي تميز به على المخلوقات

ـ الرسول (صلى الله عليه وسلم) أخبرنا أن من لم يحكم بالعدل "فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين"

ـ كما حدثنا عن وجوب شمول العدل لكل الميادين.. الولاة في الرعية.. القضاة في الأحكام.. الإنسان في أهل بيته

ـ الإسلام جعل ظلم الإنسان لنفسه جريمة كبرى وظلماً عظيماً

ـ عندما نتأمل الوصايا العشر التي أوصى الله بها الإنسان في القرآن نبصر ميزان العدل معياراً للحل والحرمة

ـ الله سبحانه يعلمنا كراهة الظلم فيخبرنا أنه قد حرمه على نفسه وعلينا التشبه والتأسي والاقتداء

ـ الرسول (ص) يقول: "من أعان قومه على ظلم فهو كالبعير المتردي ينزع بذنبه"

ـ الإسلام يوجب على المسلم التصدي للظلم بالمنع والإزالة والتصدي للظلمة بالمقاومة

ـ  وجوب فضح الظالمين وإثارة الأمة ضد جرائمهم ومخازيهم

ـ الإسلام دين سلام ومسالمة.. لكنه يدعو المظلومين إلى العدول عن السلم إذا كانت المواجهة بينهم وبين الظالمين

ـ الظلم حرب معلنة وغير مشروعة يشنها الظالمون ضد الأمة ولابد من مواجهتهم بما يردعهم

ـ  العدل الاجتماعي.. واجب وفريضة وتخلفه يهدم أركان «التعاقد» القائم بين الحاكمين والمحكومين 

بقلم: أ. د. محمد عمارة

 

في الإسلام نجد «قيمة» العدل عالية متألقة، تتصدر كل «القيم» الثوابت التي يدعو إليها الدين.. فهو المقصد الأول للشريعة، وكل السبل التي تكفل تحقيقه هي سبل إسلامية شرعية، حتى لو لم ينص عليها الوحي أو ترد في المأثورات. بل إننا واجدون «العدل» اسماً من أسماء الله الحسنى، وصفة من صفاته سبحانه وتعالى.. وكفى بذلك دليلاً على المكان الأرفع للعدل في فكر الإسلام.

والعدل، في العرف الإسلامي، ضد «الجور والظلم» وهو يعني جُماع مزاج الإسلام وخاصية حضارته، أي الوسطية والتوازن، المدرك بالبصيرة، والذي يحقق إنصاف بإعطاء كل إنسان ما له وأخذ ما عليه منه.. ومن هنا كان حديث الرسول صلى الله عليه وسلم، الذي عرف به الوسطية بالعدل، والعدل بالوسطية، عندما قال: «الوسطية: العدل، جعلناكم أمة وسطاً». (1)

وإذا كان «العدل» هو «الحق».. فإن مجاوزة «الحق» هي الظلم والجور.. وإذا وقع هذا الظلم في علاقة الإنسان بعقيدة الإلوهية كان كفراً أو شركاً أو نفاقاً {إن الشرك لظلم عظيم} (لقمان: 13).

وإذا وقع هذا التجاوز في علاقة الإنسان بأخيه الإنسان سمي ظلماً {إنما السبيل على الذين يظلمون الناس} (الشورى: 42).. وكذلك تكون تسميته عندما يكون التجاوز للحق واقعاً من الإنسان في حق نفسه وذاته.. {فمنهم ظالم لنفسه} (فاطر: 32)... وإذا كان «الظلم» مفسداً لشؤون الدين والدنيا، فإنه «ظلمات يوم القيامة».(2) كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم .

 

فريضة واجبة

والعدل، في شرعة الإسلام، فريضة واجبة، وليس مجرد «حق» من الحقوق التي باستطاعة صاحبها التنازل عنها إذا هو أراد، أو التفريط فيها دون وزر وتأثيم.. إنه فريضة واجبة، فرضها الله، سبحانه وتعالى، على الكافة دون استثناء.. فرضها على رسوله صلى الله عليه وسلم، وأمره بها... {فلذلك فادع واستقم كما أمرت ولا تتبع أهواءهم وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب وأمرت لأعد.... المصير} (الشورى: 15).

وهو فريضة واجبة على أولياء الأمور، من الولاة والحكام، تجاه الرعية والمتحاكمين.. {إن الله يأمركم ..... بصيرا} (النساء: 58). بل لقد أنبأنا الله، سبحانه وتعالى، أن هذه «الأمانة التي فرض على الإنسان حملها وأداءها، كانت هي المعيار الذي تميز به الإنسان وامتاز على غيره من المخلوقات.. {إن عرضنا الأمانة.. جهولا} (الأحزاب: 72)، ومن المفسرين من قالوا إنها أمانات الأموال والعدل بين الناس!.(3)

وهذا الشمول لفريضة العدل، والعموم لضرورتها، يحدثنا عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، عندما يدعو الآباء إلى العدل بين أبنائهم.. «اعدلوا بين أبنائكم»(4)... وعندما ينهى الولاة عن غش الرعية.. «ما من عبد يسترعيه الله رعية يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة».(5).. وعندما يحدث الولاة عن تكافؤ «العقد» بينهم وبين رعيتهم.. ويحذرهم من التفريط بما عليهم تجاه الرعية، فيتحدث إلى الرعية عن علاقتهم بالأئمة فيقول: «إن لهم ـ الأئمة ـ عليكم حقاً، ولكم عليهم حقاً مثل ذلك، ما إن استرحموا فرحموا، وإن عاهدوا وفوا، وإن حكموا عدلوا، فمن لم يفعل ذلك منهم فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين»(6).. وعندما يتحدث عن وجوب شمول العدل لكل الميادين.. عدل الولاة في الرعية.. وعدل القضاة في الأحكام.. وعدل الإنسان في أهل بيته ـ الفرد، والأسرة، والمجتمع ـ فيقول صلى الله عليه وسلم : «المقسطون عند الله يوم القيامة على منابر من نور عن يمين الرحمن، عز وجل، وكلتا يديه يمين، الذين يعدلون في حكمهم وما ولوا».(7)

 

جريمة كبرى 

كذلك يستوي، في وجوب العدل، أن يكون تجاه الغير أو حيال النفس.. وهذا ما يزيد المعنى الذي نلح عليه تأكيداً.. فلو كان العدل مجرد «حق» لجاز للإنسان أن يتنازل عن نصيبه منه، ولكان ظلمه لنفسه مما لا يدخل في دائرة الإثم والتجريم.. لكن الإسلام، الذي جعل العدل «فريضة إنسانية ـ واجبة»، قد جعل ظلم الإنسان لنفسه جريمة كبرى وظلماً عظيماً: {إن الذين توفاهم..... غفورا} (النساء: 97 ـ 99). بل إن القرآن الكريم يعلن الرفض لمنطق أولئك الذين ظنوا أن ظلمهم لأنفسهم ـ دون غيرهم ـ لا يدخل في «عمل السوء».. فيذكر، صراحة، أن مصير هؤلاء الظالمين أنفسهم إلى النار... {الذين تتوفاهم الملائكة ظالمي... المتكبرين} (النحل: 28 ـ 29).

بل إن وجوب فريضة العدل الإسلامية على الكافة وعمومها وشمولها، يتعدى بها نطاق «الأولياء» فنجدها واجبة العموم، بصرف النظر عن العقائد والشرائع الدينية التي يتدين بها من لهم الحق فيها، الأمر الذي يجعلها فريضة إنسانية وضرورة بشرية، تجب على الإنسان للإنسان، من حيث هو إنسان!.. فهي فريضة واجبة سواء أكان الأمر تجاه المؤمنين أو الكفار.. تجاه الأصدقاء أو الأعداء... {يا أيها الذين آمنوا كونوا .. بما تعملون} (المائدة: 8)، كذلك، نجدها واجبة حتى لو صادمت «الميل والهوى»، بسبب تناقضها مع المصلحة الذاتية أو مصلحة من يميل إليه الإنسان... {يا أيها.... خبيرا} (النساء: 135).

 

الوصايا العشر

ونحن عندما نتأمل الوصايا العشر التي أوصى الله بها الإنسان، في القرآن الكريم، نبصر ميزان العدل ـ كضرورة وفريضة إنسانية ـ معياراً للحل والحرمة في هذه الوصايا.. يقول الله، سبحانه وتعالى: {قل تعالى اتل ما حرم....... لعلكم تتقون} (الأنعام: 151 - 153).

 

وإذا كان هذا هو شأن «فريضة العدل» في الإسلام.. فلقد كان طبيعياً أن نرى موقفه الواضح ضد الظلم متسماً... هو الأخر بالشمول.. فالعدل واجب على الكافة تجاه الكافة.. ومن ثم كان الظلم حراماً على الجميع إزاء الجميع.. وإذا كان الله سبحانه هو «العدل» المطلق، فلقد شاء الله سبحانه أن يعلمنا أن فعله لما يريد، وكونه لا يُسأل عما يفعل لا يعني جواز الظلم في حقه، حتى ولو كان قاضياً في ملكه، كمالك مطلق ووحيد... ووجدناه، سبحانه، يذهب إلى تعليمنا كراهة الظلم بأن يخبرنا أنه قد حرمه على نفسه، وعلينا التشبه والتأسي والاقتداء، فيقول، في الحديث القدسي: «إني حرمت على نفسي الظلم وعلى عبادي، ألا فلا تظالموا».(8) ويشيع هذا المعنى في القرآن الكريم.. {وما الله يريد ظلماً للعباد} (غافر: 31)، {... وما الله يريد ظلماً للعالمين} (آل عمران: 108)، {وأن الله ليس بظلام للعبيد} (آل عمران: 182)، {إن الله لا يظلم الناس شيئا ولكن الناس أنفسهم يظلمون} (يونس: 44)، {إن الله لا يظلم مثقال ذرة...} (النساء: 40)، {.. ولا يظلم ربك أحداً} (الكهف: 49).

 

بشاعة الظلم

وبعد أن ضرب الله لنا المثل على بشاعة الظلم عندما أخبرنا أنه قد حرمه على نفسه، وأحال وقوع مثقال ذرة من الظلم من قبله سبحانه، نهانا عنه، وحذرنا من اقترافه. فرسول الله صلى الله عليه وسلم ، يقول: «المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يُسلمه...».(9) وعندما مر الرسول، مع صحابته، بمساكن الذين هلكوا، لأنهم اقترفوا الظلم، نبه أصحابه ـ لمزيد تحذيرهم من الظلم ـ كيلا يدخلوا مساكن هؤلاء الظالمين البادئين!...«لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا، إلا أن تكونوا باكين، أن يصيبكم ما أصابهم».(10).. أما القرآن الكريم، فإنه يعلمنا أن عقاب الظالم على ظلمه يهون بجانبه كل شيء في الأرض: {ولو أن لكل نفس..... لا يظلمون} (يونس: 54)، {ولو أن للذين ظلموا.... يحتسبون} (الزمر: 47)، ذلك أن الله قد كتب الهلاك على الظالمين.. {ولقد أهلكنا القرون من قبلكم لما ظلموا...} (يونس: 12)، وحكم بصيرورتهم إلى عذاب النار... {ومن يظلم منكم....... } (الفرقان: 19)، وفي الحديث الشريف: «من اقتطع أرضاً ظالماً لقي الله، عز وجل، يوم القيامة وهو عليه غضبان».(11) 

و«من أعان قومه على ظلم فهو كالبعير المتردي ينزع بذنبه»(12).. إلى آخر صور التحذير والتخويف من الظلم ومصير الظالمين.

 

مقاومة الظلمة

على أن الإسلام لا يقف من الظلم عند هذه الحدود.. حدود التحريم.. والتحذير.. والتخويف.. بل يذهب فيوجب على المسلم التصدي للظلم بالمنع والإزالة ـ كمنكر ـ والتصدي للظلمة بالمقاومة، حتى يتطهر مجتمع الإسلام من دنس الظلم والظالمين.

ـ فالجهر بالسوء، وإعلان السلبيات وكشف ما لا يحسن كشفه، بنظر الإسلام ـ منكر يجب أن يبرأ منه لسان المؤمن وتعف عنه أجهزة إعلامه.. لكن إذا تعلق الأمر بالسوءات والسلبيات والمظالم والجرائم التي يرتكبها الظلمة وأهل الجور، فلا حرمة لهم في هذا المجال.. ففضحهم واجب، وإثارة الأمة ضد جرائمهم ومخازيهم مطلوبة، بنظر الإسلام، {لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم......} (النساء: 148).

والإسلام دين سلام ومسالمة.. لكنه يدعو المظلومين إلى العدول عن السلم إذا كانت المواجهة بينهم وبين الظالمين.. فالظلم حرب معلنة وعدوانية وغير مشروعة يشنها الظالمون ضد الأمة، ومن ثم فلا بد من مواجهتهم بما يردعهم من أساليب المقاومة، ومنها «القتال».. {أذن للذين ......... عزيز} (الحج: 39 ـ 40).

 

الشعراء الثوار

والقرآن الكريم عندما تحدث عن «الشعراء»، كانت إدانته لذلك الفريق الذي سخر شعره لدعم مظالم الجاهلية وفكريتها.. واستثنى من هذه الإدانة وذلك النقد الشعراء الثوار الذين أسهموا بشعرهم في مجابهة المظالم الجاهلية، بدعمهم الروح القتالية للمستضعفين ضد الطغاة: {والشعراء...... ينقلبون} (الشعراء: 224 ـ 227)، فالذين «انتصروا» أي «ثاروا» في وجه الظلم مستثنون من هذه الإدانة التي وجهها القرآن إلى الشعراء.

ـ ولقد أنبأنا رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أن الصراع بين «العدل» وبين «الظلم»، في هذه الحياة الدنيا صراع دائم أبداً.. ومن ثم فلابد من اليقظة لمظاهر الظلم وجرائم الظلمة أنى ظهرت وفي أي مكان نجمت... يقول الرسول صلى الله عليه وسلم : «لا يلبث الجور بعدي إلا قليلاً حتى يطلع، فكلما طلع من الجور شيء ذهب من العدل مثله، حتى يولد في الجور من لا يعرف غيره!... ثم يأتي الله، تبارك وتعالى، بالعدل، فكلما جاء من العدل شيء ذهب من الجور مثله، حتى يولد في العدل من لا يعرف غيره».(13)

 

وفي مجرى هذا الصراع الدائر والدائم رفع الله الحرج عن المظلومين إن هم هبوا لمقاومة الظالمين، فلا سبيل عليهم في ذلك، بل هم مأجورون... فالذين يثورون «ينتصرون» في وجه الظلم ليس عليهم من سبيل.. {ولمن انتصر..... عذاب أليم} (الشورى: 41 ـ 42).

 

وجوب الثورة

ـ بل إن موقف الإسلام من هذه القضية.. قضية «الانتصار» ـ أي الثورة ضد الظلم والظلم يتعدى «الإباحة» و«المشروعية» «إلى التحبيذ»، بل «والإيجاب»! ورسول الله صلى الله عليه وسلم عندما يقول: «إذا رأيتم أمتي تهاب الظالم أن تقول له: إنك أنت ظالم، فقد تُودِّع منهم».(14) فإنه يعلمنا أن التصدي للظلم بالمقاومة هو دليل «الحياة» في الأمة، أما إذا هي عجزت عن ذلك أو أهملته فإنها ستكون عندئذ في عداد الأموات، الذين «تُودِّع منهم»، رغم أنهم يأكلون ويشربون كما يأكل «الأحياء» ويشربون!... ولذلك وجدنا تراث الإسلام مزداناً بالمأثورات التي تحض على مقاومة الظلم ومقاتلة الظلمة والتصدي بالثورة لتغيير مجتمعات الجور والاستبداد.. ووجدنا هذه المأثورات الشريفة تبشر أهل الحق بما أعده الله لهم من رفيع الدرجات لقاء معاناتهم مصاعب هذا الطريق... فـ«من قتل دون ماله مظلوماً فهو شهيد، ومن ظلم من الأرض شبراً طوّقه من سبع أرضين»(15) فشتان ما بين المصيرين الذين أعدهما الله!

هكذا رأى الإسلام في «الظلم» كبيرة ورذيلة اجتماعية، تفوق في آثارها الممتدة الكثير من الفواحش والكبائر التي تقف آثارها عند المقترفين لها.. فأدانه، وحرمه.. وحذر منه.. وأغرى المؤمنين بمقاومته.. حتى وإن سلكوا إلى ذلك سبل العنف والثورة والقتال.. وهكذا رأينا «العدل»، في الإسلام، يتجاوز نطاق «الحق» الإنساني، إلى حيث يصبح «ضرورة» من ضرورات قيام الملك والملكوت، وشرطاً لا غنى عنه لانتظام حياة الإنسان الفرد... وحياة الأسرة.. ومجتمع الأمة والدولة.. وعالم الإنسانية جمعاء.

 

ميزان العدل

لقد نظر الإسلام إلى «العدل» باعتباره «الميزان» الذي أمر الله، سبحانه وتعالى، الكافة أن يقيموه في الكافة وللكافة: الرسول والأمة.. والمؤمنين والكافرين.. الأصدقاء والأعداء!.. فـ«العدل» هو «الميزان» الذي أنزله الله سبحانه مع الكتاب لتستقيم شؤون الإنسان: {الله الذي أنزل الكتاب بالحق والميزان} (الشورى: 17)، {وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط} (الحديد: 25)، وهو أداة «التوازن» في مختلف ميادين الحياة... فـ«الوسط: العدل: {جعلناكم أمة وسطا».(16) العدل خاصيتها، به حياتها الحقيقية، وف يتخلفه موتها ـ كما قال صلى الله عليه وسلم .

 

وحدود هذا «العدل» الإسلامي لا يقف بها الإسلام عند «القانون»، وإنما هو شامل للحياة المادية والاجتماعية.. فكما يجب في «الشرائع» كذلك يجب في «الثروات والأموال»، التي خلقها الله وأودعها ـ بالفيض ـ في الطبيعة فالله هو مصدر الأموال، وهو وحده مالك الرقبة فيها، والإنسان ـ من حيث هو إنسان ـ مستخلف عن الله في هذه الأموال، يستثمرها بالعمل المشروع، ويجوز منها ـ كملكية منفعة ووظيفة اجتماعية ـ ما يحقق كفايته، وفق العرف ودرجة المجتمع وحظه من الرخاء والغنى.. فميزان العدل هنا هو العاصم للإنسان من الهبوط إلى درك «الفقر»، الذي يفقد الإنسان مقومات حريته، ويسلب منه مضمون الانتماء لمجتمعه ووطنه... وهو العاصم، أيضاً لهذا الإنسان من الاستعلاء إلى درجة «الاستغناء»، الذي يركز ثروات الأمة فتكون «دولة بين الأغنياء»، الأمر الذي يغريهم بالطغيان بواسطة سلطان المال.. {كلا إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى} (العلق: 6، 7).

 

منفعة البشرية

إن خالق الثروات والأموال يقول: {والأرض وضعها للأنعام} (الرحمن: 10)، {هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا} (البقرة: 39)، {وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعا منه} (الجاثية: 13).

والإنسان ـ من حيث هو إنسان كجنس وكأمة وليس كفرد أو طبقة ـ مستخلف ووكيل ونائب عن الله في هذه الثروات والأموال: {آمنوا بالله.... كبير} (الحديد: 48)، فإذا كان المال مال الله، فإن جُماع مصادره الأساسية هي لمنفعة مجموع خلق الله!... وكما يروي ابن عباس، وأبو هريرة، وعائشة، رضي الله عنهم، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فـ«المسلمون شركاء في ثلاث: الماء، والكلأ، والنار، وثمنه حرام»، وثلاث لا يمنعن: الماء، والكلأ، والنار».. وعندما سئل الرسول صلى الله عليه وسلم عن «الشيء الذي لا يحل منعه» قال: «الماء، والملح، والنار».(17).

ذلك هو معيار «العدل»، كضرورة إنسانية واجبة، بكتاب الله وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم ، ولقد نعم المسلمون بهذا العدل عندما وضعت فلسفته في التطبيق على عهد النبي ودولة الخلافة الراشدة، فكانت تلك الفترة ـ في تاريخنا ـ بمثابة السابقة الدستورية التي تبلورت فيها فلسفة عدل الإسلام، وذلك يوم أن حكم عمر بن الخطاب فقال: «والذي نفسي بيده ما من أحد إلا له في هذا المال حق، أعطيه أو منعه، وما أحد أحق به من أحد، وما أنا فيه إلا كأحدهم... فالرجل وبلاؤه.. والرجل وقدمه.. والرجل وغناؤه.. والرجل وحاجته.. هو ما لهم يأخذونه ليس هو لعمر ولا لآل عمر».(18) ويوم حكم علي بن أبي طالب فقال: «إن الله فرض في أموال الأغنياء أقوات الفقراء، فما جاع فقير إلا بما منع به غني!... إن الغني في الغربة وطن، والفقر في الوطن غربة.. وإن المقل غريب في بلدته!.. أنتم عباد الله.. والمال مال الله، يقسم بينكم بالسوية، لا فضل فيه لأحد على أحد».(19)

وأيضاً عندما حكم خامس الخلفاء الراشدين عمر بن عبدالعزيز، فأعاد نصب ميزان العدل، بعد أن اختل، ورد المظالم إلى أهلها.. وأعلن في الناس أن «المال نهر أعظم.. والناس شربهم (أي نصيبهم وماؤهم) فيه سواء»؟!.(20)

 

العدل الاجتماعي

إن «العدل الاجتماعي»: «واجب وفريضة».. وليس مجرد «حق» من «الحقوق».. وتخلف هذا العدل يهدم أركان «التعاقد» القائم بين الحاكمين وبين المحكومين، ويلغي شرعية «السلام» المفترض بين الطبقات الاجتماعية، لأن هذا السلام رهن بـ«تكافل» هذه الطبقات في تحقيق «الضرورات الواجبة» لسائر أعضاء الجسد الاجتماعي ـ الأمة ـ ومن هنا كانت المأثورات الإسلامية الشريفة: «إذا جاع مؤمن فلا مال لأحد»!.. و«من احتكر طعاماً أربعين ليلة فقد برئ من الله تعالى وبرئ الله تعالى منه، وأيما أهل عرصة(21) أصبح فيهم امرؤ جائع فقد برئت منهم ذمة الله تعالى»!(22)، فمشروعية الحيازة، وحرمة «ملكية المنفعة» في الأموال قائمة كحق من حقوق ذمة الله تعالى.. وتخلف قيام فريضة «العدل الاجتماعي» يرفع حماية «ذمة الله» عن هذه الحيازات. ومن هنا كان عجب أبي ذر الغفاري وتعجبه عندما قال: «عجبت لرجل لا يجد في بيته قوت يومه، كيف لا يخرج على الناس شاهراً سيفه». فالمنطلق.. والإطار هو «وجوب» العدل، السياسي، والقانوني والاجتماعي كفريضة «إلهية ـ إنسانية»، لا النظر إليه كمجرد «حق من الحقوق».

 

الهوامش:

(1) رواه الترمذي وابن حنبل.

(2) رواه البخاري.

(3) القرطبي (الجامع لأحكام القرآن) ج14، ص 254، طبعة دار الكتب المصرية.

(4) رواه البخاري، ومسلم والنسائي وأبو داود وابن حنبل.

(5) رواه الدارمي.

(6) رواه ابن حنبل.

(7) رواه مسلم والنسائي وابن حنبل.

(8) رواه مسلم وابن حنبل.

(9) رواه البخاري.

(10) رواه البخاري ومسلم وابن حنبل.

(11) رواه مسلم وابن حنبل.

(12) رواه ابن حنبل.

(13) رواه ابن حنبل.

(14) رواه ابن حنبل.

(15) رواه البخاري ومسلم والدارمي وابن حنبل.

(16) رواه الترمذي وابن حنبل.

(17) روى هذه الأحاديث ابن حنبل وابن ماجة.

(18) (طبقات ابن سعد) ج3 ق1 ص 215، 216، 219.

(19) (نهج البلاغة) ص 408، 373، 366، طبقة دار الشعب، القاهرة، و(شرح البلاغة)، ابن أب يالحديد، ج7 ص 37، طبعة القاهرة، سنة 1967م.

(20) الأصفهاني (كتاب الأغاني) ج9 ص 3375، طبعة دار الشعب، القاهرة.

(21) العرصة: الساحة.. والفضاء وتتحلقه وتجاوره المساكن.

(22) رواه الإمام أحمد.

 

 

 

 

الرابط المختصر :