; ضرورة تكوين الصفوة المؤمنة المجاهدة لمواجهة كيد الأعداء | مجلة المجتمع

العنوان ضرورة تكوين الصفوة المؤمنة المجاهدة لمواجهة كيد الأعداء

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 06-يونيو-2000

مشاهدات 57

نشر في العدد 1403

نشر في الصفحة 9

الثلاثاء 06-يونيو-2000

قبل أربعة أسابيع، وقبل أن ينفذ العدو الصهيوني انسحابه من جنوب لبنان، كتبنا على هذه الصفحة بعنوان «درس من لبنان» إن الدرس الذي يمكن أن نخرج به من جنوب لبنان أن الاعتماد على الله وحده، ثم التمسك بثوابت الأمة وقوة الإرادة والإقدام على الشهادة دون وجل، والصبر على المكاره يحول الضعف إلى قوة ويحقق النصر، ويجبر العدو مهما كانت قوته وعتاده على إعلان الانسحاب من طرف واحد دون قيد أو شرط.

وقد تحقق الانسحاب الإسرائيلي بفضل الله أولًا، ثم بتوافر عدد من عناصر النصر التي تستحق الإشارة إليها:

لقد تحلى المقاوم اللبناني بعنصري الإيمان والرغبة في الاستشهاد، وهذان العنصران أقوى ما يواجه به العدو، وأخطر ما يخشاه من شعوبنا، وقديمًا قال الفاتح الإسلامي: «جئناكم بقوم يحبون الموت كما تحبون الحياة»، وتلك رسالة إلى الذين يحاولون تجفيف منابع الإسلام لصناعة إنسان هش أجوف لا يقدر على شيء.. فمن الذي يمكن أن يحمي ويضحي إذا توارى الإيمان وغابت الرغبة في الشهادة؟ كيف نتخلى عن أمضى أسلحتنا في مواجهة عدونا؟ إن المفارقة تبدو واضحة حين نقارن بين المقاومة اللبنانية التي صمدت وضحت وتحملت طوال عقدين من الزمان، وبين جيش العملاء الذي اصطنعته إسرائيل في جنوب لبنان وغذته بكل ما يلزمه من مال وعتاد وعولت عليه أن يحمي منطقة الحدود بين لبنان وفلسطين المحتلة، ولكنه لم يلبث أن انهار بين عشية وضحاها حتى قبل أن يتم العدو الإسرائيلي انسحابه من جنوب لبنان.

لقد شبهت صحيفة هاآرتس الإسرائيلية ما حدث في جنوب لبنان بما حدث في سايجون عاصمة فيتنام الجنوبية عام ١٩٧٥م.

حين تخلى الأمريكيون عن الفيتناميين الجنوبيين، فلم تلبث عاصمتهم أن سقطت بأيدي الشماليين، وما حدث من انهيار في ألمانيا الشرقية عام ۱۹۸۹م بعد أن امتنع السوفييت عن دعم حكومة برلين الشرقية، وبدأ عشرات الآلاف من الألمان الشرقيين يهربون باتجاه الغرب.

إن الانهيار الذي حدث في جنوب لبنان لا ينطبق على جيش لبنان الجنوبي فحسب، بل إننا نرى أنه سيصيب الكيان الصهيوني ذاته، وسيقع انهياره -إن شاء الله- مهما تصور البعض أن ذلك مستحيل أو صعب الحصول- ونذكر هؤلاء بما حدث للاتحاد السوفييتي ودول أوروبا الشرقية الشيوعية، وهل كان يتصور أحد أن تنهار إحدى القوتين الكبريين في العالم بتلك السرعة؟

لكن هذا الانهيار لن يقع من تلقاء نفسه، فقد وضع الله ناموسًا يحكم الكون وجعل لكل شيء سببًا، إن انهيار الكيان الصهيوني مرتبط بوجود صفوة مؤمنة مجاهدة، وإن من واجب الحكومات المعنية أن تسهم في تكوين هذه الصفوة المؤمنة المجاهدة، لا أن تمنع قيامها بتجفيف منابع التدين وتشويه مفهوم الجهاد، ومحاولة شطبه من قاموس التعامل اليومي أو بالتحالف مع العدو أو مصالحته او مهادنته، وإذا كان بعض الحكومات عاجزًا عن القيام بتلك المهمة، فلا أقل من أن يدع الشعوب تمارس خيار المقاومة الشعبية.. ذلك الخيار المطروح في فلسطين منذ ما قبل قيام الكيان الصهيوني الغاصب، ونعني بذلك ثورة عام ١٩٣٦م، ولا يزال التاريخ يثبت جدواه، شهدت على ذلك مدينة بورسعيد المصرية عام ١٩٥٦م، ومدينة السويس عام ١٩٧٣م، وقد تبنت الحركة الإسلامية ذلك الخيار عامي ١٩٤٨م، و ١٩٥٤م، ولبنت جدواه أيضًا، مما يؤكد أن الرؤية الإسلامية رؤية أصيلة وواعية.

إن أعداء الأمة من الغربيين ومخابراتهم يحرصون على زرع الفتنة بين أبنائها وعلى وجه الخصوص بين الحكام والحركات الإسلامية حتى يكون النسيج الاجتماعي ضعيفًا ممزقًا، وحتى تلجأ الحكومة الضعيفة للقوى الأجنبية لتحتمي بها، بعد أن أصبحت معزولة عن جماهير الأمة.

وقد فرضت على بعض بلدان المنطقة أنظمة حكم انقلابية تبنت خطًا اشتراكيًا مرسومًا لها -وفق ما جاء في بروتوكولات حكماء صهيون- لتكون سياجًا يحمي الكيان الصهيوني، وبدأت تلك الأنظمة بتبني ضرب العناصر الجهادية والقوى الإسلامية الفاعلة التي كان يعول عليها لمواجهة الاحتلال الصهيوني، والتواجد الأجنبي في المنطقة، وقد قامت تلك الحكومات -التي جيء بها لتحقيق أغراض العدو- بالمطلوب، فباشرت القتل والسجن والتعذيب والتشريد، وبذلك عزلت الحكومات عن الشعوب فأصبحت تسعى وراء التطبيع والمصالحة مع العدو.

في لبنان رأينا نموذجًا جد مختلف، فقد سقط نموذج التخويف من الحركات الإسلامية على الرغم من أن حزب الله قد وصل إلى حالة من التسلح العسكري لا تملكها أي جماعة أو حركة إسلامية أخرى، وعلى الرغم من التنوع الديني والمذهبي في لبنان مما يزيد من حساسية الأمر، لكن التفاهم أو التعايش -على الأقل- الذي حدث بين حزب الله وجميع الأطراف اللبنانية منع وقوع مشكلات لا حصر لها، كما أثبت إمكان قيام علاقة بين نظام الحكم والحركة الإسلامية لا تسيطر عليها رغبات الإقصاء والاستبعاد، ولا القهر والاستعباد، وبالتأكيد فإن أي رصيد إيجابي تحققه الحركات الإسلامية فإنه يضاف إلى قوة الدولة وقوة كيانها السياسي ونسيجها الاجتماعي وليس العكس كما يدعي أعداء الإسلام والمحرضون على الفتنة.

بقي أن نشير إلى درس عسى أن يستفيد منه العملاء والخونة، وهو ليس بجديد، فقد تكرر مع عملاء اليهود أنفسهم كما تكرر في التاريخ مع عملاء الاستعمار الغربي، لقد قال أنطوان لحد قائد ما كان يعرف باسم جيش لبنان الجنوبي الذي وظفته إسرائيل لخدمتها في لبنان، قال بعد انهيار جيشه وهروب منتسبيه: لقد جرتنا إسرائيل وراءها كالحيوانات والبهائم، وقبل ذلك تذكر الإسرائيليون لكمال حماد الذي مهد لهم اغتيال الشهيد يحيى عياش مثلما تذكرت لعملائها في الضفة الغربية وغزة الذين واجهوا نقمة الشعب الفلسطيني وقتل منهم العشرات وهرب الباقون ليعيشوا أذلة منبوذين بين اليهود.. وقبل ذلك قال نابليون بونابرت إن أحقر إنسان عرفه هو المعلم يعقوب قائد العملاء النصارى الذين استمالتهم الحملة الفرنسية على مصر ليكونوا عونًا لها على مواطنيهم واضطروا في النهاية للرحيل مع الحملة الغازية.

إنه درس يتكرر عبر التاريخ، فمن يهن عليه دينه وأمته وأرضه فلا يتوقع أن يلقى احترامًا من أحد، وسيستغله الأعداء ثم يلقونه بعد أن تنتهي مهمته القذرة في مزبلة التاريخ.. فلعل الخونة والعملاء الذين يتاجرون بمصائر الأمم والشعوب يجدون في ذلك العظة والعبرة.

الرابط المختصر :