العنوان طارق بن زياد.. القائد المبدع والرائد المسرع
الكاتب أ.د. عبد الرحمن علي الحجي
تاريخ النشر السبت 24-فبراير-2007
مشاهدات 63
نشر في العدد 1740
نشر في الصفحة 66
السبت 24-فبراير-2007
1]كثيرًا ما أتخيل صورًا لأعلامنا، لا سيما الذين تمتد معهم الصحبة -وطارق بن زياد من أوائلهم -مضى على ذلك سنوات، ولو حاولت رسمها لوحة لتمت، ولكني أقدمها بكلمات، تصورته رجلًا مديدًا، قاد جيشه عبر المضيق بملابسه البيضاء وشعره الكستنائي المتدلي تحت العمامة ينظر بعينيه الزرقاوين الثاقبتين إلى الطرف الآخر من المضيق، رافعًا يديه إلى السماء داعيا الله سبحانه وتعالى بالنصر المبين لدعوته وإعلاء راياتها.
طارق بن زياد بربري من قبيلة نفزة، شارك مبكرًا في أعمال الفتح في المغرب الأقصى، يمتلك مهارة ونبلًا وإخلاصًا للإسلام اختاره الأمير موسى بن نصير قائدًا للحامية العسكرية في مدينة طنجة، وكانت سِنُّه نحو ٢٨ عامًا، ثم اختاره قائدًا لحملة الفتح الأندلسي، لما أسلفه من سابقات الجهاد.
أبحر طارق من مدينة سبتة Ceuta بالآلاف السبعة في آخر أفواجه ٥ رجب سنة ٩٢ هـ (۷۱۱م) ، عبر المضيق الذي حمل اسمه «جبل طارق Gibraltar» وإلى ما يشاء الله بجميع اللغات مكافأة دنيوية وما عند الله أبقى.
ولما كان في مياه المضيق أخذته غفوة، رأى فيها رسول الله r في نفر من أصحابه، فبشره بالنصر وأمره بالرفق بالمسلمين والوفاء بالعهد.. بشر أصحابه، فازدادوا ثقة ومضيًّا وعزيمة.
ولما وصل الجبل فوجي بجند القوط عند ساحله، فما عساه يفعل؟ حالًا أضمر فكرة مبدعة،
أصدر أمره بالعودة باتجاه سبتة حتى خيم الظلام، أوقفوا مراكبهم للعودة إلى الجبل والرسو خلفه.. لكن كيف يرتقونه، والقطع عالٍ منحدر عموديًّا؟ تم ذلك بما لديهم من حبال ومجاديف، يسحب أحدهم الآخر !! ولولا أن طارقًا يعرف نوعية جنده، لاستحال تنفيذ الخطة، فهل هؤلاء بحاجة لحرق السفن ليقاتلوا؟ عندها نزل طارق ليلتحق بالذين سبقوه، إعدادا للمرحلة القادمة.
وهؤلاء الذين سبقوه، جرت لهم حروب مع القوط، بقيادة تدمير - أكبر قادتهم وأشهرهم - كلما نزل فوج جديد ينهزم حتى كتب يستنجد ملكهم لذريق Rodrigo، قائلًا: أيها الملك، أدركني فقد حلَّ بأرضنا قوم لا ندري أهم من أهل الأرض أم من أهل السماء !! «نعم، إنهم من أهل الأرض بمنهج السماء... ثم جاء للمسلمين خمسة آلاف مددًا، وتجمع جيش القوط نحو مائة ألف أو أكثر.
زد لهذا التفاوت الروح المعنوية العالية للقوط، جاءوا بعربات تحمل الحبال، لربط أسرى المسلمين، وهذا يدل على قوتهم، وليس على ضعفهم كما يزعم، وإلا فكيف استمرت المعركة ثمانية أيام أو تسعة؟ كان اللقاء - في منطقة شَدُّونَة جنوبا - يوم الأحد ٢٨ رمضان سنة ٩٢هـ (19/7/711م) حتى يوم الأحد التالي، قاتل الفريقان خلالها قتالًا شديدًا وصبرا صبرًا عظيمًا، وأنزل الله تعالى نصره المبين على المسلمين واستشهد منهم ثلاثة آلاف، وقتل من القوط كثير.
فهل يصدق أحد أن أهل هذا التدفق الإيماني، الذي حملهم على تحقيق أسمى الأهداف: نشر دين الله تعالى بحاجة إلى حرق طارق للسفن ليستميتوا، أو يخاطبهم مرغبا بإغرائهم بالبنات الحسان التي تمتلئ بها الجزيرة ؟!
ألا يعني هذا الظلم الكثيف أن طارقًا وجنده جاءوا إلى هذه الجزيرة بدوافع دنيوية فحسب؟ وكيف يمكن أن يقوم طارق بكل ذلك لحساب نفسه لا غير!
لكن طارقًا ينطلق بأكثر الجند المتبقي إلى مدينة إستجة Ecija ليبعث منها سرايا لفتح مدن جانبية متجهًا إلى العاصمة طليطلة Toledo كيلا يترك للقوط مجالًا للتجمع بل لحقهم إلى ما بعدها، وعاد إليها ينتظر الأمير موسى.
فهل يمكن أن يكافئه موسى ضربًا بالسوط أمام جنده البربر أو يهم بقتله؟ فهل هذه سياسة تتحقق بها مثل هذه الإنجازات الفريدة؟!!
لكن من الظلم المكثف: ادعاؤهم قيام طارق بتلك التضحيات ليحقق زواجه من الزهراء -ابنة موسى -حسب اتفاقهما، علمًا بأنه ما كان لموسى مثل هذه البنت المزعومة! ثم انظر الظلم الحقود الأسود، فرخ أن طارقًا سرق ذهبًا.. أليس شر البلية ما يضحك، ولكنه ضحك كالبكاء أو أشد أنواعه!
حين أتم القائدان المجاهدان فتح الشمال، قال طارق لموسى: «أيها الأمير، والله لا أرجع عن قصدي هذا ما لم أنته إلى البحر المحيط وأخوض فيه بفرسي»، وقد برَّ بقسمه ووفي بوعده وخاض البحر، منتهى تلك الوجهة عند مدينة خيخون Gijon على خليج بسكاي Bay of Biscay.
عندها عاد القائدان الكريمان إلى دمشق، أواخر سنة ٩٦هـ حسب أمر الخليفة الوليد، ثم لم نكد نسمع عن طارق بعد ذلك شيئًا، وهنا تتوقف أخباره، وتنتهي هذه الحلقة.