العنوان طراز خاص... من النساء
الكاتب سمية رمضان
تاريخ النشر السبت 16-يناير-2010
مشاهدات 58
نشر في العدد 1885
نشر في الصفحة 52
السبت 16-يناير-2010
- بحثت عن الحب والرومانسية والحياة الخيالية عند زوجها ولكنه كان يوجهها إلى الواقع فتصطدم به وتفتعل معه المشكلات حتى أنطقه الله بآية أخرجتها من غفلتها وصححت لها مسار حياتها.
- تمثلت الحديث النبوي للرجل الذي سقى كلبًا ففعلت مثله فابتل حذاؤها ودخلت المسجد تحتمي به من شدة البرد فالتقت زميلات حلقة القرآن وانجذبت لهن ثم التزمت حفظ كتاب الله.
- علمت طبيبتها بفقرها فأجرت لها كشف « السونار» مجانا .. ولم تعلم أن زوجها وفي نفس التوقيت كان يفك كربة مسافر بدفع أجرته فأدركت أن الحسنة بعشر أمثلها.
اجتمعن في حلقة من حلقات تلاوة وحفظ القرآن الكريم، وبعد أيام فشهور فسنوات من العمل بنشاط ختمن بفضل الله القرآن الكريم، وفي يوم احتفالهن أرادت كل واحدة أن تعرف من أختها قصة مجيئها إلى هذه الحلقة والتحاقها بها.
بدأ سلسبيل الماء يتدفق وأرهفت الأسماع، وتيقظت القلوب، وخفقت.
-أقبلت على حفظ القرآن وإجادة تلاوته وفهمه وترجمت الآيات إلى أقوال وأفعال فانصرفت عن المشكلات التافهة وبدأ زوجها يظهر إعجابه وفرحته بها من سويداء قلبه.
كانت أولى المتحدثات فتاة كان قد تقدم لها شاب طموح، مما يسر له تكاليف الزواج وتم زفافها في وقت وجيز، وهي التي كانت تحلم بفترة الخطبة وما فيها من رومانسية وفترة العقد ما قبل الزواج وما فيها من ود وألفة وحب وتعود، فأرادت أن تعوض كل ذلك بعد زواجها، ولكن هيهات.. هكذا قالت بتنهيدة وصلت للقلوب قبل المسامع، فالأحلام الوردية التي كانت تتمناها عصفت بها رياح المشكلات المتكررة مع زوجها، فهي دومًا في هم وشكوى فزوجها لا يحدثها بأحاديث تلمس مشاعرها كامرأة ولا يأخذها للنزهة ولا يحضر لها الهدايا التي تعبر عن حبه وتذكره لها، فهي في واد وهو في واد آخر. هي تبحث عن الحب والرومانسية والحياة الخيالية، وهو يقذفها إلى الواقع فتصطدم به ودومًا تفتعل معه المشكلات حتى انطقه الله بآية أخرجتها من غفلتها وصححت لها مسار حياتها.
ففي يوم من أيام حياتها، أثارت معه كعادتها مشكلة من لا شيء، وأخذت تعدد له ما يدل على عدم اهتمامه بها، ولا بمعاناتها. و .. و .. و .. فنظر إليها بصمت وقال: حقا صدق ربي فيما قال: ﴿ومن أعرض عن ذكري فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا﴾ (طه:١٢٤)، فطالما تشغلك رغباتك ودنياك فلن تسعدي أبدًا مهما قدمت لك فليس العيب كله عندي، ولكنه يبدأ منك أنت، وأسأله تعالى أن يردك إليه ردًّا كريمًا، لعلك تتلمسين السعادة، قالت: نزلت عليَّ كلماته فكبلت لساني وأطلقت العنان لأفكاري التي رددت الآية في خلجات نفسي فأصبح لها صدى في كل أرجائي ﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكا ﴾(طه:١٢٤)، سبحان الله، هذه الآية تنطبق على حالي تمامًا، فالضيق يحيط بي من كل جانب، وسألت نفسي: متى كان آخر ذكري لله؟ متى كانت نيتي في عمل مرضاة لله ؟
أمسكت القرآن لأبحث عن السورة التي تحتوي على هذه الآية، وبحثت كثيرًا وكأني قد نزلت في بحر لا أعرف بدايته من نهايته.
وتواصل حديثها : وكانت بداية الخير -كل الخير- الذي أراده الله لي ولزوجي؛ فقد بحثت عن صحبة تعينني على حفظ القرآن وإجادة تلاوته مع فهمه، وكذلك برمجة الآيات في أقوالي وأفعالي، بدأ انشغالي بأمور أهم كثيرًا مما كنت أهتم به، وانصرفت المشكلات التافهة عن منزلنا بغير رجعة ولا حسرة عليها ، ولا شوق للقياها، وتغير مجرى الحديث تمامًا، فكان اهتمامي منصبًا على معاني الآيات، واندهاشي الشديد لكثير من المعاني التي كنت أفهمها فهمًا خاطئًا تمامًا قبل ذلك.
رويداً رويداً ارتقت نفسي، والعجيب أن زوجي بدأ من سويداء قلبه يُظهر إعجابه وفرحته بي.
وقالت إحدى المستمعات التي كان يضمهن لقاء مراجعة حفظ القرآن والله يا أختي، كما تقولين كم استشعر بفخر وأنا في طريقي إلى تحصيل العلم الشرعي معكن بل إني أهتف في نفسي: «عقبى لك.. عقبى لك» من مثلك تعبدين إلهًا واحدًا، وتتلقين منهجك من رب السموات والأرض وما بينهما رب المشارق ورب المغارب!!
وأردفت إحداهن قائلة: ولكن هل تشعرين حقا بسعادة مع زوجك الآن، وقد لمست منك أنه لم يتغير بل أنت من تغير؟
ابتسمت لها ابتسامة أنارت وجهها يا رفيقة دربي السعادة ترفرف بالمودة والرحمة التي جعلها سبحانه بين الأزواج، ونحن إما أن نضيعها أو نتنعم بها، وأنا قررت أن أتنعم بها، هذا هو كل ما في الأمر، أردت أن أسعد فأسعدني الله، فقد تحولت نيتي من الأنانية المفرطة في تحقيق مآربي ورغباتي إلى التفاني في الحصول على تحقيق ما يحب الله ويرضى ألم ألتحق بالحلقة وأنتن في الجزء الثالث؟! وها أنا أختم القرآن الكريم، فأنار الله قلبي، وأصبح تركيزي على إيجابيات زوجي ومحاسنه .. وهي كثيرة وتغافلت عن سلبياته .. وهي بحق قليلة، وكان في ذلك النجاة من غواية الشيطان.
حذاء ساقية الكلب
اتجهت الأنظار إلى الأخت الملاصقة للمتحدثة فابتسمت قائلة: إن قصة التحاقي بالحلقة تكتنفها بعض الغرابة؛ فقد مررت بمشكلة، وأخذت تضيق حلقاتها حولي وبدأت أبحث عن مخرج، عن ثغرة تنير لي الطريق، وفي ذروة تفكيري وكنت في الطريق إلى منزلي، لفت نظري مشهد أجبرني على التوقف أمامه براد ماء «كولدير» يتساقط منه الماء قطرة قطرة، وكلب أسفل منه يضع لسانه ليشرب فيفشل ثم يحاول فيفشل تذكرت حديث رسول الله: «في الرجل الذي سقى الكلب شديد العطش»، فبحثت حولي لعلي أجد أي شيء لتتجمع فيه قطرات المياه فيشرب هذا الكلب ولكن بدون جدوى، وكان هذا اليوم قارس البرودة، وبدون وعي خلعت حذائي كما فعل الرجل في الحديث الشريف تمامًا حتى تجمع فيه الماء بعد فترة ليست بالقصيرة، والعجيب في الأمر أن الكلب هدأ وبدأ ينتظر وكأنه يعلم أني أفعل ذلك من أجل خاطره.
وضعت الحذاء أمامه فوضع فمه بداخله ولم يرفع رأسه إلا بعد أن ارتوى تمامًا .
بدأت مشكلتي حذاء مبتل مع هذه البرودة الشديدة، نظرت حولي فرأيت المسجد أمامي فاتجهت إليه مسرعة لعل جدرانه تحميني من لسعات البرد، ولعلي أجد حلا لهذا الحذاء المبتل، دخلتُ مع تلاوة إحداكن لآيات القرآن الكريم فانجذبت إليكن وجلست في الحلقة كأني واحدة منكن وكنت كأنني «خرزة» في عقدكن، حاولت ألا ينفك العقد من طرفي، قلن جميعا وكنت نعم الخرزة أنت واستطردت قائلة: لن أطيل عليكن، فقد أنعم الله عليَّ بالصحبة الصالحة وأعانني على ختم القرآن الكريم بل وجدت حلا لمشكلتي التي كانت تؤرقني في ذلك اليوم بحول الله وقوته، لا بحولي وقوتي، وكان الفضل كل الفضل لله وحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي أردت تطبيقه فتناثرت علي خيراته من كل حدب صوب.
جاء دورها في الحديث فقالت باستحياء: ليست لي قصة واضحة المعالم، ولكني كنت أشعر أنه ينقصني الصحبة الصالحة، وأن كثيرًا من وقتي يضيع في غير ما خُلقت له؛ فدعوت ربي بدعاء الضالة، وقد كنت أشعر بقربي من المولى عند ترديده:
اللهم يا جامع الناس ليوم لا ريب فيه اجمعني على ضالتي.
وهكذا جمعني سبحانه بكن فقد سمعت عن هذه الحلقة فهرولت بالحضور إليها والانتظام فيها .
الحسنة بعشر أمثالها
تنهدت من اتجهت إليها الأنظار للتحدث فقالت: بعد زواجي بفترة بسيطة ترك زوجي عمله، وبدأت أحوالنا المادية تتدهور، وأكرمني الله بحمل لا ندري من أين نأتي بمؤونته وفي الشهر الأخير للحمل اتجهت إلى الطبيبة للاطمئنان على أن كل شيء على ما يرام، فطلبت مني عمل «سونار» فاعتذرت فأكدت أن «السونار» مهم للاطمئنان على وضع الجنين فأكدت اعتذاري، فقالت لها صديقتي وكانت في صحبتي: إن زوجها لا يعمل واعتذارها غلافه ضيق ذات اليد، فأصرّت الطبيبة على عمل «السونار» وتطوعت بكلفته مؤكدة أنها هدية لأختها في الله، سرني هذا الموقف منها خاصة أننا في زمن مادي، ويسميه الكثيرون: «خذ وهات»، وقد طغت المادة على أشياء كثيرة، وأضاعت معاني جميلة.
بعد رجوعي لمنزلي، وقد كنت مازلت أسيرة لجميل الطبيبة رويت لزوجي ما حدث، فقال: سبحان الله في هذا التوقيت تقريبًا كان يركب بجانبي رجل كبير السن ليس لديه مال ليدفع أجرة السيارة، وقد سبب له هذا الكثير من الحرج، وضعت يدي في جيبي فلم أجد سوى جنيهين ونصف الجنيه ثمن تذكرة هذا العجوز، وبسرعة أحضرت له تذكرته ، فشعرت وكأن الرجل قد انتشله هذا التصرف من بئر الحرج العميق وتنفس الصعداء، وشملته الطمأنينة فيما تبقى له من المسير وهنا توقفت؛ فإن ما تطوعت به الطبيبة يساوي خمسة وعشرين جنيها، وكأن الله قد ضاعفها لزوجي عشر مرات في نفس اليوم، بل يمكن أن يكون نفس اللحظة رددت قول الله بصوت مسموع: ﴿وَمَا أَنفَقْتُم مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرّازِقِينَ ﴾ (سبأ: ٣٩) صدقًا وحقًا يا رب العزة.
وقررت أن أحفظ هذه الكلمات العظيمة التي نلمسها في حياتنا وتراها أعيننا وتسمعها آذاننا أن وعد الله حق، وأخذتُ أسأل وأبحث حتى أصبحت بجواركن بفضل الله العظيم.
ذات السنوات العشر
حدثت مفاجأة للجميع، فقد كانت إحدى الأمهات تصطحب ابنتها «ياسمين» ذات السنوات العشر؛ حيث انبرت بالحديث: مثلما حدث لي تمامًا ، فقد كان عندي امتحان وبعد أن دخلت اللجنة فوجئت أنني نسيت أوراق إجابة الامتحان ؛ «الورق الفلوسكاب» الذي كان يجب أن يكون في صحبتي، وبدأ الامتحان سريعًا وكل الفتيات وضعن أوراقهن أمامهن وبدأن الإجابة، وأنا لا أملك أن أفعل مثلهن، حيث لا أوراق لدي، بالطبع خفت خوفا شديدًا وتساقطت الدموع من عيني لا أدري ماذا أفعل، وجاء الفرج سريعًا حين مرّ بجانبي أحد مراقبي اللجنة، وحين علم بحكايتي رد فورًا وبتلقائية شديدة: لا تجزعي يا ابنتي حالا سيكون لديك الورق إن شاء الله، ثم خرج من اللجنة وبعد فترة ليست طويلة عاد وفي يده الأوراق المطلوبة وأعطاني إياها، وعلى وجهه ابتسامة عريضة، وهو يقول: لا تخافي من الوقت الذي ضاع فسوف تكملين الإجابات كلها في الموعد بمشيئة الله وتوفيقه، وترك اللجنة ومضى.
بحمد الله تعالى كان الامتحان سهلًا وأجبت عن كل الأسئلة وفي الموعد المحدد، وكانت فرحتي بذلك لا توصف، وبالطبع حين عدت إلى المنزل قصصت على أمي وأبي ما حدث بالتفصيل، وفوجئت بأبي يتفرس في وجهي ويقول بصوت مرتفع: يا سبحان الله!
كأن ذلك كان في الوقت نفسه كأن ذلك كان في الوقت نفسه وحين استفسرنا منه عن معنى كلامه قال : إنه كان يراقب في لجنة أخرى - فهو يعمل مدرسًا – وأثناء مروره في اللجنة لاحظ أن فتاة صغيرة تبكي ويبدو عليها المعاناة الشديدة، فسألها عما بها، فأخبرته أنها تكاد تموت من العطش، ولكن أهلها يمنعونها من شرب المياه العادية، فلا بد لها أن تشرب مياها معدنية وقد نسيت أن تأتي بزجاجة منها.
قال أبي : فور سماعي لهذا الأمر ودون تفكير ودون نظر لما كنت أحمل من نقود هل يكفيني أو لا يكفيني، وبتلقائية شديدة دعوت «العاملة» على الفور، وأعطيتها ما معي من نقود وأمرتها أن تذهب بكل سرعة لإحضار زجاجة مياه معدنية للفتاة، وتم ذلك على الفور، وأكاد أحس الآن أن في الوقت الذي كنت أفعل فيه ذلك، كان ذلك المراقب الطيب يقوم بنفس الأمر لإحضار الأوراق لابنتي فيا سبحان الله!
أضافت الفتاة الصغيرة: لقد شعرت وقتها أن أبي حين أمر بإحضار المياه المعدنية، إنما كان في حقيقة الأمر يأمر بإحضار الأوراق لي رغم بعد المسافة بيننا في ذلك الوقت.
كان الجميع في ذهول وهم يستمعون لهذه الفتاة الصغيرة التي لم تستقم لغتها بعد، ولكنها كانت تنطق بالحكمة ولا تدري بأن كلماتها الأخيرة إنما كانت تشير إلى حكمة غائبة عن كثير من الناس أثبتها الحق سبحانه في قوله تعالى: ﴿ ... وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلأَنفُسِكُمْ ﴾ (البقرة : ۲۷۲).
نعم، إن فعل الخير مردوده الحقيقي على فاعله الذي هو المستفيد الأول من هذا الفعل، والعجب كل العجب أنه مع وضوح هذه الحقيقة، فإن البعض يُحْجِم عن فعل الخير ضنا ببعض ما يملك، وهو لا يعلم أنه بذلك يضن بالخير على نفسه هو قبل غيره، نسأل الله أن يجري الخير على أيدينا ويقينا شح أنفسنا.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل