; طريق أصحاب الدعوات | مجلة المجتمع

العنوان طريق أصحاب الدعوات

الكاتب حجازي إبراهيم

تاريخ النشر الثلاثاء 20-أغسطس-1996

مشاهدات 84

نشر في العدد 1213

نشر في الصفحة 59

الثلاثاء 20-أغسطس-1996

● على المسلم أن ينظر في سير الأنبياء وما لاقوه من ابتلاءات حتى يقوى منه اليقين ويشتد العزم.

عن خباب بن الأر – رضي الله عنه– قال: شكونا إلى رسول الله له وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة فقلنا: ألا تستنصر لنا؟ ألا تدعو لنا؟ فقال: «قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض فيجعل فيها، فيجاء بالمنشار فيوضع على رأسه فيجعل نصفين ويمشط بأمشاط الحديد من دون لحمه وعظمه، فما يصده ذلك عن دينه، والله ليتمن هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون» (فتح الباري /١٢/٣١٥/٦٩٤٣).

يقول الإمام القرطبي فوصفه الله هذا عن الأمم السالفة على جهة المدح لهم والصبر على المكروه في ذات الله، وأنهم لم يكفروا في الظاهر وتبطنوا الإيمان ليدفعوا العذاب عن أنفسهم، وهذا حجة من أثر الضرب والقتل والهوان على الرخصة والمقام بدار الجنان (الجامع لأحكام القرآن/١٠/١٢٤).

طال البلاء واستأخروا النصر: عن عروة بن الزبير عن عائشة - رضي الله عنها - قالت له وهو يسألها عن قول الله تعالى: 

﴿حَتَّىٰ إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ.... ﴾ (يوسف: 110) قال: قلت أكذبوا أم كذبوا ؟ قلت: فقد استيقنوا أن قومهم كذبوهم، فما هو بالظن قالت: أجل لعمري، لقد استيقنوا بذلك. فقلت لها: وظنوا أنهم قد كذبوا؟ قالت معاذ الله، لم تكن الرسل تظن ذلك بربها، قلت: فما هذه الآية قالت: هم أتباع الرسل الذين آمنوا بربهم وصدقوهم، فطال عليهم البلاء، واستأخر عنهم النصر، حتى إذا استيأس الرسل ممن كذبهم من قومهم، وظنت الرسل أن أتباعهم قد كذبوهم جاءهم نصر الله عند ذلك. فتح الباري /8/٢٦٧/٤٦٩٥ قال ابن حجر: قال ابن عباس: كانوا بشرًا ضعفوا وظنوا أنهم قد كذبوا وهذا ظاهره أن ابن عباس كان يذهب إلى أن قوله: متى نصر الله مقول الرسل، وإليه ذهب طائفة. وقيل الجملة الأولى: متى نصر الله... مقول الجميع، والجملة الأخيرة ﴿أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ (البقرة: 214) من كلام الله وقال آخرون: الجملة الأولى مقول الذين آمنوا معه والجملة الأخيرة مقولة الرسول وقول الرسل ذلك ليس شكًّا بل استبطاء للنصر وطلبًا له، وهو مثل قوله يوم بدر اللهم أنجز لي ما وعدتني... فتح الباري (٣٦٨/٨) إن طريق الدعوة واضحة المعالم بينة القسمات، لا التواء فيها ولا غموض سار فيها الأنبياء من قبل، وتبعهم فيها من المؤمنين الصديقون

والشهداء والصالحون وحسن أولئك رفيقًا.. والمسلم الصادق الإيمان يلح في دعائه مع كل ركعة بين يدي مولاه أن يهديه الطريق المستقيم، ويرشده إلى السبيل الأقوم حين يدعو قائلًا: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ (سورة الفاتحة: 6) (٥) ولا تنتهي السورة حتى تبين للمسلم أن هذا هو طريق الذين أنعم الله عليهم.

فمن الذين أنعم الله عليهم؟

والجواب من وحي ربنا ﴿وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَٰئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ ۚ وَحَسُنَ أُولَٰئِكَ رَفِيقًا (69) ذَٰلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ ۚ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ عَلِيمًا (70) ﴾ (النساء: 69-70) .

والذي يريد أن ينعم بمعية النبيين والصديقين والشهداء والصالحين لابد وأن يلحقه من الأذى والتعذيب والاضطهاد ما لحقهم. وهذا ما يقرره القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم ۖ مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّىٰ يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَىٰ نَصْرُ اللَّهِ ۗ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ ( البقرة: 214 ).

والسالكون درب الرسول الله في عصرنا يفتنون بألوان شتى من العذاب والابتلاء.

  • سجن وتعذيب بصنوف شتى من العذاب الجسدي.
  • الفصل من العمل والإخراج من البلد الذي كانوا يشعرون فيه بشيء من الأمان ليجد المسلم نفسه بين يدي عدوه، أو لا يجد بلدًا يؤويه.. أو يأمن فيه...

وغير ذلك كثير، ولا أريد أن أذكر بواقع كئيب مر، يلمسه كل مسلم حر، يخلص في عمله لله، وما على المسلم إلا مذاكرة سير الأنبياء والمرسلين ومن تبعوهم بإحسان، ليجد نماذج شتى من ابتلاءات المرسلين وأتباعهم حتى يقوى منه اليقين ويشتد العزم على مواصلة السير مع الاحتساب التام لكل ما يلقاه في سبيل الله، والثقة التامة أن العاقبة للمتقين، وأن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسرًا... كما أن في هذه النماذج.. بيان وتأكيد على أن الابتلاء الذي ينزل بالمؤمنين ليس لهوانهم على الله ولكن لمنزلتهم السامية، ومكانتهم العالية.

التي يريد أن يبوئهم إياها في الدنيا والآخرة. وفى هذه المواقف سيرى المؤمن تفاوت العزائم، وتباين الهمم، وأن من المؤمنين من فتنته السياط، فأكره على كلمة ترضي الجلادين مع بقاء القلب عامرًا، بالإيمان، ومن المؤمنين من أسلم الروح، وما تلفظ بكلمة تغضب الله، أو تضر بآخرين.

[1] - من علماء الأزهر

الرابط المختصر :