العنوان طريق الأمناء لتحقيق الوفاء مما يعين على الوفاء
الكاتب د. جاسم المهلهل آل ياسين
تاريخ النشر الثلاثاء 06-فبراير-1996
مشاهدات 62
نشر في العدد 1187
نشر في الصفحة 56
الثلاثاء 06-فبراير-1996
نقرر ونقرر أن الوفاء بالعهد خلق من الأخلاق الإسلامية، وأن الله سبحانه أمر به في كتابه وجاءت السنة القولية والفعلية للرسول الله -صلى الله عليه وسلم- داعية إلى الوفاء مطبقة له في كل الأحوال ما لم تثبت خيانة الأعداء، وليس المسلم بعد قول الله وقول رسوله وفعله خيرة من أمره في أن يفي أو لا يفي، بل الأمر بالوفاء إلزام إسلامي لا تبرأ النفس إلا بتحقيقه وما كان المؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرًا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم، ولتحقيق هذا المبدأ الإسلامي نذكر بعض ما يعين على الوفاء مستمدين ذلك من منهج الإسلام.
1- خشية الله والخوف منه: وتلك الخشية تدفع المؤمن للوفاء، لأنه يخاف أن يكون من الخاسرين ناقضي العهود الذين حكم الله عليهم بذلك فقال: ﴿الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ (البقرة: ٢٧)، ويخاف أن تصيبه اللعنة وأن يكون مطرودًا من رحمة الله، وأن يناله سوء المصير المقرر في قوله سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ ۙ أُولَٰئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ (الرعد: ٢٥).
٢- التحلي بالصبر أمام مغريات الحياة: فقد تدفع مغريات الحياة وحب الشهوات فيها الناس أن ينتهزوا فرصة سانحة من الأعداء يخدعونهم فيها ويضربون بعهودهم عرض الحائط، ما دام الهدف قد تحقق بأية وسيلة -على حين غفلة- من الأعداء، والمؤمنين من دون الناس لا يفعلون ذلك ولو كان متاحا لهم أن يفعلوه، ولذا؛ ينبغي أن يتحلوا بالصبر الشديد أمام هذه الفرص السانحة والمغريات، فلا يكونون وإن أتيحت لهم الخيانة، ولا يغدرون وإن سهلا لهم الغدر، متأسيين في ذلك برسول الله- صلى الله عليه وسلم- حين بعث علي بن أبي طالب ليعلن في موسم الحج، «ومن كان له عهد عند رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فعهده إلى مدته» مع أن المشركين حينذاك كانت قد ضعفت شوكتهم وقل نصيرهم، وكثر عدد المسلمين وزاد بأسهم، ولو أراد الرسول- صلى الله عليه وسلم- أن ينتهز الفرصة لتغلب على المشركين بأقل التكاليف البدنية والمالية، ولكن حاشاه- صلى الله عليه وسلم- أن ينقض عهد أو يخلف موعدا.
ومن قبل ذلك في صلح الحديبية كان المسلمون أو قل بعضهم غير راضين عن الشروط التي أبرم الصلح على أساسها وقالوا: «لم نعط الدنية في ديننا» وكادوا يخالفون عن أمر رسول الله- صلى الله عليه وسلم- حين أمرهم بعد الصلح بالحلق وذبح الهدي، فلم يبادروا لامتثال هذا الأمر، حتى دخل رسول الله- صلى الله عليه وسلم- على زوجته «أم سلمة»، وهو غير راض عن موقف المسلمين، وقال لها: هلك المسلمون يا أم سلمة... فأشارت عليه أن يخرج فيذبح ويحلق فلما فعل ذلك سارع المسلمون إلى الذبح والحلق، فبعد أن صبر الرسول- صلى الله عليه وسلم- عليهم ثم هم صبروا بعد ذلك على هذه الشروط ونفذوها بدقة تامة على الرغم من صعوبتها على نفوسهم، حتى يسر الله الأمر فخانت قريش العهد ونقضته ونالت جزاءها على ذلك فتحًا مبينا للمسلمين.
٣- التثبت من الأخبار قبل اتخاذ أي إجراء: المسلمون ليس من دأبهم نقض العهد الذي بينهم وبين غيرهم من الجماعات أو الأفراد المجرد الإشاعات التي يتناقلها الناس بنقض أولئك للعهد، بل إن مما أوجبه الدين عليهم أن يتثبتوا مما يراد إليهم من أخبار، قبل أن يتخذوا أي إجراء يؤدي إلى نقضهم ما عاهدوا عليه، وهكذا كان يفعل رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وأصحابه من بعده، ففي غزوة الخندق والمشركين يحاولون مرة بعد أخرى أن يقتحموا الخندق على المسلمين والمسلمين المحاصرين داخل المدينة يردونهم ولا يمكنونهم من هذا الاقتحام، وفي هذه الغزوة اشتدت الحال بالمسلمين، فإن هذا الحصار صاحبه ضيق على فقراء المدينة، والذي زاد الشدة عليهم ما بلغهم من أن يهود بني قريظة الذين يساكنونهم في المدينة قد انتهزوا هذه الفرصة لنقض العهود.
فالرسول- صلى الله عليه وسلم- لم يعامل بني قريظة بما بلغه من أخبارهم، بل إنه تثبت من تلك الأخبار بإرساله الزبير ابن العوام الذي عاد إليه بالخبر اليقين في ذلك، وبناء على هذا التثبت كان التصرف الذي تم مع بني قريظة بعد ذلك.
وقد فعل ذلك رسول الله- صلى الله عليه وسلم- حين جاءه الخبر أن بني المصطلق ارتدوا عن الإسلام ومنعوا الزكاة فأرسل خالد بن الوليد ليستكشف خبرهم، فتبين له أنهم مسلمون طائعون لله ورسوله.
والمسلمون اليوم يقطعون الوعود ولا يوفون بالعهود بينهم وبين إخوانهم لشائعات تدور، وأخبار لا تثبت وأقوال تتردد هنا أو هناك. وأولى بهم أن يهتدوا بسنة الرسول الله ثم بعد ذلك يتصرفون كما تصرف الرسول الله مع بني قريظة حين غدروا وخانوا، أو يتصرفون كما تصرف خالد بن الوليد مع بني المصطلق حين وفوا بعهودهم، ولم تثبت أخبار ارتدادهم.
ومما يعين على الوفاء عموم وبين الأفراد -خصوصا- ما يأتي:
٤- كظم الغيظ: فقد يحدث من بعض الذين عاهدناهم ما يطلق عليه تصرفات استفزازية، لا تصل إلى درجة نقض العهد، ولكنها تثير حفيظة المتعاهدين، وقد تدفع طرفًا منهم إلى نقض العهد، وهنا يكون لكظم الغيظ موقعه في النفوس، وبخاصة إذا كان العهد بين الأفراد، وفي هذه الحالة يكون كظم الغيظ والعفو والصفح استجلابًا للوفاء بالعهد أمرًا محبوبًا تحسن عاقبته بين الأفراد، وقد «قال الأحنف بن قيس الإخاء جوهرة رفيعة إن لم تحرسها كانت معرضة للآفات فاحرسها بالكظم».
٥-شدة الجزع من المفارقة بنقض العهد: فمفارقة الأحباب والخصومات التي تقع بينهم نتيجة نقضهم للعهود تهد أركان الإنسان وتزلزل بنيانه النفسي، دون أن يجد سندًا يلتجئ إليه، وقد قيل:
وجدت مصيبات الزمان جميعها
سوى فرقة الأحباب هيئة الخطب
وقال سفيان بن عيينة لقد عهدت أقوامًا فارقتهم منذ ثلاثين سنة ما يخيل إلى أن حسرتهم ذهبت من قلبي «إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين ٦/٢٣٩».
والأمر مع وجود هذه المعينات محتاج إلى نية صادقة، وعزم أكيد على الوفاء حتى لا يغري الإنسان بنقض العهد تحت أي ظرف من الظروف أو إغراء من الإغراءات، فيحل به جزاء ناقضي العهود، وناكثي المواثيق، وما الوفاء بالعهد إلا مظهرًا من مظاهر ما ينطوي عليه القلب من سلامة الطوية، وصدق النية، وما الغدر والخداع إلا مظهرًا من مظاهر كذب القلوب وانطوائها على الغل والضغائن والأمراض النفسية التي تدفع إلى كثير من الشرور والآثام بين الناس واتباع هذه الأسس التي ذكرنا تعين بعض الناس على الوفاء وتساعدهم في التمسك به طالما ظلوا لها ذاكرين وعلى هدى منها سائرين لأنها مستمدة من الدين القويم.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل