العنوان طريق التسويات وتسويق الوهم .. عاقبته الخسران
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر السبت 09-أغسطس-2003
مشاهدات 56
نشر في العدد 1563
نشر في الصفحة 9
السبت 09-أغسطس-2003
منذ انطلاقة عملية التسوية، والعدو الصهيوني يسلك الطريق نفسه ويمارس اللعبة نفسها؛ خداع المفاوض الفلسطيني وسحب البساط بالتدريج من تحت قدميه، أما المفاوض الفلسطيني فيجد نفسه مرغمًا على اعتبار الفتات الذي يقدمه الجانب الصهيوني إنجازًا سياسيًّا، رغم يقينه أنه لا يعدو أن يكون الخداع بعينه.
في بداية الأمر كان المفاوض الفلسطيني يظن أنه قادر على أن يحقق شيئًا يمكن أن يسميه إنجازًا سياسيًّا مقنعًا للشعب الفلسطيني، أي أن المفاوض الفلسطيني وقع منذ البداية في شرك الخداع الصهيوني، متوهمًا سلامة الخطوات التي اعتمدها لبلوغ أهدافه المتواضعة التي اعتبرها أهدافًا وطنية، وأن تحقيقها كاف لإنهاء الصراع مع العدو الصهيوني.
وانطلاقًا من هذا الفهم الخاطئ لطبيعة الصراع والحقيقة نوايا العدو قامت السلطة عام 1996م بضرب الحركة الإسلامية لشل المقاومة وإجهاض الانتفاضة، ولكن مع مرور الأيام وجدت السلطة نفسها تدور في حلقة مفرغة، وبدأ المفاوض الفلسطيني يشعر أنه يسير في نفق مسدود، ولكنه للأسف الشديد لم بعد قادرًا على الإقرار بالحقيقة أو الخروج من النفق، ومن هنا بدأ المفاوض مرحلة جديدة، انتقل فيها من مخدوع يفتقر إلى الحقيقة إلى عالم بالحقيقة لكنه لا يستطيع أن يبوح بها، بل وجد نفسه مضطرًا لتسويق الخداع الصهيوني على الشعب الفلسطيني؛ لأن العديد من عناصر السلطة أصبحوا أمام خيارين، إما أن يغضوا الطرف ويبيعوا الوهم أو يفقدوا كل المكتسبات على الصعيد الشخصي مغامرين بمستقبلهم السياسي.
وانطلاقًا من هذا الواقع بات المفاوض الفلسطيني مضطرًا لتسويق الوهم للشعب الفلسطيني، فرغم ما ارتكب العدو من جرائم بحق الشعب الفلسطيني من قتل وتخريب وتدمير للحياة، إلا أن هذا المفاوض يجد نفسه مضطرًا للقول بأن «السلام» هو الخيار الوحيد، ورغم إعلان شارون نهاية أوسلو قولاً وفعلاً، إلا أن هذا المفاوض لا يزال متشبثًا بها على أنها الطريق إلى السلام، وبالرغم من ترسخ القناعة لديه أن طريق المفاوضات طريق عقيم إلا أنه يعتبره خيارًا استراتيجيًّا، ورغم أن الحديث عن السلام المزعوم كان متزامنًا مع فعل صهيوني على الأرض يتناقض كليًّا مع السلام كبناء المغتصبات ومصادرة الأراضي لشق الطرق الالتفافية، وتهويد المقدسات، وإغلاق المؤسسات وهدم البيوت، إلا أن المفاوض الفلسطيني كان مصرًا على الجلوس على طاولة المفاوضات، ولا ينسى أن يبشرنا بالسلام العادل والدائم والشامل! كما لا ينسى عند خروجه من كل جولة للمفاوضات أن يبشرنا بأن الأجواء كانت إيجابية متجاهلاً هدير الجرافات الذي يقوض مشروع الدولة الفلسطينية.
وعليه فلا غرابة أن يعبر أحد الوزراء عن ارتياحه للقاءات واشنطن الأخيرة التي شارك فيها رئيس الوزراء محمود عباس، معتبرًا أن اختراق الجدار الأمريكي للوصول إلى البيت الأبيض قمة الإنجاز! فلا عبرة إذن لما سيتمخض عنه اللقاء، ولكن العبرة كل العبرة في الاستقبال في البيت الأبيض، مع أن الحكومة الفلسطينية لا تجهل أن الرئيس عرفات المحاصر الآن بدعم من البيت الأبيض سبق أن استقبل مرات في البيت الأبيض، كما لا تجهل الحكومة الفلسطينية أن منتجع أو معتقل كامب ديفيد كان شاهدًا على موقف البيت الأبيض المنحاز تمامًا لصالح العدو الصهيوني الذي لم يعرض شيئًا يمكن أن يقبل به الشعب الفلسطيني، مع أن إدارة الرئيس الأمريكي السابق كلينتون أبدت اهتمامًا وتعاطفًا نوعًا ما مع الجانب الفلسطيني، بعكس الإدارة الحالية التي تسيطر عليها العقلية الصهيونية، كما أن الذي كان يترأس المفاوضات من الجانب الصهيوني آنذاك هو ما يسمى بمعسكر السلام وليست عصابة شارون، زعيم الليكود ومعه اليمين المتطرف.
فماذا يعني التشبث بالمفاوضات كخيار استراتيجي في ظل ما تقدم؟ هل يعني شيئًا غير القبول بالخداع والتناغم مع الوهم؟
أي ارتياح هذا الذي يبديه أعضاء الحكومة الفلسطينية وقد ذهب الوفد الفلسطيني إلى واشنطن وعلى رأس سلم أولوياته الإفراج عن المعتقلين، والمقصود بذلك الإفراج عن أولئك الذين حكم عليهم بالسجن المؤبد والذين أمضوا أعوامًا طويلة خلف القضبان، منهم من أمضى أكثر من عشر سنوات، ومنهم من تجاوز الخمسة عشر سنة ومنهم من زاد على العشرين، ثم تسمع الإدارة الأمريكية تعلن موقفًا منحازًا ضد حرية هؤلاء الأبطال، موقفًا متناغمًا مع موقف شارون فيقول الرئيس بوش: «بالتأكيد لا نريد أن نعطي القتلة بالدم البارد فرصة أن يفرج عنهم فيمسون بالمسيرة السلمية»...
فهل يعقل بعد هذا القول أن يكون الوفد الفلسطيني مرتاحًا ومتفائلاً؟ وهل يمكننا أن نطمئن للموقف الأمريكي الذي لا يرى أن القتلة هم اليهود الأمريكان والروس والأوروبيون الذين تركوا أوطانهم واغتصبوا فلسطين وذبحوا أبناءها، وإنما يعتبر ضحايا العدوان الصهيوني الذين يدافعون عن وطنهم وشعبهم ومقدساتهم هم القتلة الذين يجب أن يبقوا خلف القضبان؟!.
مثل هذه التصريحات المنحازة تختفي من الإعلام المنحاز الذي يركز على بعض الكلمات غير ذات التأثير، مثل قول الرئيس بوش: «أعتقد أن السور هو مشكلة وقد بحثت في ذلك مع شارون»، «من الصعب تطوير ثقة بين (إسرائيل) والفلسطينيين عندما يكون هناك سور (يتلوى) في الضفة الغربية»، فهذه الصيغة لم تتجاوز صيغة العتاب اللطيف، والرئيس بوش لم يطالب الصهاينة، ولم يهددهم، ولم يعد باتخاذ إجراءات عقابية ضدهم، كما أننا تعودنا على أن هذه الصيغ لا تجدي نفعًا ولا تعدو كونها محاولة للتغرير بالسذج، فكم من مرة انتقدت أمريكا الاستيطان.. فهل توقف أم أنه تمدد ومثل هذا سيحدث بشأن ما يسمى بالسور الواقي الذي أعلن شارون تشبثه به بعد تصريح بوش، ولا تستغرب أن تبدي الإدارة الأمريكية تفهمها لحاجة الصهاينة لهذا السور.
إن أهداف اليهود ومخططاتهم واضحة ومعلنة والشعوب لا تحتاج إلى من يخدعها ويسوق لها الوهم، بل تحتاج من يبصرها بالأخطاء ويقودها لمواجهتها بعزم وإصرار.. ولا نظن أن وطنيًّا مخلصًا يقبل بتسويق الوهم للشعوب، وإنما ينبغي العمل الجاد والمخلص لمواجهة التحدي بعد الإستعانة بالله تعالى والعمل وفق منهج التغيير الذي رسمه القرآن الكريم ﴿إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ (الرعد: 11) فهل نغير ما بأنفسنا لنستحق تأييد الله ونصره؟ ندعو الله أن يحقق ذلك.