; طريق القدس ليس من واشنطن | مجلة المجتمع

العنوان طريق القدس ليس من واشنطن

الكاتب عبدالعزيز العمري

تاريخ النشر الثلاثاء 24-أكتوبر-1989

مشاهدات 62

نشر في العدد 938

نشر في الصفحة 20

الثلاثاء 24-أكتوبر-1989

● تحرير القدس لا يمر من واشنطن ولن يأخذ يومًا تأشيرة خضراء من البيت الأبيض.

 

طريقة تعامل منظمة التحرير الفلسطينية مع «الساحة» و«الإدارة» الأمريكية كانت موضع نقد موضوعي وصريح وساخن من د. إدوارد سعيد.

ففي مقابلة أجرتها معه جريدة القبس الكويتية بتاريخ «1989/10/7» انتقد د. سعيد بشدة «جهل» قيادة منظمة التحرير الفلسطينية بالمجتمع الأمريكي وعجزها في مواجهة الضغوط الأمريكية وميلها إلى الضعف في التعامل مع واشنطن التي تدافع عن المصالح «الإسرائيلية» في جلسات الحوار، كما انتقد «توسيط» صهاينة ويهود أمريكيين من أجل ترتيب لقاءات القياديين الفلسطينيين مع المؤسسات والهيئات الأمريكية.

وأكد أن تعاملنا مع الولايات المتحدة يجب أن يرتكز على كونها «عدوة» وليست حليفًا أو صديقًا أو حكمًا.

كما طالب القيادة الفلسطينية بعدم «الحرص» على طلب تأشيرة الدخول إلى الولايات المتحدة وعدم زيارتها إلا بدعوة رسمية من الإدارة الأمريكية. واعتبر أن «معركة» الحصول أو عدم الحصول على تأشيرة للزعيم الفلسطيني ياسر عرفات فيها إساءة لشعبنا.

ولأهمية «بعض» النقاط التي وردت في حديث د. سعيد نرى أنه من المناسب تناولها وإبرازها مع ملاحظة اختلافنا مع د. سعيد في كثير من آرائه حول أهمية الدور الأمريكي واعتباره أن أمريكا هي الساحة الثانية بعد فلسطين من حيث أهمية العمل الفلسطيني فيها!

وحول إمكانية أن يحقق الفلسطينيون أهدافهم عن طريق «العمل السياسي والدبلوماسي» عن طريق استخدام الموارد الفكرية والسياسية والأخلاقية والتمثيلية فقط، أو قناعاته بحكاية الحل المبني على أساس قيام دولتين.

 

● الوسطاء

 

يؤكد د. إدوارد سعيد في حديثه: «إن جميع زيارات الشخصيات الفلسطينية المعروفة العاملة في منظمة التحرير الفلسطينية لهذه البلاد بمن فيهم نبيل شعث وغيره تتم بشكل كامل من خلال هؤلاء الناس بالتعاون مع أنصار الصهيونية و«إسرائيل» في الولايات المتحدة الأمريكية»، ويقول في سياق تناوله لموضوع اجتماع ياسر عبد ربه مع مجلس العلاقات الخارجية في الولايات المتحدة الذي لم يتم بسبب رفض وزارة الخارجية لمثل هذا الاجتماع: «إن الذين رتبوا الاجتماع هم أشخاص يعيشون في هذه البلاد ويعملون لحزب العمل الإسرائيلي. وهذا نابع من الاعتقاد السائد حاليًّا في السياسة الفلسطينية الراهنة في هذه البلاد والداعي لإشراك «الإسرائيليين» في مساعدة ممثلين للحزب للتحدث أمام منتديات مثل مجلس العلاقات الخارجية».

 

● الموقف الأمريكي.. إلى الوراء:

 

والمراقب لموقف الولايات المتحدة يلاحظ أنها تزداد تشددًا يومًا بعد يوم إزاء حقوق الشعب الفلسطيني. ولعل المتتبع الدقيق لجولات الحوار الفلسطيني الأمريكي تؤكد هذه النتيجة، حيث كان واضحًا أن المحاور الأمريكي يحاول «ابتزاز» الطرف الفلسطيني ويحاول الضغط عليه بكل الوسائل من أجل أن يتنازل باستمرار ليتطابق في المحصلة مع الموقف «الإسرائيلي»، كما أنه من الواضح جدًّا أن الإدارة الأمريكية لم تمارس أية ضغوط على الكيان الصهيوني من أجل تليين مواقفه أو من أجل دفع ما يسمى «بعملية التسوية السلمية» ورغم وضوح هذه الحقيقة ورغم تأكدها باستمرار من خلال جولات الحوار المختلفة التي تمت إلا أن الطرف الفلسطيني ظل «مصرًّا» على أهمية هذا الحوار وعلى ضرورة استمراره. وإلى التشدد الأمريكي و«التبني» الأمريكي الكلي للمطالب والتوجهات الصهيونية، يشير د. سعيد في حديثه حيث يؤكد «أن أمريكا ليست حكمًا، هي طرف في النزاع وهي تدعم «إسرائيل» وبدون الدعم الأمريكي فإن «إسرائيل» لا تستطيع الاستمرار بممارساتها الوحشية وبمجازرها وانتهاكاتها لحقوق الإنسان التي نراها اليوم في الضفة الغربية وغزة، أما أن نقوم برمي أنفسنا تحت رحمة الولايات المتحدة وبعض أنصار «إسرائيل» في هذه البلاد، من الذين يدعون أنهم مهتمون بالحوار بين «إسرائيل» ومنظمة التحرير.. فهذا برأيي غلطة مأساوية».

هذه الحقيقة - أن أمريكا ليست حكمًا وإنما هي طرف في النزاع - يجب أن تتذكرها القيادة الفلسطينية دائمًا.

كما يجب أن تبني تحركاتها على هذا الأساس. لا كما هو حاصل حاليًّا من التعويل على الدور الأمريكي في تحقيق بعض أهدافنا أو استعادة حقوقنا. ولعل حرص القيادة الفلسطينية على إجابة الولايات المتحدة على طلباتها واشتراطاتها الثلاثة من أجل فتح الحوار معها، لعل ذلك يعكس «الأهمية الكبرى!» التي تضعها القيادة الفلسطينية على الدور الأمريكي رغم أن ثمن ذلك - كما هو معروف - كان باهظًا حيث اعترفت القيادة الفلسطينية «بحق «إسرائيل» في الوجود» و«بقرار 242 و338»، و(نبذ الإرهاب بكل صوره وأشكاله وألوانه).

 

● دور مراوغ:

 

ومما يؤكد أن الدور الأمريكي هو دور مراوغ لاستدراج الطرف الفلسطيني أنه رغم تحقيق الطرف الفلسطيني للشروط الأمريكية الثلاثة ورغم «اللهجة» الجديدة في الخطاب الفلسطيني ورغم «إعادة النظر» بكثير من الثوابت، إلا أن كل ذلك لم يقنع الإدارة الأمريكية بأن الوقت قد حان لكي يقدم العدو اليهودي تنازلات. بل أغراها ذلك من أجل ممارسة مزيد من الضغوط على الطرف الفلسطيني. هذه الحقيقة دائمًا كنا نؤكدها لأن غيابها أو تغييبها ضلل الطرف الفلسطيني، وجعله يرتب استراتيجياته وتكتيكاته على حسابات خاطئة لا تصب في خانة تحقيق أهدافه ومصالح شعبه.

وهذه القضية في غاية الأهمية لأن من متطلبات الاستراتيجية السليمة أن تبنى على أسس متينة ومن ذلك تحديد الأصدقاء والأعداء وطريقة التعامل مع كل واحد منهم. الأمر الذي غشاه الكثير من الضباب أحيانًا وانعدام الرؤيا أحيانًا أخرى في استراتيجيات وتكتيكات الطرف الفلسطيني. ويؤكد د. سعيد مثل هذه المعاني بقوله «والأمر الذي لم تفهمه منظمة التحرير هو أن الولايات المتحدة كحكومة وبشكل عام كمجتمع هي معادية لنا».

ولعل من الأمثلة التي أوردها د. سعيد في حديثه حول تراجع الموقف الأمريكي للوراء، حادثة إلغاء وزارة الخارجية الأمريكية الخطاب الذي كان مقررًا أن يلقيه ياسر عبد ربه أمام مجلس العلاقات الخارجية، رغم أنه في السابق تحدث أحمد صدقي الدجاني أمام نفس المؤسسة وقبل بضع سنوات من بدء الحوار مع الولايات المتحدة وقبل الاعتراف بـ 242 وقبل إعلان الدولة الفلسطينية. لكن الآن ورغم كل ما قدمه الطرف الفلسطيني فإن الموقف الأمريكي إزاءه ازداد تصلبًا وإمعانًا في محاولات الإذلال.

 

● التأشيرة:

 

وحول موقف الولايات المتحدة فيما يتعلق بتأشيرة أبو عمار للولايات المتحدة لإلقاء خطاب أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة ذكر د. سعيد «أن النقاش العام حول ما إذا كان سيحصل على فيزا أم لا هو أمر مهين لنا كشعب. شخصيًّا لو كنت مكانه لكنت وضعت حدًّا لها، وقلت إنني سأزور الولايات المتحدة فقط إذا وجهت إليّ دعوة رسمية من قِبل الحكومة الأمريكية، أما أن نعيش في هذه المهزلة العلنية حول ما إذا كان سيحصل على الفيزا أم لا فهذا أمر مسيء لشعبنا»، وهذا الموقف الأمريكي المصر على إذلال الطرف الفلسطيني، يأتي كذلك في المرحلة التي استجاب فيها الطرف الفلسطيني للشروط الأمريكية. وفي المرحلة التي اعتمد فيها ما يسمى «باستراتيجية السلام» و«اللهجة المعتدلة». ورغم أن الزعيم الفلسطيني حصل على ذات التأشيرة في العام 1974 وخاطب الأمم المتحدة قبل الاعتراف بحق «إسرائيل» في الوجود وقبل نبذ «الإرهاب» والموافقة على قرار 242! حصل على التأشيرة عندما كانت المنظمة تعتبر أن أمريكا عدوة وأنها زعيمة الإمبريالية العالمية! وهذا مؤشر آخر على أن الموقف الأمريكي يسير إلى الوراء ويزداد التزامًا بالموقف اليهودي كلما بدت منا مرونة أكثر أو استجابة أكثر للضغوط اليهودية أو الأمريكية أو الدولية!

 

● طريق واشنطن:

 

الخلاصة التي نحب ذكرها دائمًا هي أن تحرير القدس لا يمر من واشنطن ولن يأخذ يومًا تأشيرة خضراء من البيت الأبيض. وأن التركيز على محاولة تغيير مواقف القوى الكبرى والدول الأوروبية من أجل أن تقوم هذه بدورها في الضغط على الكيان اليهودي. إن هذه المحاولة هي الطريق الأطول والأصعب والأكثر عقبات، ثم هو في النهاية لن يوصل إلى فلسطين، بل سيجد سالكه أنه بات بعيدًا عنها أكثر فأكثر. والدول الكبرى لا تسمع للضعفاء، لأن قيم «الرحمة» و«العدالة» و«الإنصاف» و«الإنسانية» غير واردة في قاموس تعامل الخصوم والأعداء، وأن الحقوق لا تطلب ولا تستجدى بل تنتزع بالقوة بالحديد والنار والدعاء. نحن لا ندعو إلى إهمال مخاطبة الرأي العام العالمي، ولا ندعو إلى ترك التحرك على الدول الأوروبية وحتى على الإدارة الأمريكية من أجل محاولة زعزعة العلاقة والتحالف بين هذه الدول ودولة العدو اليهودي. بل إن ممارسة ذلك يعتبر «من» التكامل الذي لا بد من تحقيقه في عملية إدارة الصراع. وإذا ما استطعنا عن طريق توظيف إمكاناتنا المختلفة من تشكيل ضغط دولي على عدونا، والوصول إلى عزله فهذا بلا شك إنجاز جيد. لكن الذي يجب ألا يغيب عن بالنا لحظة واحدة هو أن هذا الدور هو «مكمل» لأدوار أهم. ونقصد بها ممارسة الصدام اليومي مع العدو المحتل. وتكثيف العمل الجهادي وتطويره واعتبار أن العمل المسلح هو الطريق الوحيد للتحرير. وأن كل الممارسات والأدوار الإعلامية والسياسية والدبلوماسية والتمثيلية الأخرى تدعم قضية الجهاد. ولا تغني عنها. وهو الأمر الذي غاب عن الساحة بعد أن كان «الكفاح المسلح هو الطريق الوحيد لتحرير فلسطين وهو بذلك استراتيجية وليس تكتيكًا». غاب لصالح العمل السياسي والدبلوماسي، والذي يتصدى لصراع طويل، كصراعنا مع العدو المحتل، إذا لم تكن لديه ثوابته واستراتيجياته الواضحة، وإذا لم يكن يرتكز في منطلقاته وتحركاته على تصورات عقدية متينة، فسيجد نفسه في زحمة العمل السياسي اليومي «يتخفف» من ثوابته و«يؤقلم» أهدافه، ليقبل أخيرًا «بالأمر الواقع» الذي جاء لتغييره والثورة عليه وإعادة ترتيبه بناء على حقوقه وثوابته.

 

 

 

 

 

 

الرابط المختصر :