العنوان طلاسم الواقع وفلسفات المتفلسفين
الكاتب د. علي الحمادي
تاريخ النشر السبت 25-فبراير-2006
مشاهدات 68
نشر في العدد 1690
نشر في الصفحة 60
السبت 25-فبراير-2006
قرأت قبل زمن في جريدة الأنباء الكويتية خبرًا مفاده أن أميرة «كنت» البريطانية قد أعلنت الحداد على مقتل قطها السيامي، «بلو» البالغ من العمر عشرة أشهر، وقد تم الإعلان عن الحادث في مجلة الحياة الريفية التي تصدر في بريطانيا.
وفي نفس هذا العدد أجرت المجلة تحقيقًا عن الأميرة وقططها. كما اهتم الصحفيون بهذا الحادث، بل أثار هذا الحادث اهتمامات الصحافة، وسارعت صحيفة «ميرور»، إلى إرسال أحد محرريها لتقصي الحادث، ومعرفة القاتل الذي ارتكب هذه الجريمة الشنعاء!!
ثم تختم جريدة الأنباء خبرها هذا بقولها: إن قصة مقتل القط «بلو» الغامضة ما زالت بانتظار من يحل لغزها، والصحافة البريطانية ما زالت مشغولة بمن هو القاتل الحقيقي: السنجاب أم الفأر أم الثعلب؟
لله در هذا القط، لقد عاش مكرمًا، ومنعمًا، ثم مات ميتة سمع بها القاصي والداني، لقد كان محظوظًا حيث حزنت لموته الأميرة ذاتها حزنًا شديدًا.
إن العالم اليوم يزخر بأمثال «بلو»، فكم من الحيوانات تعيش منعمة في حين يتمنى الملايين من البشر لو أن أحدهم صار بلو، أو خادماً لدى «بلو» عله يجد من ينظر إليه نظرة إشفاق وإكرام!!
تَموتُ الأُسدُ في الغاباتِ جوعاً *** وذو جهلٍ يَنامُ على حريرِ
انفتح العالم بعضه على بعض، وأصبحت الكرة الأرضية عبارة عن كوخ صغير يعرف أدناه ما يحدث لأقصاه، ومشرقه ما يصيب مغربه وتكاثرت الأخبار التي تلج إلينا من كل حدب وصوب، وأصبحنا في عالم «اللا سر»، وكادت عقولنا تصاب بالذهول من رائب والعجائب التي يزخر بها العالم، ومن المتناقضات التي تجعل الحليم حيران، ومن الطلاسم واللا منطق في الأحداث التي يعيشها العالم ومن ثم تعيشها أمتنا عندما حدث هذا وغيره كان لزامًا على العقلاء أن يضعوا أعصابهم في ثلاجة جليدية حتى يستطيعوا العيش في هذه الدنيا.
ولعلّي هنا أذكر مثلًا واحدًا حيًا على هذه الطلاسم، فلقد صدمت بكم ونوع الاعتذارات التي قدمها رأس الكنيسة ورمزها الأول البابا الراحل يوحنا بولس الثاني لليهود، والتي لها أول وليس لها آخر حتى رأفت بحاله وهو يتودد إلى اليهود بطريقة كان الأولى بالبابا أن يترفع عنها.
إن القرن العشرين هو قرن العجائب والغرائب، ومن هذه الغرائب ما قام به ثلاثة أشخاص في هذا القرن، وهم:
الأول: مصطفى كمال الذي أقدم على إلغاء الخلافة الإسلامية وقضى على آخر ما تبقى من وحدة الأمة الإسلامية.
الثاني: الرئيس السوفييتي الأسبق ميخائيل غورباتشوف الذي كان على يديه تفكيك إمبراطورية الشيوعيين الاتحاد السوفييتي، فما بناه الشيوعيون بدم الملايين من البشر قتلًا وظلمًا وتشريدًا، جعله غورباتشوف قاعا صفصفا كأن شيئا لم يكن، وصدق الله تعالى حينما قال: ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ﴾ (الرعد: 17).
الثالث: البابا الراحل يوحنا بولس الثاني، الذي برا اليهود من دم المسيح ولم يجرؤ أحد ممن سبقه أن يفعل ما فعله لأن ذلك من صميم عقيدتهم ويتداولونه من آلاف السنين، وهو الذي قاد الكنيسة للاعتراف بإسرائيل، وهو الذي عقد المصالحة التاريخية بين اليهودية والكاثوليكية، فضلًا عن صراحته في الاعتذار لما حدث لضحايا الهولوكوست وغيرها من الممارسات التي رفع فيها اليهود وضحاياهم على كل ضحايا العالم وكأنه يقرر ما سطره اليهود ووصفوا به أنفسهم بأنهم شعب الله المختار كل هذه الممارسات التي قام بها البابا لم ترض طموحات اليهود وغرورهم.
ترى ماذا يريد اليهود من العالم؟ وما الذي يرضيهم ويشبع نزواتهم؟ وهل التنازلات التي يقدمها العرب والمسلمون اليوم وسيقدمونها غدًا عاجلًا أو آجلاً، ستلقى ترحيبًا وقبولًا كاملين من اليهود أم أننا لو انسلخنا من مقدساتنا وأرضنا وأموالنا، بل ومن جلودنا فلن يكون شعار اليهود إلا هل من مزيد؟
ثم هل التعامل مع هذا الصنف من البشر يكون بالتفاوض الذي يعقبه تنازل، وبالصراخ الذي يبطن قبولًا، وبالتنديد الذي يواكبه رضوخ وبالموافقة بصيغة الرفض؟
وهل منع حركة المقاومة الإسلامية وحركة الجهاد الإسلامي وغيرهما من فصائل المقاومة الفلسطينية من المشاركة في الانتخابات التشريعية سيكون هو الحل وسيجعل الصهاينة اليهود يتنازلون عن مطالبهم وتعنتهم ولاءاتهم التي لا تنتهي؟
بل كيف يدير اليهود شؤونهم في العالم؟ ومن الذي يصنع القرارات في البيت الأبيض؟ وما نقاط القوة لدى هذه الفئة؟ وكيف استطاعت أن تصل إلى ما وصلت إليه؟
وما السِّرُ في استسلام كثير من متخذي قرار أمتنا العربية والإسلامية لهذه الشرذمة التي أثبت التاريخ والواقع أنها شرذمة جبانة لا تقوى على مواجهة ولا تصمد أمام طفل صغير لا يملك إلا حجارة؟
تلك أسئلة تحتاج إلى إجابات خالية من طلاسم الواقع وفلسفة المتفلسفين.
الهوامش:
(*) رئیس مركز التفكير الإبداعي والمشرف العام على موقع إسلام تايم.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل