; طلب العلم | مجلة المجتمع

العنوان طلب العلم

الكاتب جاسم المسلم

تاريخ النشر الثلاثاء 21-أبريل-1981

مشاهدات 72

نشر في العدد 525

نشر في الصفحة 41

الثلاثاء 21-أبريل-1981

 

 

الحمد لله رب العالمين رفع لواء العلم وأهله فقال: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ ۚ﴾ (المجادلة:11).
وصلاة الله وسلامه على سيد الأنبياء، وإمام العلماء محمد وعلى آله وصحبه مصابيح الهدى في الظلماء، أما بعد:

 

فهذه وريقات كتبتها في فضل العلم وأهله، وأعني بالعلم علوم الشرع الحنيف، قال الله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ۗ﴾ (الزمر:9) وقال: عز من قائل ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ۗ﴾ (فاطر:28) وقال سبحانه وتعالى مخاطبًا نبيه صلى الله عليه وسلم: ﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ (طه:114)، فلولا فضل العلم وعلو مكانته لما أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم بطلب المزيد منه، وأما الأحاديث الواردة في فضل العلم والعلماء فكثيرة، منها ما رواه البخاري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين». 

وقال صلى الله عليه وسلم فيما رواه البخاري وغيره: «من سلك طريقًا يطلب فيه علمًا سلك به طريقًا من طرق الجنة، وإن الملائكة تضع أجنحتها لطالب العلم لرضى الله عنه، وإن العالم ليستغفر له من في السموات ومن في الأرض، حتى الحيتان في جوف الماء». 

كذا في تذكرة السامع والمتكلم.
 وقال صلى الله عليه وسلم: «العلماء ورثة الأنبياء» (۱). 

قال ابن جماعة، «وحسبك هذه الدرجة مجدًا وفخرًا، وبهذه الرتبة شرفًا وذكرًا، فكما لا رتبة فوق رتبة النبوة فلا شرف فوق شرف وارث تلك الرتبة».

 

وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: «كفى بالعلم شرفًا أن يدعيه من لا يحسنه ويفرح به إذا نسب إليه، وكفى بالجهل ذمًا أن يتبرأ منه من هو فيه». 

قال الشافعي رحمه الله: «إن لم يكن الفقهاء العاملون أولياء الله فليس لله ولي»، قال سفيان الثوري والشافعي رحمهما الله: «ليس بعد الفرائض أفضل من طلب العلم».

 

وقد ظهر مما ذكرناه فضل العلم وأهله، وأنه أفضل من نوافل العبادات، لأن نفع العلم يعم صاحبه والناس، والنوافل مقصورة على صاحبها، ولأن العلم مصحح لغيره من العبادات فهي تفتقر إليه وتتوقف عليه ولا يتوقف هو عليها.

 

ولكل أمر باب، وأسس، وقمة. 

وباب علوم الشريعة علوم العربية، وأسسها علوم الكتاب والسنة، وقمتها معرفة الحلال والحرام، وتمييز المشتبه بعضه عن بعض، أعني الفقه في الدين.. ولا يمكن لإنسان أن يصل إلى هدفه، إلا إذا أتاه من بابه الذي يتوصل إليه من خلاله.. كذا لا يستطيع أحد أن يتمكن من علوم الشريعة حتى يتمكن من لغة العرب، التي هي القطب الذي تدور عليه هذه العلوم.

 

وإلى هذا المعنى أشار الشافعي في رسالته فقال: وإن الله خاطب العرب بكتابه بلسانها على ما تعرف من معانيها، ثم ذكر مما يعرف من معانيها اتساع لسانها، وأن تخاطب بالعام مرادًا به ظاهره، وبالعام يراد به العام ويدفعه الخصوص... إلخ. ثم قال: فمن جهل هذا من لسانها- وبلسانها نزل الكتاب وجاءت به السنة، فتكلف القول في علمها تكلف ما يجهل بعضه، ومن تكلف ما جهل وما لم يثبته معرفة كانت موافقة الصواب -إن وافقه من حيث لا يعرفه- غير محمودة، وكان بخطئه غير معذور، إذا نطق فيما لا يحيط علمه بالفرق بين الصواب والخطأ فيه. أ.هـ.

قال الشاطبي: هذا قوله، وهو الحق الذي لا محيص عنه. أ.هـ.

 

وإن كانت العربية باب علوم الشرع، فإن النحو هو أساس علوم اللغة، وعمودها الذي تقوم عليه، وأشرفها على الإطلاق، فبالنحو يفهم كتاب الله، ويتميز محكمه من مشابهه، وبه يستنبط الفقه من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويفرق بين مشكله وواضحه، لذا قال سفيان بن عينيه: المحدث الذي لا يفقه النحو، كالحمار يحمل مخلاته في عنقه، لا يعلم ما فيها. 
وقال غيره: أخشى على الذي يقرأ حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ويلحن فيه أن يدخل في قوله: من كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار.

 

ولقد صدق -والله- بل يخشى عليه الكفر عند قراءته لكتاب الله، فقد روى السيوطي في المطالع السعيدة: أن أعرابيًا قدم إلى المدينة في عهد عمر بن الخطاب فقال: هل من رجل يقرئني القرآن؟ فقال رجل: أنا.. فأقرأه من سورة براءة حتى بلغ قوله تعالى:

 

﴿أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ ۙ وَرَسُولُهُ ۚ﴾ (التوبة:3) فقرأ قوله «ورسوله» بالجر بدلًا من الرفع: فقال الأعرابي أوقد برئ الله من رسوله؟ فإني قد برئت ممن برئ الله منه.
 فبلغ ذلك عمر، فسأل الأعرابي عن قوله، فقص عليه الأعرابي قصته، فقال له عمر: ليست هكذا يا أعرابي. إنما هي بالرفع، فقال الأعرابي: أما الآن فنعم، فإني بريء، ممن برئ الله ورسوله منه، ثم أمر عمر ألا يقرئ الناس إلا عالم باللغة.

الرابط المختصر :