العنوان طوبي للغرباء
الكاتب شريدة عبد الله المعوشرجي
تاريخ النشر الثلاثاء 31-أغسطس-1976
مشاهدات 75
نشر في العدد 315
نشر في الصفحة 33
الثلاثاء 31-أغسطس-1976
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد..
عن أنس رضي الله عنه أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «بدأ الإسلام غريبًا وسيعود غريبًا كما بدأ فطوبى للغرباء».
الرسول -صلى الله عليه وسلم- يصف الإسلام في هذا الحديث بالغربة في أول أمره وآخره، وهذا واضح بالأخبار الصحيحة التي تلقيناها عن السلف الصالح رضوان الله عليهم، ومشاهد في واقعنا الذي نعيشه، فالرسول -صلى الله عليه وسلم- بعثه الله تعالى على حين فترة من الرسل، في جاهلية جهلاء، لا تعرف الحق ولا تحكم بالعدل ولا تؤمن بالله الواحد الأحد، بل كانت تنتحل ما وجدت عليه أباءها من أراء منحرفة ونحل مخترعة مبتدعة، وحين قام فيهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بشيرًا ونذيرًا قاوموه وعارضوه ونسبوا إليه ما ليس فيه، فتارة يرمونه بالكذب وهو الصادق المصدوق الذي لم يجربوا عليه كذبًا قط، وتارة يتهمونه بالسحر وهم يعلمون أنه لم يكن من أهله ولا ممن يدعيه، ومرة يقولون مجنون مع تحققهم من كمال عقله ورجاحته، ولما يئسوا من التشويش عليه، ومنع الناس من الاستماع إلى كلام الله تعالى استخدموا أساليب الإغراء، فعرضوا عليه الرئاسة فرفضها، وعرضوا عليه الأموال فلم يأخذها. عند ذلك أعلنوا له العداوة ورموه بسهام القطيعة، وصار أقرب الناس إليه أشدهم حربًا عليه. وكذلك الحال بالنسبة للصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين.
فأي غربة أكبر من هذه الغربة؟
ورغم هذا كله واصل رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته دعوتهم لقومهم، ومحاولة إنقاذهم وإرشادهم إلى الحق الذي يحملونه مدللين على ذلك بالحجج الدامغة والبراهين الواضحة، حتى أظهر الله دينه ونصر رسوله وأيد المؤمنين به، ثم انتشر الإسلام سريعًا ودخل الناس فيه أفواجا واستقاموا على الطريقة المثلى مدة حياة الرسول صلى الله عليه وسلم وأكثر قرن الصحابة رضى الله عنهم إلى أن ظهرت بذور الخروج عن السنة واتباع البدع المضلة كبدعة القدر وبدعة الخوارج، ثم لم تزل الفرق تكثر حسبما وعد به الصادق صلى الله عليه وسلم في قوله: «افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وتفرقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وستتفرق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة» - وانتشرت البدع وتفرق الناس شيعا، فصار أهل الحق في جنب أهل الباطل قليل، وهذه سنة الله في الخلق، وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين.
روي عن أبي الدرداء أنه قال: لو خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم عليكم ما عرف مما كان عليه هو وأصحابه إلا الصلاة، قال الأوزاعي: فكيف لو كان اليوم؟ قال عيسى بن يونس: فكيف لو أدرك الأوزاعي هذا الزمان؟ وأقول: كيف لو أدرك عيسى بن يونس زماننا الذي نحن فيه؟ والذي صارت البدعة فيه سنة، والسنة بدعة، بل صار التمسك بالإسلام رجعية، وتقليد الغرب حضارة، واعتناق مبادئ الشرق وطنية، الحجاب ورثناه من الاستعمار، والسفور ثورة على التخلف، إعفاء اللحى بشاعة وقذارة، وإسدال الشعور وتسريحها أناقة ونضارة، فأي غربة توازي هذه الغربة؟
وهذه ليست دعوة لليأس والقنوط، بل دعوة للبذل والتضحية، للصبر على البلاء، للتمسك بالحق ولو خالف الناس جميعًا.
يقول سفيان رحمة الله: "اسلكوا سبيل الحق، ولا تستوحشوا من قلة أهله"، وفقنا الله لما يحبه ويرضاه وثبتنا على طاعته واتباع رسوله إنه ولي ذلك والقادر عليه والحمد لله رب العالمين.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل