العنوان المجتمع التربوي.. عدد 1652
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر السبت 21-مايو-2005
مشاهدات 70
نشر في العدد 1652
نشر في الصفحة 54
السبت 21-مايو-2005
حفيظ الرحمن الأعظمي
azami30@hotmail.com
إيدز الحضارات والمجتمعات
المترفون كانوا سببًا في هلاك الأمم السابقة
الترف ظاهرة خطيرة مثل الطغيان كلتاهما ظاهرتان متلازمان، والترف كان القاسمالمشترك في الحضارات البائدة والأمم المنقرضة الغابرة، ولما كان المسلمون يتنسمون ذرى المعالي والمجد كانوا بعيدين كل البعد عن الترف وحياة البذخ والدعة، كان العمل ديدنهموالإخشوشان طينتهم، فتبوؤا قيادة العالم.
حتى إن الرسول –صلى الله عليه وسلم- كان يقضى أيامًا وليالي وهو جائع رغم أنه أحب الخلق إلى الله، ودعوته مستجابة عند الله إذ هو إمام الأنبياء، ولما امتدت رقعة الخلافة الإسلامية في عهد عمر بن الخطاب إلى إفريقيا بأدغالها ومجاهيلها غربًا، وإلى أرخبيل إندونيسيا شرقًا، حتى وصل المسلمون إلى جدار الصين لدك حصون بنى الأصفر، في مثل تلك الأبهة كان عمر-رضى الله عنه- وإخوته الخلفاء الراشدون يلبسون ملابس مرقعة، ولما استسلم المسلمون للدعة وأخلدوا إلى الراحة بدأوا يتدحرجون من عليائهم.
فالإنسان جسد وروح، والتوازن بين شقيه لازمة ضرورية لاستمراره فوق الكوكب، فقد دعا الإسلام إلى ضرورة إيجاد التوازن بين هذين الشقين، بحيث لا يطفئ جانب على آخر، وتفسد بالتالي حياة الإنسان، ولقد جاء منهج الإسلام وسطيًا قائمًا على الاعتدال، فلا إفراط ولا تفريط ولا إسراف ولا تقتير.
إشباع الحاجات
ومن هذا المنطق كره الإسلام الانغماس الكلي في المادية، ودعا إلى إشباع الحاجات في وسطية معقولة، وهذا الإشباع المحسوب المعتدل يعمل على تدعيم خيرية الإنسان، وقوة وسلامة المجتمع البشرى، وضمان إشباع حاجات كل البشر، وعلى هذا النحو لا تقتصر الثروة على قلة قليلة من البشر، لا يتداولها إلا الأغنياء والمترفون بل تدوربين الجميع ليأخذ كل واحد منها نصيبه.
فالثروة منحة من قبل الخالق جل وعلا للجميع، ولذلك جاء الخطاب الخاص بها بصيغة الجمع، والإنسان أيًا كان موقعه وأيا كان ثراؤه له منها ما يشبع حاجاته دون إسراف، وعليه أن يحافظ على هذه النعم والثروات التي مكنه الله منها لتؤول إلى غيره وهي صالحة وجيدة إن كانت من السلع المعمرة، وعليه أن يبذل عنايته وحرصه بالطبع دون أن يضمن النتائج، فالأعمال دائمًا بالنيات، وقد لا يرقى العمل إلى مستوى النية، وهكذا فإن الإسلام يحرص على أن يلتزم المسلم بمنهج إشباع الحاجات دون زيادة أو نقصان ليضمن للجميع نصيبًا عادلًا من الخيرات والثروات.
وقد شجب الإسلام الترف والمترفين، لأن الترف يقوم في الأساس على التبذير والإسراف وتبديد المال وحرمان الآخرين من إشباع حاجاتهم ولا يقتصر الأمر على ذلك، بل يتعداه إلى تفشي الأمراض الاجتماعية في أوساط المترفين فحاجات المترفين كمالية وتطلعية لا تعطي قدرًا كبيرًا من المنافع الحقيقية بل تتوجه توجهًا تبديديًا ومظهريًا باختلاس ثمن إشباع حاجات الآخرين الضرورية وتوجيهها كوسائل إشباع كمالية وترفيهية، هذا الاختلال في توزيع واستهلاك الثروات هو الذي دفع المترفين عبر العصور والتاريخ لمعارضة كل الدعوات السماوية التي نزلت من السماء لإقرار العدل والسلام في الأرض، وهو الذي يدفع اليوم القوى الكبرى للنهب وشن الحروب على دول العالم الثالث الفقيرة، ليزداد الأغنياء والمترفون غنى، ويزداد الفقراء والمحرومون فقرًا، والقرآن صور هذه الظاهرة في صورة رائعة في قول الله عز وجل: ﴿وَكَذَٰلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ﴾ (الزخرف:23).
والمترفون يتميزون بالأثرة، حيث حب الذات مركز التفكير والسعي، وعلى هذا النحو فإن غاية النشاط الإنساني عندهم ليست إلا تكديس الثروات وجلب المنافع، فالأثرة لا تعرف القيم والمثل العليا المتصلة بحياة بقية أفراد المجتمع، وحياة وهموم المجتمعات الأخرى، وإنما يتركز اهتمامها على الربح وتكديس الثروات والاستمتاع غير المشروع بالحاجات، فالمترفون يحبون كل ما يمتعهم إمتاعًا حسيًا وماديًا بغض النظر عما إذا كان متفقا مع الأديان والقيم والمثل أو كان مخالفًا لها وقد سيطر المترفون على المجتمعات القديمة مما أدى إلى غلبة الاتجاهات المادية فيها، ويتضح ذلك من خلال سلوك المترفين الذين أترفوا في الحياة الدنيا، ولم يحل بينهم وبين الاستمتاع بما أترفوا فيه أي حائل متجاوزين بذلك أنفسهم وغيرهم ظلموا أنفسهم باتباع شهواتهم وظلموا غيرهم بحرمانهم من الثروة، وبارتكاب الجرائم الاجتماعية وممارسة الشذوذ والتعرض للغير.
تفسخ المجتمع
وتكون النتيجة انتشار الاتجاه المادي وطغيانه وتفسخ المجتمع وانحلال قيمه، وظهور الأمراض الاجتماعية، وتضاؤل عناصر الخير، وتصدع بنية المجتمع، فالترف يؤدي حتمًا إلى فساد المجتمع وهلاكه على المدى الطويل، ووجود الترف في مجتمع ما معناه سقوطه وتصدعه، وتوالي نزول المصائب والكوارث عليه حتى ينتهي وتتدثر حضارته. قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾ (الإسراء:16).
ولقد سقطت إمبراطوريات وممالك ودول بسبب طغيان الاتجاه المادي بعد ما تفشت فيها الأمراض الاجتماعية والجريمة والظلم والفساد من الكذب والحسد والرشوة والمحسوبية والغشوالسرقة والفجور، فيلحق بذلك أفدح الأضرار بالإنسان كفرد والمجتمع والدولة أيضًا، لأن الدولة في نهاية المطاف ليست إلا مجموعة من الأفراد وما صح للفرد صح للمجتمع الذي يتكون منه، أو الدولة التي تستند إليه، وتفشي هذه الأمراض بين الأفراد ينعكس سلبًاعلى أداء الدولة وتوجهاتها وقد رأينا كيف انهارت دول وحضارات قديمة بسبب الترف، فإذا أضفنا إلى ذلك أمراض الترف البدنية كأمراض الجهاز الهضمي، والبدانة وتصلب الشرايين وغيرها أمكننا أن نعلم مدى خطورةالترف على الفرد والمجتمع على السواء.
شعور بالملل
وكلما أشبع المترفون طائفة من دوافعهم وميولهم وحاجاتهم تولدت لديهم حاجات ودوافع أخرى، لأن الانغماس في المادية يرتب بالضرورة إنسانًا استهلاكيًا يسعى دائما نحو إيجاد حاجات ودوافع وميول ليتسنى له إشباعها وإرضاؤها بكل الوسائل المتاحة، وقد تأتى على الإنسان أوقات لا يتمكن معها من إشباع هذه الحاجات والدوافع بسبب مرض أو هرم، أو لا يجد حاجات ودوافع جديدة، فتتكرر حاجاته وتتكرر وسائل الإشباع فيشعر بالسأم والضجر، ويقدم على الانتحار.
والمؤشرات الإحصائية تشير إلى الارتفاع المطرد في نسبة الانتحار في دول الغرب الغنيةومثل هذه الظاهرة لا توجد في المجتمع الإسلامي لأن الإنسان المسلم يعلم أنه عابر سبيل في هذه الدنيا، وهو يتوخى من خلالها الفوز برضا الله وأن وسيلته إلى ذلك عمله، لذلك فإنه يعمل ويجاهد ليحقق هذه الغاية وهو راض وسعيد، وهو يعلم كذلك أن خير الناس من طال عمره وحسن عمله فحياة المسلم في رحلته من المهد إلى اللحد هي للهوهي محكومة ومنضبطة بمنهج الإسلام.
وسوء توزيع الثروات في العالم اليوم أدى إلى اتساع الفجوة بين الفقراء والأغنياء، حيث شن الأغنياء الأقوياء الحروب ضد الفقراء والمستضعفين ليزداد المترفون ترفًا، في الوقت الذي انتشرت فيه أمراض الجوع وفقر الدم ونقص البروتينات والفيتامينات وأمراض التلوث البيئي بين فقراء العالم.
ولقد أصدر برنامج الأمم المتحدة للتنمية تقريرًا خطيرًا في عام ٢٠٠٠م أوضح فيه بلغة الأرقام كيف اتسعت الفجوة بين الفقراء والأغنياء بصورة هائلة وخطيرة وبشكل لا يبشر بالخير إزاء المستقبل بالنسبة للدول الفقيرة، ويضيف التقرير إن الفارق في الدخل بين الـ ٥ الأكثر ثراء من سكان العالم والـ 5% الأشد فقرًا ارتفع إلى نسبة ٧٤ إلى واحد في عام ١٩٦٠م. كما انخفض دخل الفرد في أكثر من ٨٠٪ من دول العالم عما كان عليه قبل عشر سنوات..
إيمان مغازي الشرقاوي
مفتاح
إذا ما أوصدت دونك الأبواب فافتحها بمفتاح الدعاء
ذهبت إلى المسجد لأؤدي صلاة الجمعة، وبعد الصلاة رجعت إلى منزلي وحدثت المفاجأة التي كانت بانتظاري حيث فتشت عن مفتاح البيت دون جدوى بحثت عنه مرارًا وتكرارًا فلم أجده وكأن، يدًا خفية اختلسته، أو أن الأرض انشقت وابتلعته.
وهنا وجدت نفسي في الشارع، وشعرت بالحيرة، هل أمكث عند الجيران، أم أظل- مكاني أمام البيت، أم أعود لتوي من حيث أتيت بحثًا عن المفتاح وقد سدت الأبواب في وجهي؟ أحسست حينها بالنعمة التي غالبًا لا نشعر بها إلا إذا فقدناها، وتساءلت في نفسي: أيمكن أن تكون هذه القطعة المعدنية التي تشكلت على هيئة مفتاح سببًا في فتح الأبواب المغلقة، وهل هي من الأهمية ببال حيث يتسبب فقدها في كسر تلك الأبواب أو طول انتظار حتى يأتي فرج الله ويمن باسترداد الضالة والحصول عليها بعد ضياع؟ وهنا كان لا بد من وقفة. فإذا غاب عني ذلك المفتاح وعجزت عن إدراك مكانه أو تحديده دون بحث وتنقيب، فكيف بمن يدعي معرفة علم الغيب ويتأله بذلك على الناس ويخرج على البسطاء والجهال منهم بأقوال كاذبة وخزعبلات شركية مضلة!
مفاتيح الغيب: قال تعالى: ﴿وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ ۚ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ۚ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ﴾ (الأنعام: 59). وفي هذا يقول لنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إن مفاتيح الغيب خمس لا يعلمهن إلا الله ﴿إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ ۖ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا ۖ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (لقمان: 34).
تذكر ذلك وإذا ما أمسكت يدك بمفتاح البيت فحافظ عليه، واعلم أن ثمة مفاتيح أخرى كثيرة في متناول أيدينا أنعم الله بها علينا احرص على أن تملكها، وتمسك بها وعلى رأسها ذلك المفتاح العظيم لا إله إلا الله محمد رسول الله، إنه مفتاح الجنة الحقيقي الذي من فقده ضل وتاه في صحراء الحياة وكان في الآخرة من الخاسرين، وأغلق دونه باب الجنة.
مفتاح الفضائل: الحياء قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الحياء لا يأتي إلا بخير» (البخاري)، وقال: «استحيوا من الله حق الحياء. قالوا: إنا نستحي يا رسول الله والحمد لله، قال: «ليس ذلكم من استحيا من الله حق الحياء فليحفظ الرأس وما وعى وليحفظ البطن وما حوى وليذكر الموت والبلى، ومن أراد الآخرة ترك زينة الدنيا، فمن فعل ذلك فقد استحيامن الله حق الحياء» (الترمذي).
مفتاح الخير: الدعاء إذا ما أوصدت دونك الأبواب، فافتحها بمفتاح الدعاء واللجوء إلى الفتاح سبحانه وتعالى الذي لا يخيب منرجاه أو طرق بابه، واحرص على تخير الأوقات التي يسهل فيها فتح تلك الأبواب.
مفتاح القلوب: وطيب الكلام أما إذا استغلقت عليك قلوب العباد فافتحها بطيب الكلام «الكلمة الطيبة صدقة»، وببسمة حانية «وتبسمك في وجه أخيك صدقة»، وبإفشاء السلام «أو لا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم أفشوا السلام بينكم» (مسلم) وبالهدية «تهادوا تحابوا» (مالك) «تهادوا فإن الهدية تذهب وحر الصدر» (الترمذي وأحمد).
مفتاح الرضا: بر الوالدين قال رسول الله–صلى الله عليه وسلم-: «من أرضى والديه فقد أرضى الله ومن أسخط والديه فقد أسخط الله» (البخاري).
مفتاح الغنى القناعة يقول الرسول–صلى الله عليه وسلم-: « ليس الغنى عن كثرة العرض.. إنما الغنى غنى النفس، رواه البخاري ومسلم، ويقول: عليك باليأس مما في أيدي الناس فإنه الغنى وإياك والطمع فإنه الفقر الحاضر» (الحاكم).
مفتاح الزيادة: الشكر قال تعالى: ﴿لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ (إبراهيم: ٧)، وجاء في الأثر: يقول الله عز وجل: «أهل ذكري أهل مجالستي وأهل شكري أهل زيادتي.....»، والشكر كما بينه ابن القيم رحمه الله هو ظهور نعمة الله على لسان عبده ثناء واعترافًا، وعلى قلبه شهودا ومحبة وعلى جوارحه انقيادًا وطاعة.
هذه بعض المفاتيح التي يذكرنا بها مفتاح البيت، وما زال في سلسلة المفاتيح الكثير، ومن مفاتيح الخير اكتنز واجمع، ومن الأشياء يعرف ضدها فاحذر مفاتيح الشر واكسرها وكن لهجرها من الداعين.
ظاهرة التآكل الروحي (٣ من ٤)
خطورتها.. وأعراضها
تعطل وجود الربانيين.. وتؤدي إلى شعور بالغربة
الخطورة تأتي من أن هذا التآكل يهدد الأساس الذي يخرج ناشئة الليل وهم
الربانيون.
ويعطل حركة انبعاث أو عملية إيجاد هؤلاء الربانيين الذين سيحملون القول الثقيل، وهي الأمانة التي كان من قدر الإنسان أن يحملها وهو المنهج الرباني، أو هو القرآن الكريم الذي أنزله سبحانه ليس إلى البشرية فقط، بل إلى الوجود كله، وتدبر مغزى هذه التوجيهات الكريمة المبكرة في عمر الدعوة والداعية: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا نِّصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا﴾ (المزمل:1_6).
فكيف سيتخرج هذا الرباني المنشود دون قيام ليل ودون ترتيل للقرآن الكريم وتدبر له؟! وكيف سيحمل المنهج الرباني، دون المرور على محطة السحر التي هي أفضل الأوقات واللحظات ليتوافق السمع مع البصر مع اللسان مع الفؤاد أي كل كيانه لفقه الرسالة وفهم المنهج؟!
وكيف يسير وحده على طريق مبارك يلزمه مشاركة الوجود معه، ودون التوافق مع سننه سبحانه الإلهية؟!
وكيف سيتوافق مع هذه السنن الإلهية ويستشعر مشاركة الوجود معه في عبادته من قيام واستغفار بالسحر وترتيل للقرآن الكريم إلا في تلك اللحظات الخاصة؟!
وكما ورد عنه –صلى الله عليه وسلم-: أن هذه اللحظات يحتكرها فقط عباد الرحمن
هل ظاهرة التآكل الروحي.. سنة إلهية؟!
وعندما نقول إنها سنة إلهية، فإننا نقصد أن هذه الظاهرة هي محصلة لفعل قوانين ربانية، وقواعد إلهية ثابتة، أو هي نتيجة لوجود أسباب بشرية وزمانية ومكانية انطبقت عليها القوانين الإلهية فكان الجزاء في صورة تلك
الظاهرة، وتذكر أن السنن الإلهية هي:
1- سنن إلهية كونية: تنظم عالم المادة في الآفاق.
2- سنن إلهية اجتماعية: تنظم عالم الأحياء أو الأنفس.
وهذه السنن الإلهية تتميز بسمات ثلاث هي العموم والثبات والاطراد أي التكرار إن وجدت الظروف البشرية والمكانية والزمانية.
وعندما نقول إن ظاهرة التآكل الروحي سنة إلهية اجتماعية نقصد أنها من القوانين الربانية والقواعد الإلهية المنظمة لعالم الأحياء، أو الأنفس، خاصة البشر أي أن لها أسبابًا أوجدتها.
وهذه الأسباب أوجدت خللًا.
وهذا الخلل أوجب العقاب الإلهي أو الجزاء.
وهذا العقاب تحكمه قوانين تعرف بالسنن الإلهية الاجتماعية.
والأسباب أو الظروف البشرية هنا هي التقصير بكل درجاته. والنتيجة المترتبة هي حالة القسوة القلبية والانفصال عن المنظومة الكونية العابدة والمعادلة أو القانون أو سلسلة
تتابع هذه السنة الإلهية هي كالتالي:
أسباب تعود إلى العبد
خلل تربوي.
عقاب إلهي على هيئة جزاء من جنس العمل. وتدبر هذا الحوار بين العبد وربه فلقد تساءل العبد ما جرمه وما سبب هذا العقاب وكانت الإجابة منه عز وجل والتي تنطبق على كل من أسرف في الذنوب، وقصر في الطاعة. ولهذا يقول: ﴿قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَىٰ وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا﴾ (طه:125): أي في الدنيا: ﴿قالَ كَذَٰلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا ۖ وَكَذَٰلِكَ الْيَوْمَ تُنسَىٰ﴾ (طه:126) أي لما أعرضت عن آيات الله وعاملتها معاملة من لم يذكرها بعد بلاغها إليك تناسيتها وأعرضت عنها وأغفلتها كذلك اليوم تعاملك معاملة من ينساك: ﴿فَالْيَوْمَ نَنسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَٰذَا﴾ (الأعراف: ٥١)، فإن الجزاء من جنس العمل[1].
ثم يبين الحق سبحانه هذا القانون القرآني العام الآخر، أو السنة الإلهية الاجتماعية الأخرى والتي تنطبق على كل من أسرف في غية وكذب بآياته سبحانه ﴿وَكَذَٰلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِن بِآيَاتِ رَبِّهِ ۚ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَىٰ﴾ (طه: 127).
أعراض هذه الظاهرة
أولًا: الأعراض العامة:
وهي الآثار العامة الكثيرة للذنوب أي العقوبات التي تغفل عنها ولا ندري ما سببها. والتي منها: حرمان العلم والفقه في الدين. ووحشة يجدها العاصي في قلبه بينه وبين الله سبحانه، والوحشة بينه وبين الناس، واستشعار الظلمة بالقلب، وضعف البصيرة، وحرمان الطاعة، ووهن القلب والبدن، وقصر العمر ومحق البركة والوقوع في سلسلة الذنوب وزيادة إرادة المعصية، وهوان العبد على الله عز وجل، واستصغار الذنوب، وذهاب الحياء والحرمان من دعاء الرسول-صلى الله عليه وسلم- والملائكة واستغفارهم للمؤمنين والمؤمنات، وعدم توفير القلب لله سبحانه، ونسيان الله سبحانه لعبده، وزوال النعم وحلول النقم[2]
ثانيًا: الأعراض الخاصة
وهي التي نقصد بها الأعراض التي تؤثر على الجانب الدعوي التربوي
ويمكن تقسيمها إلى قسمين:
الأول: استشعار الغربة الداخلية مع النفس: مثل:
1. عدم الشعور بحلاوة العبادة مثل الفرائض، وقراءة القرآن الكريم والذكر.
2. تسرب اليأس إلى النفس.
3. فقدان الأمل بموعوده سبحانه وموعود نبیه - صلى الله عليه وسلم-.
4. عدم الشعور بلذة البذل الدعوي، وكأنه عمل روتيني وظيفي.
5. عدم الإقبال على حضور اللقاءات التربوية ومجالس العلم والذكر.
6. التقصير في عمل اليوم والليلة من صلاة وذكر وقراءة قرآن كريم.
7. عدم الشعور باللهفة للقاء أولياء الله من الدعاة والصالحين المتحابين في الله.
8. الشعور بالضيق والحزن والاكتئاب واستفحال هموم الدنيا والرزق
9. الفتور في العبادة
الثاني استشعار الغربة الخارجية، وهذا على أنواع ومراتب
(أ) الشعور بالغربة مع المؤسسة التربوية مثل:
1. عدم الهمة في إنجاز التكاليف.
2. التقصير في الواجبات.
3. المطالبة بالحقوق.
4. كثرة النقد.
5. استشعار الجفوة بينه وبين أعضاء المؤسسة، وضعف رابطة الأخوة والمحبة.
6. الفتور في الدعوة.
(ب) الشعور بالغربة مع المجتمع مثل:
ضعف الشعور بمفهوم الخروج إلى الناس ومقتضياته مثل:
1. التقصير في الواجب الدعوي والمهمة.
2. الرئيسة للمسلم مع مجتمعه من أمر بمعروف ونهي عن منكر.
3. التقصير في فعل الخير.
4. ضعف الشعور بحب الناس والقرب منهم.
5. الفتور المتمثل في الانعزال، وبغض مخالطة الناس.
(ج) الشعور بالغربة مع الوجود الكبير مثل:
1. الشعور بعدم الأنس بالوجود الكبير مثلما حدث مع كعب بن مالك -رضي الله عنه-.
2. عدم التفاعل مع الخلائق والاندماج في المنظومة العابدة، وغياب الشعور بلذة العبودية الجماعية الشاملة.
وتدبر هذا الأنس المؤمن، والتفاعل بين الخالق ونعمه، ومع الخلائق وامتنانهم بنعم خالقهم.
وتأمل هذا الربط الطيب بين ذكر الرحمن، وبين ذكر نعمة تعليم القرآن الكريم وتفهيمه، ونعمة خلق الإنسان، ونعمة تعليمه النطق والبيان، وبين حركة الشمس والقمر المقدرة بإتقان وحساب دقيق، وسجود النجم والشجر ونعمة رفع السماء بلا عمد، ووضع الموازين والمقاييس السماوية الربانية للوجود ثم الأمر بالطاعة لهذه الموازين والسنن بالقسط والعدل، ثم ربط هذا كله بنعمة عظيمة مغفول عنها: ألا وهي نعمة تمهيد الأرض للخلائق للعيش بسلام.
كل ذلك في منظومة عابدة ساجدة لا يشذ عنها إلا هالك، ولا يغفل عنها إلا جاحد، ولا ينكرها إلا ضال.
قال تعالى: ﴿الرّحْمَنُ عَلّمَ الْقُرْءَانَ خَلَقَ الانسنَ عَلّمَهُ الْبَيَانَ الشمْس وَالْقَمَرُ بحُسبَانٍ وَالنّجْمُ وَالشجَرُ يَسجُدَانِ وَالسمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضعَ الْمِيزَانَ أَلا تَطغَوْا فى الْمِيزَانِ وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسطِ وَلا تخْسِرُوا الْمِيزَانَ وَالأَرْض وَضعَهَا لِلأَنَامِ (الرحمن:1_10)
[1] تفسير القرآن العظيم ابن كثير. سورة طه ١٢٥ - ١٢٦
[2] الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي: الإمام ابن القيم رحمه الله. المكتبة السلفية - القاهرة - الطبعة الثالثة ١٤٠٠هـ. ٦٠ إلى ١٢٥ بتصرف كبير.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل