العنوان ظاهرة تغريب المجتمعات الإسلامية ... الأسباب والعلاج
الكاتب د. عادل الزايد
تاريخ النشر الثلاثاء 11-أبريل-1995
مشاهدات 52
نشر في العدد 1145
نشر في الصفحة 54
الثلاثاء 11-أبريل-1995
المجتمع التربوي
ثقافة الشباب والأسر «1 من 2»
يتحدث الجميع في هذه الأيام عن علاقة الإسلام بالغرب، وعلاقة الغرب بالإسلام، وهناك من يتحدث عن ضرورة تقريب وجهات النظر، وزيادة عدد قناطر الاتصال والتقارب بين المجتمعات الإسلامية والمجتمعات الغربية، والسماح بقدر أكبر من التخالط، وفي ذات الوقت تتعالى أصوات رافضة لأي تقارب مع الغرب، مخافة أن تتأثر المجتمعات بما يعرف بالتغريب.
وقد وجدنا أنفسنا ملزمين بضرورة الحديث عن هذه القضايا الفكرية، فكانت حلقة النقاش هذه التي دارت حول محورين رئيسيين:
الأول: لماذا حدث التغريب في مجتمعاتنا؟ وما هي أسبابه؟!
الثاني: ما هي الحلول التي تمكننا من تجاوز التأثير السلبي للتغريب على الشباب والمجتمع؟!
وقد تناقشنا حول هذين المحورين مع كل من الأستاذ صلاح الراشد، والدكتور محمد الثويني، والمهندس حمود التوحيد.
المحور الأول:
المجتمع: الجميع يتحدث اليوم عن التغريب في المجتمعات الإسلامية، ويتحدث عن أثر هذا التغريب في المجتمعات الإسلامية، والسؤال لماذا ظهر التغريب بين شبابنا وفي أسرنا؟
د ثويني: أنا سأطرح القضية من ناحية المجتمع الكويتي كمثال، وهنا لا بد أن نعرف بأن هذه الأسر وهؤلاء الشبان يعيشون في المجتمع الكويتي، والمجتمع الكويتي جزء من المجتمع العربي الإسلامي، الذي هو بدوره جزء من المجتمع الدولي، فالذي يسري في المجتمع الدولي سينتقل بلا شك بالتدريج إلى المجتمع العربي، ومن ثم ينتقل إلى المجتمع الكويتي؛ فيتأثر به الشباب.
وفي الآونة الأخيرة لنقل خلال الـ ٥٠ أو ٦٠ سنة الأخيرة، بدأت تكنولوجيا الغرب تنتقل إلى العالم الثالث بشكل عام، وظهور التكنولوجيا أحدث تغييرًا جذريًا في أسس تقييم الفرد، فبعد أن كانت الأسس التي يُقيم عليها الفرد هي المبادئ والمفاهيم والأعراف، وقبل ذلك دينه واعتقاده، أصبح الآن التقييم قائم على أسس مادية بحتة.
هذه النقلة العلمية أدت إلى أن: ينصب اهتمام الدول على المادة، وعلى الآلة، وبدأ الاهتمام بالإنسان ينحدر، فالآلة وفر لها كل مستلزماتها، ولكن أهملت مستلزمات الإنسان، وهذا تمامًا ما حدث في المجتمع الكويتي؛ حيث انصب الاهتمام على استيراد الآلة دون أي التفاتة إلى تنقية هذه الآلة مما قد تؤثر به سلبيًا على المجتمع، وهكذا أصبح جزء من حياتنا اليومية أن نمارس هذه الإيجابيات والسلبيات، دون أن يكون هناك تمييز بينها.
المقبول والمرفوض من التغريب
صلاح الراشد:
أولًا: لا بد أن نضع سؤالًا جديدًا، ونقول: هل التغريب في حياة الشباب والأسر مقبول أم مرفوض؟!
وقطعًا فإن الإجابة ستكون أن هناك شيء من التغريب مقبول، وهناك أشياء من التغريب مرفوضة، فالرسول- صلى الله عليه وسلم- يقول: «الحكمة ضالة المؤمن، فأنى وجدها فهو أحق الناس بها»، ولاشك أن هناك من الحكمة موجود عند غيرنا، فالرسول- صلى الله عليه وسلم- استخدم الخندق على الطريقة الفارسية، والمنبر على الطريقة الرومية، ولو وجد في ذلك الوقت حكمًا من شعوب أخرى لاستخدمها الرسول- صلى الله عليه وسلم- فإذًا «التغريب» ليست كلمة سلبية تمامًا، وليست كلمة إيجابية كليًّا، وإنما فيها من هذا وذاك.
فإذا ضربنا أمثلة على الإيجابيات في المجتمع الغربي سنجد:
- أنهم قاموا بتأصيل فنون التعاملات الزوجية، أوجدوا لها معاهد وكورسات، وهذا لا شك أنه شيء إيجابي.
- ونظام الإرشاد الذي تكاد تكون منه مجتمعاتنا الإسلامية خالية.
- كذلك تأطيرهم للثقافات فتسمع عن Education Family Education Parents.
وهكذا فهم يعطون الجميع وسائل لوضع حلول للمشاكل التي ممكن أن تصادفهم في حياتهم، وهذه أيضًا مفقودة في مجتمعاتنا، والأمر متروك للتجربة الفردية في معالجة هذه المشاكل.
ولا مانع من أن نستفيد من هذه الإيجابيات في مجتمعاتنا، بل ونستقبلها بصدر رحب، ونضعها ضمن الأطر الإسلامية، ونغلفها بغلاف عقيدتنا ومبادئنا..
طبعًا هناك بعض الأمور غير المقبولة في المجتمعات الغريبة، وهي التي نرفضها عقلًا وشكلًا، فمثلا الغرب عندما بدأ بشكل تعريفاته الثقافية فإنه أخذ مجاله الواسع بدون حدود؛ حتى أصبح تلمس تعريف واضح للحرية لدى الغرب أمرًا في منتهى الصعوبة.
الخواء الفكري.. والهزيمة النفسية
المهندس حمود التوحيد:
أحب أن أضيف نقطة مهمة، وهي قضية الخواء النفسي، فبعد الإحباط الذي أصاب المسلمين بهزيمتهم في الأندلس سقطت الهوية داخل أنفسنا؛ فبحثت الأسر، وبحث الشباب عن هوية جديدة، وبالتالي تهيئة النفوس لاستقبال أي فكر دخيل دون أن تجهد نفسها بالتمييز بين الغث والسمين الذي دخل على ثقافتنا الإسلامية.
ومن خلال تجربتي الشخصية فأستطيع أن أقول: إن الشباب الكويتي-والخليجي بشكل عام- عندما سافر بالآلاف لتلقي الدراسة في الخارج وهو يعاني من هذا الخواء النفسي، سقط فريسة لهذه الأفكار دون أية مقاومة تذكر، وهذا ما حدث تمامًا للمجتمع الياباني بعد هزيمتهم في الحرب العالمية الثانية، صحيح أنهم نهضوا تكنولوجيًّا، وغزوا الغرب بهذه التكنولوجيا، إلا أنهم انهزموا في المعركة الثقافية، وفقدت أسرهم تلك القيم اليابانية التي كانوا يفتخرون بها.
المجتمع: هنا لا بد أن نسأل عن المتهم فيما أصاب الأسرة والشباب من تغريب سلبي إن صح التعبير؟
د. ثويني: على مدى السنوات العشرين الماضية ونحن نشير بأصابع الاتهام نحو الشباب، ونحمله مسؤولية ما أصابه من تغير في أفكاره، فهل نحن محقون فيما ذهبنا إليه أم أننا نتجنى على الشباب؟
أنا لا أبرر تصرفات الشباب، ولكن أنا أقول: لا بد أن نعلم أننا أيضًا جزء من هذه المشكلة.
الحلم بالتحلم والعلم بالتعلم
فبالمختصر المفيد هؤلاء الشباب يفتقدون القدوة التي تلقنهم وتعلمهم وترشدهم، فالرسول- صلى الله عليه وسلم- يقول: «الحلم بالتحلم، والعلم بالتعلم»، فالشباب بحاجة إلى التوجيه النفسي والتوجيه الذهني والعقلي، فالرسول- صلى الله عليه وسلم- كان يحرص على مخالطة الشباب في تجمعاتهم، وهو يقوم بالتوجيه المباشر، فعندما مر الرسول- صلى الله عليه وسلم- على مجموعة من الشباب قال لهم: «ارموا بني إسماعيل، إن أباكم كان راميًا، فتقول المجموعة الثانية: كيف نرمي يا رسول الله وأنت معهم؟ فيقول: ارموا، وأنا معكم جميعًا».
لكن اليوم أين هي القدوة التي تلعب هذا الدور؟ من الذي يقوم بهذا التوجيه المباشر؟ نحن تركنا هذا الدور ليلعبه كتاب جامد، وقد يكون لا يتناسب مع روح العصر، تركناه للتلفزيون، تركناه لكثير من الوسائل الأخرى، وتركنا التوجيه المباشر بيننا وبين الشباب.
هذا جانب، والجانب الآخر هو غياب الدور الأسري في توجيه أبناء هذه الأسرة.
الأستاذ صلاح الراشد:
أولا أنا أحب أن أقسم الشباب إلى نوعين:
۱- شباب نافع
۲- شباب تائه
وذلك لكي لا نتهم مجمل الشباب بالتيه، ففي الحقيقة نحن نملك مجموعة من الشباب المنتج المعطاء، وهذا ليس فقط في الكويت، وإنما في عموم العالم العربي، يعني نحن لابد أن نشعر بشيء من الاعتزاز عندما نتكلم عن شخص عربي استطاع في شبابه- ومن خلال حساباته- أن يكون وراء أول مكوك يحط على القمر، وهو العالم العربي فاروق الباز، وغيره من العرب الشباب الذين استطاعوا أن يقدموا الكثير للبشرية في مجالات عدة، وكنت أحبذ لو ركزنا حديثنا على هذه النماذج الإيجابية كي نبث الإيجابية في نفوس الشباب.
أنا أصنف الأسباب التي أدت إلى تغريب فكر الشباب إلى:
1- الدور الذاتي.
2- الدور الأهلي.
3- الدور الحكومي.
الدور الذاتي هو الذي أشار إليه الأخ حمود في حديثه، وهو ضياع هوية الشباب المسلم، لم يعد عنده هدف وغاية رئيسية في حياته، وهذا بلا شك سيؤدي إلى ضياع الشاب.
الدور الحكومي حقيقة أهمل مسألة الشباب إهمالًا شبه تام، فعلى سبيل المثال فقد احتجنا أن ننتظر إلى عام 1993م حتى تخرج الهيئة العامة للشباب، وتنظر مثلًا للوزارات المسؤولة نجد وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، والذي من المفترض أن يكون دورها الرئيسي هو الشؤون الاجتماعية، ويمثل الشباب فيه النصيب الأكبر، أهملت هذا الدور شبه إهمال كامل، وصبت اهتمامها على ناحية العمال والعمالة وغيرها من الأمور، وهذا الاستنتاج توصلت إليه من مشاهدة عن قرب، لا عن استنتاج من أحاديث الغير.
ووزارة التربية المسؤولة عن تربية الأجيال، تجد الشباب يمضي 22 سنة من عمره في المدارس، ثم يتخرج وهو لا يعرف شيئًا عن تاريخه، ولا عن لغته، ولا دينه، بل إن موضوع التربية ازداد انقلابًا في الآونة الأخيرة.
وهل دور وزارة الداخلية هو الزج بالمجرمين في السجون فحسب، أعتقد أن هذا الأمر لا بد من إعادة دراسته من قبل المسؤولين عن هذه الوزارة، بل إن هذه السجون لا تلعب الدور المطلوب منها في إعادة تأهيل هؤلاء المسجونين فـ 70– 80% منهم يعودون للسجن مرات ومرات بعد الخروج منه.
ودور الإعلام في توجيه الشباب، نحن مازلنا نستورد إعلامنا من الخارج، قابلين أفكارًا غربية لتربية أبنائنا، و أين دور وزارة الأوقاف في توجيه الشباب؟ الآن خصصت صناديق كثيرة لأمور عديدة، ولكن لم يخصص صندوق واحد الشباب، إننا نختصر كل ذلك بالقول أن الدور الحكومي في توجيه الشباب شبه ضائع.
أما بالنسبة للدور الأهلي فهناك فجوة كبيرة بين العلماء والشباب... والعلماء لهم دور كبير في توجيه الشباب، وهو الذي أشار له د. ثويني في حديثه عندما تحدث عن دور القدوات في تربية الشباب وتوجيههم، وهذا أيضًا ما أشار له الحسن البصري عندما قال: «اثنان إذا صلحا صلح حال الأمة: العلماء والأمراء».
دور جمعيات النفع العام
ويدخل أيضًا تحت الدور الأهلي جمعيات النفع العام، وجمعيات النفع العام في الدول المتحضرة تدعم من قبل الحكومات؛ لأن الحكومات تدرك أن العمل الحكومي لا يتغلغل في المجتمعات، وإنما الذي يتغلغل هو جمعيات النفع العام؛ لأنها جزء منه، ولذلك فهذه الحكومات تحرص على دعم هذه الجمعيات، فعلى سبيل المثال في أمريكا فإن أي مواطن له الحق أن يقوم بدفع الضرائب المفروضة عليه من قبل الحكومة لإحدى جمعيات النفع العام بدلًا من دفعها.
وعندما تصوغ الحكومة الأمريكية خطتها السنوية، فإنها تضع كثيرًا من بنودها لمنفعة جمعيات النفع العام، أما في دولنا العربية فإن هناك بين الحكومات وجمعيات النفع العام صدام مبطن، وهذا يمثل عرقلة رئيسية لدور الجمعيات في دعم المجتمعات.
وعن تجربتي الشخصية فأقول: إنه عندما أردنا أن نقوم بعمل شعبي في بريطانيا من خلال لجنة التعريف بالإسلام، قدمت لنا الحكومة البريطانية تسهيلات من أجل تحقيق ذلك من السماح للتجار المسلمين بدفع ضرائبهم لنا، بل إن الأمير شارلز بعث برسالة خاصة لنا في اللجنة يشكرنا فيها، في حين نحن هناك في الكويت لا نلقى أية مساعدة، بل يضيق علينا في بعض الأحيان.
المهندس حمود التوحيد:
في اعتقادي أن هناك عتابًا للاستراتيجية الخاصة بحماية الشباب.
فمثلًا التاريخ الأمريكي مفروض على كل طالب في الجامعة دراسته حتى على الأجانب الدارسين هناك، دراسة التاريخ تجعلك أكثر التصاقًا بالمجتمع الذي تنتمي إليه، ولكن أين نحن من إلصاق شبابنا بتاريخه؟
ناهيك عن دور الإعلام الذي جعل الشباب أكثر قربًا من الحضارات الغربية- منه إلى حضارته الأم- بما استورده من منتجات إعلامية من الخارج.
وهناك قضية مهمة أحب أن أشير إليها بحكم کوني رئيسًا لإحدى الجمعيات التعاونية، وكوني في جسد الحركة التعاونية، أقول: إن دور الجمعيات التعاونية في تنمية المجتمع شبه مهمل على الرغم من أننا نملك في الكويت ما يقرب من ٤٣ جمعية تعاونية منتشرة في مختلف مناطق الكويت، إلا أن اللائحة الداخلية لهذه الجمعيات لا تنص على بنود واضحة للعمل الاجتماعي داخل المناطق، إنما الأمر متروك للاجتهادات الذاتية لمجلس الإدارة، وهذا في العادة لا ينتج عن عمل مؤثر على عموم المجتمع .
البطاقات الشخصية
الشيخ صلاح الراشد:
- بكالوريوس علم اجتماع وماجستير دراسات إسلامية..
- أخصائي البرمجة العصبية للذهن.
- أمين عام لجنة التعريف بالإسلام.
- مقدم ومعد برنامج الهلال المشرق (The bright crerent) في البرنامج الثاني بتلفزيون الكويت.
۲. د. محمد الثويني:
- دكتواره في السلوك الحركي (علم النفس الرياضي).
- عضو اللجنة الاستشارية لمدير عام الهيئة العامة للشباب والرياضة.
- نائب رئيس لجنة مصابيح الهدى.
3- المهندس حمود التوحيد :
- بكالوريوس هندسة معمارية.
- رئيس مجلس إدارة جمعية السرة.
- عضو اللجنة المعمارية بجمعية المهندسين.
- عضو لجنة التحكيم جمعية المهندسين.