; عاصفة الصومال الحبيبة ومسؤولية الأمة نحوها | مجلة المجتمع

العنوان عاصفة الصومال الحبيبة ومسؤولية الأمة نحوها

الكاتب د. علي محيي الدين القرة داغي

تاريخ النشر الثلاثاء 15-ديسمبر-1992

مشاهدات 57

نشر في العدد 1029

نشر في الصفحة 34

الثلاثاء 15-ديسمبر-1992

بعد المناقشات المكثفة داخل أروقة الأمم المتحدة، صدر قرار من مجلس الأمن يتبنى عملية عسكرية على غرار «عاصفة الصحراء»، لكنها ليست ضد دولة معتدية وإنما ضد الصوماليين العسكريين أنفسهم الذين عاث أكثرهم فسادًا، وأجرموا بحق شعبهم، بل أمتهم الإسلامية جمعاء، فانشغل بعضهم ببعض وخاضوا حروبًا مدمرة ضد إخوانهم في الدين والقومية والوطن وجعلوا الصومال على حافة الهاوية من جميع النواحي الأمنية والاقتصادية والاجتماعية، ووصلت حالة الشعب إلى أسوأ حالة يعيشها شعب في هذا القرن، حتى أصبح عدد من يموتون يوميًا بالمئات والآلاف، بل أصبح حوالي مليوني شخص صومالي في خطر محدق يأكلون الموتى من الحيوانات والإنسان والأشجار والنباتات- إن وجدت.

والغريب أن كل ذلك يحدث في الصومال المسلمة ذات الأراضي الخصبة التي كانت تسمى في يوم من الأيام بسلة إفريقيا الخضراء، لكنها الحروب الداخلية والفتن وحب الزعامات والأنانية على حساب مصالح الوطن والأمة، التي أدت إلى هذه المآسي والمهاوي والخطوب، والتي يعود ضررها على الجميع، ولا يستفيد منها إلا الأعداء، ويكون مثل هؤلاء الأنانيين مجرمي الحروب ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ (سورة الحشر: 16) فيكونون أسوا من ذلك الإنسان الذي غرر به الشيطان بل من الشيطان نفسه الذي اعترف بخوفه من رب العالمين، ويحافظه على مصالح ذريته. 

لقد كانت بداية النهاية عندما قام الرئيس الصومالي السابق سياد بري بإذلال الشعب، وتبنى عقيدة الشيوعية وإعلان الحرب على عقيدة الشعب الصومالي والدعوة الإسلامية حتى أدى الصراع إلى حرق بعض الدعاة، ناهيك عن الإعدامات والسجون التي فتحت أبوابها على مصراعيها للدعاة والمخلصين، ثم دخل في حروب فاشلة داخلية وخارجية، وأغرق البلاد بالديون العسكرية لشراء الأسلحة والدبابات والطائرات حتى أصبح جيشه من أقوى الجيوش الإفريقية، فكان همه السياسي الأول والأخير التفكير في الحفاظ على نفسه وكرسيه، وفي سبيل ذلك هان عليه كل شيء، فمرة كان مع الشرق الشيوعي، ثم انقلب فأصبح عميلًا للغرب، وغدا مستعدًّا لإعطاء قواعد للأعداء، وأحيا النعرات القبلية في الصومال، وأصّلها وجعلها ورقة يستعملها لصالحه، واستطاع من خلال كل هذه الوسائل أن يبقى على كرسي الحكم حوالي عشرين سنة عاث فيها فسادًا وتفريقًا، وتخريبًا للذمم وإفسادًا للفطرة السليمة بحيث حينما ثار الشعب عليه وانهزم ترك الصومال على حافة الهاوية والحروب الداخلية والمشاكل والفقر والمجاعة وانفصال بعض أقاليمها.. 

ثم جاءت الحروب الأهلية، والقتال بين العسكر الذين يريد كل جماعة منهم الوصول إلى كرسي الحكم ضاربين عرض الحائط بمصالح البلد والوطن والأمة، فبدأ القتال بينهم والتدمير على أشده، وانفلت زمام الأمن تمامًا فسادت الفوضى والاضطراب، وعم الفساد، وبدأ النهب والسرقات، فقضى كل ذلك على ما تبقى لدى الشعب المسكين من أموال، بحيث ما لم تدمره الحرب سرق ونهب، ولاسيما أن الزراعة الاشتراكية التي طبقها النظام السابق قد فشلت، والأمطار لم تنزل، والأيادي العاملة أشغلت بغيرها، فقضي تمامًا على البنية التحتية إن كانت قد بقيت بعد سياد بري، بل قضي علي كل مقومات الدولة، ومع كل ذلك لم ينته المتقاتلون ضد الحكومة الحالية إلى أن أصبحت الصومال يبحث أمرها لتوضع تحت الحماية الدولية والوصاية، وليعود المستعمرون إليها تحت غطاء حماية الإغاثة الإنسانية.

وقد تثار تساؤلات عدة في غاية من الوجاهة: لماذا هذه الاستجابة الأمريكية لإرسال قوة ضاربة كبيرة من 20 إلى 30 ألف جندي دون أن تطلب الحكومة الرسمية الصومالية ذلك؟ ولماذا هذا الحجم الكبير؟ ولماذا لم تستجب أمريكا ولا أوروبا للنداءات الحكومية في البوسنة والهرسك؟

بل إن المأساة فيها أكبر بكثير من مأساة الصومال حيث يباد شعب بأيدي حكومة أجنبية، ويقضى على دولة عضو في الأمم المتحدة ولاسيما أن الجميع يعلم أن المبدأ الأساسي لسياسة تلك الدول الكبرى هي مصالحها أولًا وأخيرًا، ولذلك يبحث المحللون السياسيون عن وجود مبررات كافية، وفي اعتقادي أن أهم مبرر هو أن الصومال تقع في منطقة استراتيجية هامة جدًا، فهي تتحكم في باب المندب، ولذلك كانت كل من أمريكا والاتحاد السوفيتي (السابق) تتسابق للحصول على قواعد عسكرية في الصومال، فإذا كانت الظروف اليوم -كما قلنا من باب توزيع الأدوار- تعطي هذه الفرصة النادرة لأمريكا لتتحكم في هذه المنطقة الاستراتيجية تحت غطاء الجانب الإنساني، وما يسمى الشرعية الدولية، بل تدعي أنها تأتي إلى الصومال لأجل أطفال الصومال! فلماذا لا تأتي وتحتل هذا الجزء الاستراتيجي الغالي المتحكم في التجارة الدولية، إضافة إلى فكرة تخويف بعض أنظمة في إفريقيا تثير غضب أمريكا مثل السودان، ناهيك عن تخوفها من تنامي الأفكار والجماعات الإسلامية في إفريقيا.

إن السياسة الاستراتيجية الأمريكية في المرحلة الحالية بعد انهيار الاتحاد السوفيتي وعدم وجود قوة عظمى سوى أمريكا هي ما صرح به وزير الدفاع الأمريكي بعد حرب الخليج الثانية، حيث بيّن بوضوح أن أمريكا لن تسمح بوجود قوة عظمى تضاهي أمريكا لا في أوروبا ولا في غيرها، وقد ضمنت فعلًا لنفسها ذلك، فشريان الحياة والحضارة الغربية وعمودها الفقري- وهو البترول- تحت سيطرة أمريكا ولاسيما بعد حرب الخليج الثانية، وها هي ذي تحاول السيطرة على المضايق المائية، وإحكام السيطرة على المنافذ التجارية ونحوها، وهل تجد أمريكا مثل هذه الفرصة التاريخية التي أتاح لها هؤلاء الدكتاتوريون العملاء من أن تأتي للمنطقة بالمال بدل أن تعطي هي- كما كان في السابق- والغريب أنها تطرد في الفلبين بينما ترحب بها في مناطق أكثر استراتيجية وأهمية على مستوى العالم!

إنني أعتقد أن الأمة الإسلامية ولاسيما الأمة العربية تقع عليها مسؤولية كبرى أمام ما يجري في عالمنا الإسلامي، بل هي مسؤولة عما حدث للصومال وما سيحدث، فكان بإمكان الدول العربية أو الجامعة العربية التي تعتبر الصومال عضوًا فيها أن تعالج المسألة قبل أن يستفحل أمرها وتصل الحالة إلى هذا الوضع الخطير إنسانيًا وسياسيًا واجتماعيًا، حيث بإمكان الجامعة أن ترسل من خلال اتفاقية الدفاع المشترك قوة عربية لدعم الحكومة الشرعية والقضاء على الفوضى والاضطراب، ودعم الشعب الصومالي العربي الأصيل ببضع مئات من الملايين لإنقاذهم من هذه المجاعة، بل تلك المهانة التي لحقت بهم، بل بكل العرب، بل بجميع المسلمين، حيث أصبح المنصرون والهيئات المشبوهة هم الذين يصولون ويجولون لإغاثة شعب مسلم، بينما الجامعة العربية تتفرج، وما أدري أنها كانت تنتظر من؟!

فقضية الصومال في غاية من الخطورة اليوم وهي كانت في أيدي الجامعة العربية التي كان باستطاعتها حلها بسهولة قبل أن تدوَّل، ويعود إليها الاستعمار من جديد، ويبدو- والله أعلم- أن بداية هذا القرن الواحد والعشرين نشاهد ما شهدناه في بداية القرن العشرين، بأن يعود الاستعمار ثم نكافح فنطرد الاستعمار ثم نعود كلعبة القط والفأر، فننشغل وحينئذ لا يكون لنا دور آخر، ولا تقدم ولا نهضة بينما العالم المتطور يدخل عصر الصناعة الثالثة، ونحن لا نزال يموت أكثرنا بالمجاعة!

إن هذه القضية وغيرها من قضايانا الإسلامية تحتاج إلى وقفة عميقة، وشعور كبير بالمسؤولية، ومشاركة فعالة من المفكرين والعقلاء والحكماء لبحث حالة أمتنا وعلاجها بأسرع وقت ممكن والنهوض بها قبل أن تنالها تداعيات أكثر وانهيارات أكبر وأن ينال الجميع ما نال الصومال ولكن في وقت «ولات ساعة مندم» حيث وصل حالهم إلى «لا غالب ولا مغلوب» فالحكومة الرسمية خارج مقديشو، والجنرالات المعارضة في معسكراتهم والأسلحة الكثيرة التي اشتريت بأموال الشعب أصبحت يقتل بها الشعب نفسه، والغريب أن بعض هؤلاء الجنرالات الذين كانوا يهددون قوات الأمم المتحدة خذلوا وجبنوا أمام خبر إرسال القوة الأمريكية، فقد نقلت النيويورك تايمز عن الجنرال عيديد قوله: «إننا نعيد أفراد القوات الدولية في أكياس بيضاء- أي الكفن- إلى بلادهم» بينما صرح هذا الجنرال نفسه بأنه يرحب بإرسال القوة الدولية إلى بلاده بعد قرار أمريكا ذلك، في حين رفض عمر عرته غالب رئيس وزراء الصومال المؤقت ما يتردد بشأن وضع بلاده تحت الحماية الدولية، وقال: «إن الشعب الصومالي الذي خاض كفاحًا مريرًا على مدى قرن من الزمان لن يرضخ لأي إجراء ينال من سيادته! جاء ذلك في مقر إقامته بجدة وليس مقديشو.

إلى متى يا أمتي نظل على هذا الوضع؟ 

ألم يأن لنا أن نفيق وننهض ونتحد ونأخذ بزمام القوة والوحدة؟ أولا تكفي كل هذه المآسي والمصائب المتكررة ﴿أَوَلَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَّرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ وَلَا هُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ (التوبة: 126).

كلمة أخيرة

هذا هو ذكاء الاستعمار يهيئ الحالة من خلال أعوانه وعملائه لتحقيق ما كان يحلم به ولترسيخ ما قلنا سابقًا «توزيع الأدوار» حيث إن ما وصلت إليه الصومال لا يحتمل غير عملية عسكرية لإنقاذ من تبقى على قيد الحياة ولكن اللوم الشديد لمن كان متسببًا في هذه الحالة.. والله المستعان.

واقرأ أيضًا

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 2

523

الثلاثاء 24-مارس-1970

حول العالم

نشر في العدد 8

581

الثلاثاء 05-مايو-1970

حول العالم - العدد 8