العنوان عام على الأزمة مع حماس
الكاتب محمد نزال
تاريخ النشر الثلاثاء 19-سبتمبر-2000
مشاهدات 51
نشر في العدد 1418
نشر في الصفحة 30
الثلاثاء 19-سبتمبر-2000
عام كامل مضى على الحملة التي شنتها الحكومة الأردنية السابقة ضد حركة حماس المجاهدة، عاش الأردن خلالها- على المستويين الرسمي والشعبي- أزمة سياسية كبيرة، خصوصًا عندما تم إبعاد أربعة من قيادات حركة حماس ثلاثة منهم يحملون الجنسية الأردنية، في سابقة خطيرة، مثلت انتهاكًا للدستور الأردني ومخالفة للمواثيق الدولية لحقوق الإنسان.
ولعل من الضروري في ظل حكومة جديدة برئاسة المهندس علي أبو الراغب، ورثت قضية مهمة واصلت حضورها طيلة عام كامل، رغم كل محاولات تغييبها ومحاصرتها سياسيًا وإعلاميًا وشعبيًا وبقيت كابوسًا يؤرق الحكومة السابقة ويلاحقها حتى رحيلها أقول: من الضروري التوقف بهدوء وعقلانية عند الذي جرى لا الاستخلاص الدروس والعبر فحسب، بل والعمل على تصحيح الأخطاء والخطايا، التي ارتكبتها الحكومة السابقة وهو ما يحتاج بالتأكيد من الحكومة الحالية موقفًا جريئًا وتاريخيًا، تتحمل فيه مسؤولية هذا التصحيح، وتتجاوز الأطراف التي تضع العصي في دواليبها، بغية تعطيل محاولاتها نحو إيجاد حل أو تسوية لهذه القضية وإثارة مقولات وقضايا لا علاقة لها بحقيقة الأزمة وتفاعلاتها.
إن الحكومة هي المسؤولة عن السياسات الخارجية والداخلية أمام الشعب وهيئاته الممثلة له، وهي الجهة التي تتم محاسبتها والرقابة عليها وعلى أجهزتها، وبالتالي فالمنطقي أن تكون هي صانعة هذه السياسات أو مشاركة فيها على الأقل، وإذا لم تكن الحكومة مسؤولة عن قرار خطير ومهم مثل هذا القرار، فما وظيفة الحكومة إذن؟ أما القول إن السياسات لا تتغير بتغير الحكومات فهذه المقولة ليست صحيحة على إطلاقها، بدليل أن الحكومة السابقة نسفت سياسة كل الحكومات التي تشكلت منذ عام ۱۹۹۳م، فيما يتعلق بالتعامل مع حماس التي كانت الدولة الأردنية بمؤسساتها السياسية والأمنية، تلتزم باتفاق معها طيلة سنة أعوام وجاءت حكومة الروابدة لتنقضه بصورة دراماتيكية، بعد أقل من سبعة أشهر على رحيل الملك حسين الذي أبرمت صيغة العلاقة في عهده.
إن الحكومة الجديدة، لا ينبغي لها أن تستدرج إلى ترديد مقولات ومبررات كانت مثار انتقاد شديد من الرأي العام الذي لم تقنعه الآلة الإعلامية الضخمة التي وظفتها الحكومة السابقة الترويج إجراءاتها ضد حماس. وإذا كانت الحكومة الحالية - الاعتبارات عديدة - لم تصل بعد إلى صيغة ملائمة ومعينة لتسوية القضية، فإنه يكفيها مصارحة الرأي العام بشفافية، أن القضية هي قيد الدرس والبحث. أما ترديد مقولات السيادة الأردنية»، «عدم السماح لجهات غير أردنية بممارسة نشاط سياسي على الساحة الأردنية عدم السماح المواطنين أردنيين بالعمل لجهات غير أردنية، فهذا يعني تبني الحكومة الجديدة المنطق الواهي نفسه، الذي تبنته الحكومة السابقة والذي كان الرئيس الحالي وبعض أركان وزارته من أشد المعارضين له.
مناقشة موضوعية
يمكن استخلاص المبررات التي طرحتها الحكومة الجديدة على لسان رئيسها وبعض وزرائه بشأن ملف قضية حماس بما يلي:
- القرار هو قرار سيادي، ولا يسمح لأي جهة بتجاوز السيادة الأردنية، أو القوانين الأردنية.
- لا يسمح لأي جهة غير أردنية بالعمل على الساحة الأردنية.
- يسمح لقيادات حماس بالعودة كمواطنين أردنيين فقط.
للولوج إلى مناقشة موضوعية لهذه النقاط الثلاث، لابد من الإشارة إلى أن حركة حماس هي حركة مقاومة فلسطينية ضد الاحتلال الصهيوني وهي عندما انطلقت في أواخر عام ١٩٨٧م، لم تأخذ الشرعية من المحتل، لأن حركات المقاومة لا تستأذن المحتل أو المستعمر لمواجهته وقتاله. لذا كانت المواجهة مع الاحتلال الصهيوني مواجهة شاملة، وفلسطين وحدها هي ساحة المواجهة الميدانية معه، أما المواجهة السياسية والإعلامية فلم تقتصر على فلسطين وحدها، بل كانت ساحتها العالم كله ما أمكن. وكان من الطبيعي أن يكون لحماس وجودها في الأردن وغيره من البلاد العربية، وهو وجود سياسي وإعلامي، تم بالتفاهم والتنسيق مع الدولة حيث أتت حماس البيوت من أبوابها، لا من نوافذها ولا أريد هنا العودة إلى تكرار تفاصيل الاتفاق الذي تم إبرامه مع الدولة الأردنية في عام ١٩٩٣م.
ومن ذلك أنطلق لمناقشة النقاط المذكورة بأسئلة منطقية تطرح نفسها:
1- هل الاتفاق الذي عقدته الحكومة الأردنية عام ۱۹۹۳م، يعد انتقاصًا من السيادة الأردنية ومخالفة للقوانين؟
2- هل صدر من حماس ما ينتهك السيادة الأردنية ويخالف القوانين؟
3- هل القرارات السيادية تكون في إطار الدستور واحترامه، أم تتجاوز الدستور، وهو ما حدث عندما تم إبعاد مواطنين أردنيين؟
4- إذا كان غير مسموح لجهة غير أردنية بالعمل على الساحة الأردنية، فلماذا سمح لحماس بالعمل لمدة ستة أعوام متواصلة؟ ولماذا يسمح لتنظيمات وقوى فلسطينية وعربية بالعمل حتى الآن على الساحة الأردنية؟
5 - ما النصوص القانونية التي تحظر على الأردني الانتماء إلى جهات غير أردنية وإذا كان ثمة قوانين تحظر ذلك فلماذا تغض الحكومة الطرف عن المواطنين الأردنيين الذين يعملون مع جهات غير أردنية حاليًا، ويمكن تسميتهم وتحديدهم؟
إن هذه التساؤلات تحتاج إلى إجابات واضحة وشافية، لا أظن الذين صنعوا أزمة حماس يملكون الإجابات المقنعة والمنطقية عنها ولاسيما أنهم قد وظفوا في حملتهم السياسية والإعلامية بعض المصطلحات الفضفاضة والعامة، التي تستخدم لإخفاء الأسباب الحقيقية، التي يقولونها في الغرف المغلقة وهو ما سيأتي عليه لاحقًا.
مصلحة الأردن
قد يوافقنا بعض المدافعين عن إجراءات الحكومة السابقة على هشاشة المبررات التي طرحها، ولكنهم يشيرون إلى أن مصلحة الأردن اقتضت إنهاء وجود حماس نتيجة تعرضه لضغوط سياسية عديدة لم يعد يتحملها، وأن الأردن في ظل العهد الجديد بدأ ينحاز لمصالحه على حساب دوره الإقليمي، وأن الإجراءات التي اتخذها ضد حماس منسجمة مع واقع الأردن السياسي وليست مناقضة له باعتباره ملتزمًا باتفاقية سلام مع الكيان الصهيوني وحريصًا على علاقة مميزة مع السلطة الفلسطينية التي تنظر إلى وجود حماس في الأردن بحساسية شديدة، وإن على حركة حماس تفهم هذه الأسباب والمستجدات وإلا تحرج الأردن، بل تلتمس له المعاذير.
إذا سلمنا - جدلًا - بأن هذه هي الأسباب الحقيقية الدافعة للإجراءات الأردنية السابقة، فإن ما لا تفهمه ولا نقبله هو لجوء الحكومة السابقة إلى ذلك الأسلوب المهين وغير اللائق بالانقلاب على الاتفاق مع حماس حيث دوهمت مكاتبها وصودرت محتوياتها، واعتقل العاملون فيها واعتقلت قيادات حماس وتم إبعادها بشكل مخالف للدستور، وبطريقة غير لائقة، حيث اقتيدوا إلى لطائرة مكبلي الأيدي، معصوبي الأعين رغمًا عنهم.
إذا كانت مصلحة الأردن تقتضي إغلاق مكاتب حماس وإنهاء وجودها، فلا ندري ما مصلحته في افتعال عداء شديد مع حركة جهادية محترمة، لم تسئ إلى الأردن، ولا إلى أمنه؟ لقد كان بإمكان الحكومة إبلاغ قادة حماس رغبتها في إنهاء الاتفاق، ويتم التفاهم على صيغة جديدة تراعي ظروف الأردن والمستجدات السياسية. ولقد كانت هناك تجربة في مايو ١٩٩٥م - بعد عامين تقريبًا على الاتفاق - تؤكد تفهم حماس واحترامها اتفاقاتها، عندما طلبت حكومة د عبد السلام الجالي من قيادة حماس مغادرة رئيس المكتب السياسي - حينذاك - الأخ د موسى أبو مرزوق وزميله عضو المكتب السياسي الأخ عماد العلمي الأردن باعتبارهما مواطنين غير أردنيين أعطتهما مهلة شهرا لترتيب أمورهما ومغادرة الأردن وقد تفهمت حماس ذلك وغادر أبو مرزوق والعلمي قبل انقضاء مهلة الشهر.
ما الذي كان يمنع الحكومة الأردنية من اللجوء للمفارقة بالحسنى بدلًا من افتعال ذلك العداء مع حركة جهادية محترمة لم تسئ يومًا للأردن ولا إلى أمنه؟
الروابدة: إنهاء وجود حماس أكبر مني ومن الأردن إنه مطلب إقليمي ودولي
ما الذي كان يمنع الحكومة الأردنية من اللجوء إلى المفارقة بالحسنى، بدلًا من تلك المفارقة الاستفزازية التي أدخلت الأردن في أزمة أرهقته سياسيًا وإعلاميًا ومعنويًا طوال عام كامل؟
الأسباب الحقيقية: إن وقوع الأردن تحت ضغوط سياسية لا يتحملها، وتغير الظروف السياسية من حوله، ليس مبررًا ولا مدعاة المخالفة العهود والمواثيق، ولا لانتهاك الدستور بشكل علني واضح على النحو الذي جرى بإبعاد قادة حماس، والذي مثل مخالفة صريحة وواضحة للمادة التاسعة من الدستور الأردني التي تنص على أنه لا يجوز إبعاد أردني من ديار المملكة. كما أن ذلك ليس مبرراً لتوظيف الحكومة لوسائل من شأنها تهديد الوحدة الوطنية عبر التذكير بمأساة أيلول عام ۱۹۷۰م، واستحضارها ومقارنتها بأيلول ۱۹۹۹م، رغم أنه لا وجه للمقارنة بتاتًا بين التاريخين، إلا إذا كانت الحكومة ترى أن ثلاثة مسدسات مخصصة لحماية رئيس المكتب السياسي خالد مشعل - الذي حاول جهاز الموساد اغتياله على أرض الأردن - تعد تهديدًا لأمن الأردن، وتذكيرًا بأيلول جديد؟
إن الحقيقة التي يتم التكتم عليها هي أن القرار الأردني الرسمي بإنهاء وجود حركة حماس، عكس رغبة أمريكية - إسرائيلية - عرفاتية وليس هذا مجرد قراءة سياسية تعتمد الأدوات العلمية في التحليل والاستنتاج فحسب، بل حقيقة معتمدة على معلومات مؤكدة وموثقة، وتستند إلى اعترافات أدلى بها رئيس الوزراء السابق عبد الرؤوف الروابدة - الذي قاد الحملة ضد حماس - حيث قال في جلسة خاصة مع شخصية أردنية حاولت التوسط لحل الأزمة في أكتوبر ۱۹۹۹م يا أخي الإخوان المسلمون لا يفهمون سياسة القضية ليست بيدي، وهي أكبر مني ومن الأردن إن إنهاء وجود حماس هو مطلب إقليمي ودولي.
وقبل بضعة أسابيع فقط كرر الروابدة اعترافاته وبصورة تفصيلية في أكثر من جلسة خاصة عقدت في منزل سفير عربي في الأردن وبحضور وزراء سابقين حيث قال إن الأمريكان والكيان الصهيوني مارسوا ضغوطًا شديدة على الأردن للإقدام على هذه الخطوة، وإنه لم يكن أمامنا سوى التنفيذ.
هذه الاعترافات التي ستكشف الأيام المزيد من تفاصيلها، تؤكد أن القضية لا علاقة لها بالاعتداء على السيادة الأردنية، ولا علاقة لها بتجاوزات للقوانين الأردنية، وإنما هي تنفيذ الإملاءات أمريكية - صهيونية، وتحريضات السلطة الفلسطينية.
إنها الحقيقة المرة التي يعرفها صناع القرار والراسخون في العلم وعلى الحكومة الجديدة أن تعيد هذا الملف الذي تريد تلك الجهات - المعروفة لديها - الاستمرار في إغلاقه لأننا نعتقد أن ذلك القرار المشؤوم بإنهاء وجود حماس لا يمثل مصلحة أردنية، حيث إنه ليس من مصلحة الأردن أن يدفع دفعًا ويستدرج ليكون شريكًا - كما هي السلطة الفلسطينية - في مناوأة قوى المقاومة التي تقف حماس على رأسها، باعتبارها العقبة الكأداء التي تقف في مواجهة الخرائط السياسية والأمنية والجغرافية الأمريكية – الصهيونية.
لقد أثبتت الأحداث والوقائع أن المراهنات التي قيلت عن التوصل لاتفاقات تنهي الصراع مع العدو الصهيوني لم تتحقق حتى الآن رغم التنازلات الكبيرة التي قدمتها السلطة الفلسطينية وهو ما يعني أن الذين ينصبون أنفسهم أساتذة في إعطائنا دروسًا بالوعي السياسي ويتهموننا بالقصور في الفهم السياسي وبمصطلحات الدوغماء وعدم الواقعية والأيديولوجيا وغيرها من المصطلحات هم الذين لا يحسنون في الحقيقة قراءة الواقع السياسي قراءة صحيحة مستبصرة.
لقد مني الكثيرون من بني جلدتنا بالهزيمة النفسية حتى باتوا يتعاملون مع الواقع كما لو أنه قدر لا مناص منه وعملوا على الاستسلام له بدلًا من تغييره وحماس وإن كانت تقر بصعوبة الظروف وتعقيداتها، إلا أنها مصممة على أداء دورها في عملية النهوض بهذه الأمة، والإبقاء على شعلة الجهاد متقدة، وهي ترى في استمرار المواجهة والمقاومة بأشكالها كافة أدوات اشتباك في إطار رؤية استراتيجية تعمل على توفير شروط الانتقال الاستراتيجي من مرحلة الدفاع إلى مرحلة الهجوم.
بقي أن نقول إن الرهان على عامل الزمن لطي ملف قضية حماس لن يجدي نفعًا، بل هو رهان خاطئ من أساسه، ذلك أن قضية حماس ليست قضية تنظيم فلسطيني خارج على القانون، وإنما هي قضية تيار جهادي متجذر في عمق الشعوب العربية والإسلامية، وإذا كانت حماس قد وجدت في الأردن سابقًا بقرار رسمي فإن حضورها الراهن في الأردن متوافر بقرار شعبي لا يخفي على إحد: ﴿وَٱللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰٓ أَمۡرِهِۦ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ﴾ (يوسف : 21).
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل