; عام على رحيل زعيم البوسنة «علي عزت بيجوفيتش» | مجلة المجتمع

العنوان عام على رحيل زعيم البوسنة «علي عزت بيجوفيتش»

الكاتب عبد الباقي خليفة

تاريخ النشر الجمعة 05-نوفمبر-2004

مشاهدات 41

نشر في العدد 1626

نشر في الصفحة 34

الجمعة 05-نوفمبر-2004

عام على رحيل زعيم البوسنة «علي عزت بيجوفيتش»

- د. مصطفى تسيريتش كان رمزًا لانعتاق البوسنيين من الاحتلال.. ويجب أن نناضل المواصلة الرسالة التي خدمها طوال حياته

- الرئيس البوسني بيجوفيتش كان المقاتل والشخصية الأهم في معركة وجود البوسنة وبنائها

سراييفو: عبد الباقي خليفة

abdulbakihalifa@hotmail.com

لم يكن علي عزت بيجوفيتش شخصية محلية فحسب بل شخصية إسلامية ذات قيمة فكرية كبرى، ودولية تلقى الاحترام والإكبار؛ فقد سبقت أفكاره الإنسانية النيرة، وتاريخه النضالي العريق، وسنوات سجنه بين الأربعينيات والثمانينيات مرحلة النضال من أجل الاستقلال وقيادة شعبه في صد العدوان بعد ذلك، واليوم يؤكد المنصفون أنه لولا علي عزت بيجوفيتش بعد الله سبحانه وتعالى ما أصبحت البوسنة دولة مستقلة.

عندما حاول البعض اختبار مدى إيمان علي عزت بيجوفيتش بالحرية والعدالة عندما كان رئيسًا، وبدؤوا يهاجمونه على صفحات الصحف بطريقة غير لائقة لم يزد  على أن أرسل ردًّا لنفس الجريدة راجيًا نشره.

كان يوم 23 أكتوبر 2003م يومًا حزينًا هو يوم تشييع علي عزت إلى أول منازل الآخرة، ولم يمنع المطر الغزير عشرات الآلاف من الحضور في جنازة الراحل علي عزت بيجوفيتش رافعين مظلاتهم لتقيهم المطر، بيد أنهم لم تكن لديهم مظلات لمنع دموعهم من أن تبل لحاهم وثيابهم، حيث بكاه الكبير والصغير، ونعاه مفكرو العالم وسياسيوه.

إحياء الذكرى

البوسنيون أحيوا الذكرى الأولى لوفاة زعيمهم بيجوفيتش الذي رحل إلى الآخرة في 19 أكتوبر من العام الماضي ونظموا ملتقى سياسيًّا شاملًا على هامش الذكرى المكون، من جانبها التقت عددًا من الرموز البوسنية وسألتهم عن ذكرياتهم وانطباعاتهم عن الزعيم الراحل بعد عام من وفاته... 

يقول الرئيس البوسني سليمان تيهيتش: هناك أمران مهمان هما.. أن علي عزت بيجوفيتش دخل التاريخ من أبوابه الواسعة، وهو شخصية تاريخية تركت بصماتها الواضحة على تاريخ البوسنة والهرسك وما حولها، إضافة لإسهاماته الفكرية على صعيد حوار الحضارات وقضايا الفكر الإسلامي والديمقراطية والنضال من أجل الحق والعدالة والحرية والعمل الإنساني، وكان لتأسيسه حزب العمل دور كبير في استقلال البوسنة وقيادة شعبها في معركة البقاء وقيام الدولة، وهو اليوم حزب قوي ومحوري في البوسنة، وكما كان الحزب في حياته قويًا فهو اليوم أقوى من ذي قبل، وقال: لم يكن علي عزت بيجوفيتش المقاتل الوحيد ولا الشخصية الوحيدة التي دافعت عن البوسنة ولكنه كان المقاتل والشخصية الأهم والمحورية في معركة الوجود والنضال وبناء الدولة، وتابع لقد خرج من هذه الدنيا منتصرًا لأنه استنفد كل طاقته وفي أحرج الأوقات من أجل تحقيق الهدف الذي رسمه لحياته الخاصة ولنضاله وسياساته.

وأضاف: كان شعاره الحرية والعدالة وعمل من أجل تحقيق كل ذلك وبرهن على صدق إيمانه بعاملين هما شرط كل تقدم ترنو إليه الشعوب، وقال: إن علي عزت كان على حق عندما وقع اتفاقية دايتون، فقد كان يؤمن بأن اتفاقًا غير منصف أفضل من استمرار الحرب، كما يعلم أن المستقبل سيصلح جميع الأخطاء وهو ما تؤكده الأيام.

رئيس العلماء ومفتي البوسنة - الدكتور مصطفى تسيريتش قال:  اليوم يمضي عام على وفاة الرئيس الراحل بيجوفيتش -رحمه الله - إلى الآخرة، ونحن اليوم في المكان الذي يضم رفات الشهداء من أبناء شعبنا الأبرار الذين يمثلون أفضل أبناء البوسنة نؤكد فيها تمسكنا برسالة الحرية التي عمل علي عزت رحمه الله على تبليغها، ولا ينبغي لنا تضييعها. وأضاف تسيريتش: هناك حياتان لا يمكن التلاعب بهما، وطريقان لا يمكن تضييعهما هما الطريق إلى الله والنضال من أجل حقوق الإنسان... بيجوفيتش كان على حق كان يؤمن بالله وشجاعًا دافع ببسالة عن حقوق شعبه في البقاء والحرية والسيادة.. وأكد -رحمه الله- بأننا لا نكون عبيدًا سوى لله سبحانه وتعالى.

وتابع فضيلته: بالنسبة للمسلمين فإن حياة علي عزت بيجوفيتش كانت رمزًا للانعتاق والحرية، كما أن بيجوفيتش اليوم رمز للنضال من أجل مواصلة السير في الطريق الذي رسمه وحسب الرسالة التي خدمها طوال حياته، نحن حزانى لأن بيجوفيتش اليوم ليس معنا ولكننا سعداء بما أنجزه ونخلد ذكراه فنحن اليوم أحرار بإمكاننا أن نقرأ الفاتحة ونعلم أولادنا دينهم دون خوف أو وجل من زوار الفجر.

بكر بيجوفيتش - ابن الزعيم الراحل في رده على سؤال المجتمع حول ما تعلمه من والده قال: «إذا لم تستطع جعل العدو صديقًا فليس أقل من تخفيف عداوته لك» وهذا ما كان يفعله عندما كان يلتقي بقادة الفكر والسياسة في العالم، وقال كل شيء يمت لوالدي رحمه الله لا يزال يعيش معي ما عدا جسده، وتابع: عندما توفي أحسست بأن شيئًا ما من كياني قد فقدته فقد كان يمثل جزءًا مهمًّا من حياتي؛ فالوالد كان صديقًا لي بدون أعباء الصداقة، وكان يريد لي وللآخرين الخير أكثر من نفسه.

وتابع عندما يبقى الإنسان بدون الوالد يشعر بالغربة وبفقدان سبب وجوده في الدنيا ويشعر بفقد أهم شيء يحتاجه في حياته ويعطيها معنى السعادة وهو عدم الشعور بالوحدة، وتحدث عن حياته مع والده وعن الأوقات التي شعر فيها بحاجته إليه فقال: كان ذلك في عام 1983 عندما سجن رحمه الله 14 عامًا، وقد شعرت بألم عميق لذلك... كنت متزوجًا ولي طفل ولم أكن أعمل ولم يكن لدي بيت وكانوا ينظرون إليّ كابن عدو النظام الشيوعي في ذلك الوقت، ثم شعرت نفس الشعور في 19 أكتوبر 2003م حيث لن أرى والدي إلا يوم القيامة.

الدكتور أنس كاريتش عميد كلية الدراسات الإسلامية في سراييفو قال: علي عزت الشخصية البوسنية الأكثر إشعاعًا في الداخل والخارج وهو وجه فكري وسياسي معروف بشكل طاغ مقارنة بغيره من البوسنيين.

أما حارث سيلاجيتش رئيس وزراء البوسنة الأسبق فيقول:  كنت أسعد بلقائه والحديث معه سواء اتفقت معه في ذلك أم لا، وفي أثناء فترة عملي معه اكتشفت أن الرجل لا يحمل في صدره أي ضغينة لأحد ويحترم كل الآراء، لكنه في نفس الوقت يحيل الخلافات في وجهات النظر لآليات حلها أو الحسم فيها.

الدكتور أسعد دوراكوفيتش الأستاذ بكلية الفلسفة في سراييفو والحاصل على جائزة اليونسكو لخدمة الثقافة العربية قال: حياة علي عزت بيجوفيتش كانت قد نضجت على الآلام ورغم ذلك لم تدفعه لمواقف غير محسوبة بل أنضجت أفكاره وممارساته، ولذلك لم يتهيب النار من أجل إنقاذ شعبه من المحرقة، وقد تمكن من تحرير الشعب ومنحه الحرية حتى في نقد علي عزت بيجوفيتش، وهذا ما يختلف فيه عمن يزعمون أنهم وهبوا الحرية لشعوبهم..

بيجوفيتش.. المفكر المجاهد

ولد علي عزت بيجوفيتش عام 1925م من أسرة مسلمة بوسنية عريقة بمدينة «كروبا» وتعلم في مدارس مدينة سراييفو والتحق بجامعتها، وحصل على درجات في القانون والآداب والعلوم، وعمل مستشارًا قانونيًّا لمدة 25 سنة ثم اعتزل وتفرغ للكتابة والبحث، وقد حكم عليه بالسجن خمس سنوات مع الأشغال الشاقة لعلاقته بمنظمة الشبان المسلمين عام 1949م. وبعد إصداره البيان الإسلامي على حلقات منذ عام 1970م تم اعتقاله عام 1973م وأحد عشر من زملائه المثقفين الإسلاميين بتهمة العمل ضد الدولة وحكم عليه بالسجن أربعة عشر عامًا، وبعد تفكك الاتحاد اليوغسلافي أنشأ علي عزت وصحبه حزب العمل الديمقراطي وخاض به الانتخابات فأصبح رئيس جمهورية البوسنة والهرسك اعتبارًا من نوفمبر سنة 1990م.

ثم انسحب بيجوفيتش من المجلس الرئاسي عام 2000م حتى وفاته يوم 19 أكتوبر 2003م.

ترك بيجوفيتش عددًا من المؤلفات المهمة، منها «هروبي إلى الحرية»، كتبه في السجن عندما اعتقله الشيوعيون عام 1949م وحكموا عليه بالسجن لمدة خمس سنوات.. و«عوائق النهضة الإسلامية» و«الأقليات الإسلامية في الدول الشيوعية»، «والبيان الإسلامي»، و«الإسلام بين الشرق والغرب».

ونال رحمه الله عددًا من الجوائز الدولية أبرزها جائزة الملك فيصل العالمية لخدمة الإسلام عام 1993م، وجائزة مولانا جلال الدين الرومي الدولية لخدمة الإسلام في تركيا، وجائزة الدفاع عن الديموقراطية الدولية، من المركز الأمريكي للدفاع عن الديموقراطيات والحريات، وجائزة دبي الدولية للقرآن الكريم رمضان (1422هـ)، تقديرًا لجهوده في خدمة الإسلام والمسلمين.

الرابط المختصر :