العنوان عبادة الفرد... وثنية بُلهاء... وحماقة زعماء!
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 05-أكتوبر-1971
مشاهدات 52
نشر في العدد 80
نشر في الصفحة 8
الثلاثاء 05-أكتوبر-1971
عبادة الفرد... وثنية بُلهاء... وحماقة زعماء!
خرافة تحميل الأجهزة المنفذة مسئولية انحراف الطغاة الآمرين
في العدد الماضي كانت هذه الكلمة موضوع الافتتاحية ولكنها ظهرت مبتورة!! إذ خرجت للقراء وهي فاقدة لنقاط جوهرية تتعلق بطغيان ستالين وأمثاله!! ومن أجل التكامل الموضوعي نعيد نشرها كاملة.
تناقلت وكالات الأنباء الصحف أنباء عن إزالة بعض «تماثيل» ماو من المدن الصينية، وأنباء عن إلغاء برامج «الحكم الماوية» التي كان يبثها راديو بكين والإذاعات المحلية، وقيل أن ماو نفسه هو الذي أمر بهذا كإجراء ضد نزعة «عبادة الفرد»، وهذا الإجراء من ماو أن صح وقوعه أنما يعبر عن ضيق الصينيين بعبادة الفرد، ويعبر بالتالي عن أن عبادة الفرد هذه موجودة في الصين وبشكل واضح استدعى القيام بإزالة بعض تماثيل ماو.
ووراء هذا الإجراء احتمالان:
· إما أن يكون بعض زعماء الصين أحس من نفسه القوة وأمر بإزالة تماثيل ماو كسياسة جديدة للتحرر من عبادة الفرد.
· وإما أن يكون ماو نفسه هو الذي أمر بهذا حقيقة بدافع الخوف من أن يحدث له ما حدث لستالين بعد موته.
لقد ركزت كل أضواء الصين على ماو، ومدح بإسراف جاوز الخيال، وكان راديو بكين يبث وصحافة الصين تكتب: أن بعض الصينين رأى الشمس تطلع من عين ماو أو أن بعضهم اكتشف منجمًا بفضل أقدام ماو التي وطئت قطعة من الأرض فصارت منجمًا زاخرًا بالمعادن النفيسة، وأن بعضهم قرأ كلمات من كتاب لماو فأنقذ طائرة كانت على وشك أن تتحطم!
وفي ضجيج هذا التاليه لشخصية ماو، كان الرجل يفعل ما يشاء، ويجري تصفيات جسدية بالجملة ليس للذين يعارضون سياسته فهؤلاء لا وجود لهم، وإنما للذين لوحظ عليهم «الكسل» في قراءة كتب ماو.
ومن قبل ماو ستالين طاغية حكم روسيا قرابة ثلاثين عامًا بالحقد والكيد والإجرام والمقصلة، وكان يستخف بالدم الإنساني وكأنه دم برغوث!!، وكان يلتذ برؤية الرصاص يخترق أجسام الناس وأدمغتهم، وكان يمسك كل شئ بيده وكان يخضع روسيا كلها لعبادته ولا يستطيع رجل في روسيا أن يقول له لا!!
عشرات الملايين ذبحها بوسائل لا يستطيع ابتكارها إلا عقل ستالين الذي يتحرك بالانتقام والإجرام والذي يقرأ مثلًا كتاب «التصفيات الكبيرة فى الثلاثينات» لا يستطيع متابعة القراءة إلا بعناء بالغ لفرط بشاعة جرائم ستالين وقبح صور الاضطهاد والفتك والافتراس، بهذا الأسلوب الوحشي حكم ستالين روسيا قرابة ثلاثين عامًا، وبينما هو يقوم بمهمة الوحوش الضارية كان الحزب وكانت الإذاعة وكانت البعثات الدبلوماسية، وكانت البرافدا، كل الأجهزة تمدح ستالين وتطريه وتصوره للناس على أنه ملاك وأن «البشرية لم تر أعدل ولا أكثر إلهامًا وعبقرية من ستالين»، والموت هو الذي أنهى جرائم ستالين بمعنى أنه لو كان حيًا حتى الأن لظل يحكم روسيا بالأسلوب الإجرامي ولظلت كل الأجهزة تمدحه وتطريه وتصوره للناس على انه ملاك.
الذين أدمنوا إخفاء الانحرافات أن يقولوا: أن ستالين لم يكن مخطئًا وإنما الأجهزة التي كانت تعمل معه هي وراء كل الجرائم أجهزة البوليس، والمخابرات، والإعلام، والحزب إلخ..، ولكن المنطق الحديدي الذي هزم تعللات هؤلاء هو: أن ستالين كان صاحب سلطات مطلقة تشريعية وتنفيذية وسياسية وقضائية وعسكرية، ومن ثم كانت كل الأجهزة تستمد وحشيتها الشريرة من وحشيته بل تحاول إرضاء وحشية ستالين بالإسراف في اقتراف الجرائم، كانت كل الاجهزة «أدوات» في يد ستالين لا أكثر ومنفذة لإرادته الشريرة لا أقل، لقد أراد ستالين أن يكون «شخصية» تاريخية، فكان «لعنة» تاريخية!!
أن للطغيان عقابًا مضاعفًا لأنه جرائم مركبة!! فالطاغية يعيش في فزع مستمر في حياته، والطاغية يلعن بعد موته والطاغية تعس المصير في الدار الأخرة، وعلى الرغم من وضوح التعاسة في حياة الطغاة ومعرفة المصائر المفجعة التي يردونها ومعرفة السبة التاريخية التي تحيق بهم، فإن بعض الناس سار في نفس الطريق فتكرر معه نفس العقاب فزع في حياته ولعنة بعد موته!!
أن الطاغية رجل قصير النظر ظل ما يجري في روسيا أسطورة من الأساطير حتى إذا انهى الموت طغيان ستالين انكشف الغطاء نسبيًا وإذا بالرجل الذي كان يصور على أنه أعدل من شهدت الأرض، إذا به سفاح بشع وإذا بالرجال الذين كانوا بالأمس يمدحونه ويقفون أمامه كما يقف الوثني أمام صنمه، إذا بهؤلاء ينقضون عليه شتمًا وسبًا ولعنًا وينبشون قبره، فيهوى الصنم وينتشر نتن آثامه، وحاول بعض الشيوعين حقًا.. بليد الإحساس.. أعمش البصر يعيش داخل غروره فلا يرى إلا نفسه الأمارة بالانحراف والطغيان.
إذا كان الزعيم الطاغية يخفي انحرافاته في حياته بالإرهاب والقمع والتهريج السياسي، وإذا كان يفعل ذلك وهو يملك أجهزة إعلام ضخمة، وأجهزة بوليس وتجسس فكيف يستطيع أخفاء انحرافاته بعد أن ينهي الموت طغيانه ويجرده من سلطاته وأجهزة إعلامه وتجسسه ووسائل قمعه؟
لتسقط عبادة الفرد أبدًا أن العظماء الصالحين الذين يقدمون للحياة أبر الجهود وأخلصها لا ينبغي أن يرفعوا فوق أقدارهم قيد أنملة فما بال الذين ملأوا الأرض فزعًا وبؤسًا ودمًا يريدون أن تخلد «آثامهم» وما بال أقوام يجرون وراء حرافة «تخليد» الأثام اليوم.
إن الزعامة الحقيقية بالمقياس العادي تتمثل في«1»توفير الأمن فليس من شروط الزعامة، ولا من مقوماتها فرض الرعب على الشعب.
وإزعاج أمنه في فكره وعمله ورزقه وبيته«2» وفي توفير الرخاء الاقتصادي فليس من شروط الزعامة ولا من مقوماتها أفقار الشعب وألباسه الجوع والبؤس، وفي حماية الحدود من الغزو والاحتلال فليس من شروط الزعامة ولا من مقوماتها العودة بالبلاد إلى عهود الاحتلال والاستعمار.
إذا وفرت الزعامة الحقيقية هذا كله ينبغي ألا ترفع فوق قدرها، فكيف إذن تخلد زعامة ملأت البلاد رعبًا، ونحسًا اقتصاديًا، واحتلالًا أجنبيًا؟
إن تمجيد«الظلم» ضربة قاصمة لكل معاني العدل والحرية والتقدم، ولن يتقدم شعب يسلك هذا المسلك، ولن ينفع الظالمين كل ما تركوه خلفهم من خداع وتضليل، ﴿وَلَوْ تَرَىٰ إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنفُسَكُمُ ۖ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَىٰ كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُم مَّا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَىٰ مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ ۚ لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنكُم مَّا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ (سورة الأنعام: 93،94)