; عبد البديع صقر.. وكان صادق الوعد | مجلة المجتمع

العنوان عبد البديع صقر.. وكان صادق الوعد

الكاتب زهير الشاويش

تاريخ النشر الثلاثاء 30-ديسمبر-1986

مشاهدات 61

نشر في العدد 798

نشر في الصفحة 37

الثلاثاء 30-ديسمبر-1986

في الأسبوع الماضي، انتقل الأخ الأستاذ عبد البديع صقر إلى جوار ربه بمصر، بعد سجل طويل في حقل الدعوة الإسلامية والتربية والتعليم، في كل مكان حل فيه أو ارتحل إليه، وكان رحمه الله من الرواد الأوائل في منطقة الخليج، قبل أن تقوم فيه وزارات للتربية والتعليم، ولا سيما في قطر والإمارات العربية المتحدة.

لقد كان الأخ عبد البديع عنوان الصفاء في مظهره ومخبره، وسريع التأثر بالخير، مبادرًا إلى فعل المكرمات، والوفاء بالوعد، والصدق في القول، والبذل لما في يده، مع الزهد والورع، وحسن العبادة، ونداوة التلاوة للقرآن الكريم، وكان رجاعًا للحق مجرد أن يتبين له من غير مكابرة ولا محاجة، وما وجدته -والله- إلا أمينًا تقيًا ناصحًا لنفسه كما لغيره، في زمن قل فيه الناصحون لأنفسهم؛ فضلًا عن غيرهم.

صحبة أربعين عامًا

إن صلتي بالأستاذ عبد البديع تمتد لأكثر من أربعين سنة؛ حيث تعرفت به في القاهرة، ومنذ ذلك الزمن، وهذه الصلة قوية ومتينة في السفر والحضر والمزاملة بالعمل، والمشاركة في التأليف والإشراف على الطباعة.. فما تغيرت حاله ولا تبدلت إخوته، وإذا انتقل اليوم إلى رحمة الله؛ أرى إلزامًا على أن أؤدي الشهادة فيما تيقنته عنه بعد خبرة وتجربة، فقد عرفت في الأخ عبد البديع نزاهة اليد والتعفف عن جر المنفعة لنفسه، أو أخذ قرش مما كان يوكل إليه إنفاقه على طبع الكتب؛ بل زهد في أموال الأغنياء، فعوضه الله عن ذلك بالحلال الطيب، وأشهد أنه طالما أنفق من ماله الخاص «على قلته»، كلما رأى حاجة للإنفاق في موطن شحت عن البذل فيه أيدي الأغنياء..

لقد رأيته في المركز العام بالقاهرة يقدم من بشاشة الوجه وحسن الاستقبال ما يسد به ثغرة لم يسدها سواه؛ حيث لم تكن ميزانية ذلك المكان قادرة على الإنفاق، ورأيته رأسًا لدائرة كبيرة في بلد غني تسمح ميزانيته بالإنفاق الواسع، ولكنه بقي موفرًا مال الدولة ما لم يجد ضرورة ملحة للإنفاق.

نشأته:                                                                                                     

ولد فقيدنا أواخر الحرب العالمية الأولى في بلدة كفر صقر التابعة لمركز أبو كبير في محافظة الشرقية بمصر، من عائلة عربية معروفة، وكان متأثرًا بوالده ورجال قريته من الفلاحين الذين عركتهم التجارب، وكم كان يحدثنا عن صفاتهم ومواقفهم الطيبة، وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر على قلة علمهم، بما زرع الله في قلوبهم من الخير.

ثم انتقل إلى القاهرة والتحق بكلية الآداب، وكان يقول: بإنه لم يستفد منها سوى ورقة الشهادة الرسمية، وأفاد من كتب السيد رشيد رضا اللبناني، والأستاذ محب الدين الخطيب الدمشقي، إضافة إلى التزامه الإمام حسن البنا الذي عمل معه مدة طويلة في المركز العام وفي إعداد الدعاة.

آثاره العلمية

بدأ التأليف أيام نشأته الأولى، فكتب عددًا من الرسائل، ثم أتلفها ولم يخرج منها سوى رسالة «كيف ندعو الناس؟»، التي جمع فيها خلاصة الدروس التي ألقاها في قسم إعداد الدعاة، كما شارك في كتب المعارف القطرية، وجمع كتاب «شاعرات العرب»، واختار من كتاب «مشكاة المصابيح» كتابًا أسماه «مختار الحسن والصحيح من الحديث الشريف»، وألف كتابًا جيدًا طبع مرات كثيرة هو: التجويد وعلوم القرآن و«الخطب والمواعظ»، وفي مناسك الحج سماها «رحلة الحج وما يلزمها»، ووضع حاشية قيمة على رسالة «الخطوط العريضة»، وألف نقدًا لبردة البوصيري، وشارك في جمع كتاب «وصايا العلماء»، وعمل دليلًا لجغرافية قطر، ورسم لها أول خارطة عربية بين فيها المواضع و الأبعاد، ولم يكن لقطر قبلها سوى خرائط وضعها المستعمر لأغراضه الخاصة، وشارك في الإشراف على طباعة عدد من الكتب التي كان يأمر بطباعتها الشيخ علي بن عبدالله آل ثاني وابنه الشيخ أحمد - رحمهما الله - والكتب التي تطبع لمعارف قطر.

في قطر

كان مجيئه إلى قطر مديرًا لمعارفها أول تنظيم للتعليم فيها؛ حيث ألفت لجنة للمعارف برئاسة الشيخ قاسم الدرويش، ضمت عددًا من أفاضل أهل البلاد، ثم توسعت عندما تسلم وزارة المعارف سمو حاكم البلاد.

.. والإمارات العربية المتحدة

ولما انتقل إلى دولة الإمارات العربية المتحدة بدعوة من حاكم دبي الشيخ راشد المكتوم وحاكم الشارقة، أنشأ مدارس الإيمان؛ ليسد ثغرة غفل عنها الكثيرون بعد أن استغل هذا الفراغ المبشرون، فقامت هذه المدارس بواجبها الإسلامي وعلى الأخص أقسام الحضانة والإناث.

وقد حرص الأستاذ عبد البديع على أن يؤدي واجب الدعوة في بلده مصر، بعد أن جال الأقطار والأمصار، وخلف أثارًا طيبة في الشرق والغرب، أدركه القدر وهو عائد من محاضرة ألقاها في منطقة نائية.

سلام الله عليك يا أبا إبراهيم، فقد كنت فينا كبيرًا وعندنا عظيمًا، وما أحرانا أن نردد مع الشاعر:

فما كان قيس هلكه هلك واحد

                              ولكنه بنيان قوم تهدمًا

عليك سلام الله يا خير راحل 

                                ورحمته ما شاء أن يسترحما

وأملنا أن يتلقاك الله بالقبول الحسن، وأن يجزل لك الأجر والثواب.. وقد كنت ناصحًا لدينه، ناصرًا لسنة رسوله، محسنًا لعباده، أمرًا بالمعروف، ناهيًا عن المنكر..

ولله ما أخذ وله ما أعطى.. وإنا لله وإنا إليه راجعون.. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

الرابط المختصر :