العنوان عجز الفكر الماركسي عن ملاحقة التغيرات
الكاتب أحمد خضر ابراهيم
تاريخ النشر الثلاثاء 21-مارس-1989
مشاهدات 93
نشر في العدد 909
نشر في الصفحة 36
الثلاثاء 21-مارس-1989
يری أساتذة الاجتماع في بلادنا أن حل مشاكل المجتمع غير ممكن إلا في حالة واحدة وهي أن يستند الحل دائمًا إلى إطار دقيق من المفاهيم العلمية ذات الاتجاه النظري الواضح.
والنظرية عندهم تستمد أصلًا من نتائج دراسة عملية أجريت في الواقع الاجتماعي. وهم يرفضون استناد حل مشاكل المجتمع إلى عقيدته لأنهم يفرقون بين ما يسمونه بالنظر والنظرية. والعقيدة عندهم نوع من النظر المرتبط بمذاهب محددة من الفكر يرونها غير واقعية بالإضافة إلى أنها نوع من التفكير المجرد البعيد عن الواقع أيضًا. في حين أن النظرية الواقعية عندهم هي التي تستند في مقوماتها الأساسية على نتائج أبحاث منظمة أجريت وطبقت في مواقف متعددة لهذا وثقوا في النظرية إلى درجة أنهم اعتبروها تمثل أعلى درجات المعرفة.
وعلى عكس ذلك نجد أن علماء الاجتماع السوفيات غير متحمسين للإسهام بأعمال منظمة في النظرية الاجتماعية لأنهم يخشون أن تؤدي نتائج هذه الأعمال إلى ظهور علم اجتماع سوفيتي من شأنه أن يزيد الهوة بين علم الاجتماع السوفياتي وبين عقيدتهم الماركسية اللينينية.
أي أن السوفيات أحرص على عقيدتهم من حرص أساتذة الاجتماع في بلادنا على عقيدتهم، فالأولون يرفضون تطوير نظرية في علم الاجتماع حتى لا تحدث هوة بينها وبين الماركسية والأخيرون يصرون على استناد حل مشاكل المجتمع إلى نظرية وليس إلى عقيدة.
وعلى الرغم من ذلك فإن أساتذة الاجتماع في بلادنا لم يقدموا لنا نظرية واضحة ومحددة المعالم معبرة عن واقع مجتمعنا كي تناقش فيها لكن كل ما قدموه لنا هو نظريات الغرب ذاتها مزيلة باعترافهم بأنها نشأت وتطورت في مجتمعات تغاير طبيعتها طبيعية مجتمعنا، وأن هذه النظريات لا تتمتع بالكفاءة التي تجعلها قادرة على الإحاطة بكل جوانب الواقع في المجتمع الغربي وصفًا وتفسيرًا.
وفي الوقت الذي يقول فيه أساتذة الاجتماع في بلادنا إن علم الاجتماع عندنا لابد أن ينظر نظرة البالغ الرشيد إلى التراث الأجنبي الذي كان يستقي منه نظرياته ومفاهيمه وأدواته ويبنى عليها أطره التصورية نجدهم يقولون في موقع آخر «إننا سنكتب بلا شك قدرًا كبيرًا من الوعي عند محاولة الاستفادة من هذه النظريات أو عند محاولة اختبارها في بلادنا». وبعد أن قام باحثونا بجهد مكثف في تحليل هذه النظريات لم يخرجوا إلينا بجديد بل عادوا إليها مرة أخرى منادين بضرورة التفاعل مع هذه النظريات واعتبارها مصدرًا للمفاهيم -بعد تجريدها من ارتباطاتها الأيدولوجية- ولا نعرف كيف يمكن تجريد المفاهيم واقتلاعها من جذورها؟
ثم يطالبون بعد ذلك بوضع هذه المفاهيم في «سياقات جديدة» و«معان جديدة». وأخيرًا يقولون إنهم سيردون هذه المفاهيم مرة أخرى إلى أصحابها لكي يثبتوا لهم «أن مفاهميمهم كانت متميزة عندما تمت صياغتها في ضوء نظرياتهم»، أي أننا سنستعير هذه المفاهيم ونزرعها في بيئتنا ثم نعيدها إليهم شاكرين لهم صنيعهم وتميز بضاعتهم.
ولكن لماذا كل ذلك؟ يقول باحثونا إن مثل هذا الأمر «سيعمل على توفير الوقت والجهد اللذين سيضيعان بحثًا عن مسميات جديدة وكأنما ليست هناك مفاهيم ومسميات قائمة أو أن البحث عنها أوعن غيرها سيكون مضيعة للوقت والجهد.
وواقع الأمر أنهم لا يريدون أصلًا مثل هذه المفاهيم لأنهم يرونها عتيقة وبالية وليس فيها هذا التميز الذي تتميز به مفاهيم منظري علم الاجتماع. وأخيرًا يعلنها باحثونا بصراحة.
« إن نظرية ماركس تمثل يوتوبيا يمكن أن نشتق منها الكثير من التفسيرات والبرامج التي يمكن أن تتلاءم مع بعض جوانب حياتنا المعاصرة». ويعني ذلك بالتحديد أن باحثينا يريدون مفاهيم «غربية» ولكنها مستقاة من «فكر ماركسي» رغم تيقنهم من أنها يوتوبيا.
والغريب في الأمر أن باحثينا قد وضعوا أيديهم على مثالب نظريات علم الاجتماع -قديمها وحديثها- وأدركوا أن صناع النظريات قد كثر عددهم وأنه وإن كانت بعض نظرياتهم تقوم على أساس واقع مدروس فإن معظمها يقوم على مغالطات. لكن ميولهم الماركسية حدث بهم إلى حصر أسباب فشل هذه النظريات في كونها محافظة وليست بتلك الراديكالية أو الثورية. وكما -نقلوا من علماء الغرب- حددوا لنا مثالب هذه النظريات في الآتي:-
(١) التعقيد اللغوي والانشغال بالمعاني التركيبية والتجريد العالي الذي يحولها إلى غابة من المفاهيم الجافة أكثر من كونها جهدًا لتحديدًا المشكلات أو توجيه جهودنا لحلها.
(۲) افتقاد أصحابها إلى الإحساس الأصيل بالمشكلات الذي يجعل النظريات غير معبرة عن الواقع ومليئة بتصنيفات لا نهاية لها لا توسع فهما ولا تجعل خبرتنا أكثر شفافية.
(۳) تحليلات النظريات القديمة أصبحت غير مقنعة أما النظريات الحديثة فقد عجزت عن اتخاذ شكل فكري متماسك ولم تشهد حقبة السبعينات نموذجًا نظريًا واحدًا يمكنه أن يحقق الهيمنة الكاملة. وتعرضت هذه النظريات لانتقادات عدة من زوايا مختلفة كما تعرضت البحوث الحديثة لمراجعة شاملة بسبب القصور المنهجي الكامن فيها.
(٤) لا يمكن لعلماء الاجتماع أن يسلموا بوجود نظرية واحدة ووحيدة قادرة على تفسير أحداث العالم عبر قرن من الزمان بل اتهموا النماذج النظرية في علم الاجتماع بضيق نطاقها وعدم قدرتها على استيعاب مختلف أنماط المجتمعات والثقافات.
(٥) ما يسمونه بالنظريات الوضعية عندهم أصبحت غير ملائمة، وما يسمونه بالوضعية المحدثة يقولون إنها أشهرت إفلاسها أما الوظيفية فيرون أنها تعرضت لضربات قاصمة.
(٦) نظريات علم الاجتماع -كما يرونها- تعطى صورة متناقضة للواقع الاجتماعي وتفتقد إلى قدر كبير من الوضوع والدقة والتحديد. ويضربون أمثلة عديدة لذلك. في مجال الجريمة هناك نظريات تذهب إلى أن الجريمة تعد نتاجًا للبناء الطبقي بينما تذهب نظريات أخرى إلى أنها نتاج لعوامل أسرية ونفسية وأيكولوجية في مجال التفكك الاجتماعي هناك نظريات تفسره في ضوء الانحراف عن المعايير الاجتماعية في حين أن هناك نظريات أخرى تفسره في ضوء مفاهيم الصحة العقلية، وفي مجال الإعلام هناك دراسات تؤكد أن مشاهدة التليفزيون قد أدت إلى مزيد من العلة بين الجماهير والانفصال عن المعايير الاجتماعية في حين تؤكد دراسات أخرى الدور الإيجابي الذي يلعبه التليفزيون في تغيير اتجاهات الناس. وفي مجال الأسرة هناك شواهد تشير إلى أنها في انهيار مستمر في حين أن هناك شواهد أخرى تؤكد صلابتها ودعمها بأساليب مختلفة.. وهكذا فإن كل ذلك يشير إلى تناقض الدعائم النظرية بل والمنهجية أيضًا في علم الاجتماع.
اتجه باحثونا بعد ذلك إلى الماركسية ورأدوا فيها كما يقول «جرامشي» نظرية فلسفية عن العالم تضم العناصر الأساسية الضرورية لإقامة تصور كلي شامل للعالم.. هي فلسفة شاملة ونظرية موجهة للعلوم الطبيعية وقانون ميسر لكل ما يحتاجه المجتمع لكي يحقق تنظيمه المنشود وليصبح تعبيرًا عن حضارة كلية متعاملة... وقال باحثونا إن «جرامشي «قد نظر إلى الماركسية في ضوء رسالتها المقدسة من أجل إقامة حضارة جديدة.
يضم علم الاجتماع الماركسي مجموعة من المفاهيم والقضايا المشتقة من كتابات ماركس وأن اعترض البعض على إطلاق مسمى علم الاجتماع الماركسي أو على أنه يضم تحته إطارًا معرفيًا متجانسًا وإن ميز آخرون بين علم الاجتماع والنظرية الاجتماعية الماركسية.
الذي يهمنا هنا هو أن نبين أن الماركسيين أنفسهم نظروا إلى علم الاجتماع الماركسي «أنه مجرد محاولة توفيقية تتم في إطار علم اجتماع بورجوازي أبطالها مجموعة من الرجعيين والمنشقين والتحريفين».
ويهمنا أيضًا أن أحدث ممثلي مدارس علم الاجتماع مثل «هایبرماس» «وفيلمر» قد تخلوا عن الماركسية. أما «كورش» الذي كان قد صاع المبادئ الأساسية للعلاقة بين الماركسية والنظرية الاجتماعية المعاصرة في مقال شهير له في عام ١٩٣٧ فقد تخلى عن الماركسية في أواخر حياته وقال ما نصه «لم يعد من المفيد الآن طرح قضية الصدق النظري لكتابات ماركس وإنجلز، ذلك أن كل المحاولات التي سعت إلى إعادة صياغة النظرية الماركسية على نحو تتلاءم مع أهداف ثورة الطبقة العاملة قد باءت بالفشل».
ويهمنا ثالثًا وأخيرًا أن تعرف أن باحثينا قد اعترفوا -على لسان علماء الغرب- بالآتي:
(١) أن الفكر الماركسي قد عجز عن ملاحقة التغيرات المتلاحقة ومن ثم فقدت مفاهيمه وتصوراته قدرتها على تفسير المواقف المختلفة.
(۲) أن السبب في جمود الفكر الماركسي يعود إلى ضيق نطاقه وجمود مفاهيمه ومقولاته.
ومثال ذلك الآتي:
أولًا: أن علم الاجتماع الماركسي فشل في تفسير التغيرات التي طرأت على البناء الاجتماعي في البلاد الرأسمالية حيث تطور النظام الرأسمالي في غير الاتجاه الذي تنبأ به ماركس.
ثانيًا: أن علم الاجتماع الماركسي قد عجز عن فهم التغيرات التي حدثت في المجتمعات الاشتراكية ذاتها والتي يخضع الاقتصاد والصناعة فيهما لسيطرة الدولة فأدى هذا إلى الشك في الأهمية التي أعطاها ماركس للملكية الخاصة.
ثالثًا: عجز علم الاجتماع الماركسي عن فهم قضية استغلال الدول المتقدمة للدول المتخلفة فبالرغم من أن شعوب العالم الثالث تمثل بروليتاريا عالمية وأن الطبقة العاملة في الدول المتقدمة تشكل طليقة النضال عند ماركس فإن الأخيرة تشارك في عملية استغلال قرينتها في هذه الدول المتخلفة.
هذا بالتحديد ما تعلمه باحثونا وما نقلوه لنا في مؤلفاتهم وفيه تعرية وافية لنظريات علم الاجتماع من داخلها سواء في اتجاهاتها المحافظة أو اتجاهاتها الراديكالية، لكنهم وأساتذتهم لا يزالون يصرون على رفض طريق الدين والعقيدة وسلوك طريق المعارف والحقائق العلمية متوهمين أن دينهم كدين الغرب يتصادم مع العقل ومع الحقائق العلمية.
وها هي نتائج تحليلاتهم تبين أنفسهم أن المعارف والحقائق العلمية المنفصلة عن الدين والعقيدة قد أوصلتهم إلى طريق مسدود، فأين سيذهبون؟؟
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل