العنوان عدة المسلم في النصر على عدوه
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر السبت 28-ديسمبر-2002
مشاهدات 59
نشر في العدد 1532
نشر في الصفحة 49
السبت 28-ديسمبر-2002
لم ير علماء الاجتماع مثل الإسلام في تساميه على القهر النفسي، وفي طلبه للعزة والكرامة، لأن الإسلام جعل هذا التسامي والعزة دينًا يدين الإنسان به لرب العزة سبحانه، قال تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ (سورة آل عمران: آية: 139) وما هذا إلا لأن الإسلام يتنافر مع الهوان، ومع التسفل والتضعضع والذلة، ويتعانق مع الرجولة والعزيمة والرفعة، ويقرن المؤمن العزيز بالدرجات العليا في قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (سورة المنافقون: آية: 8).
والإسلام الذي حض على القوة والرجولة جعل قوة النفس والعزيمة أعلى درجات القوة وأولاها بالرعاية والعناية، وجعل ملامح الظفر والنصر، ترفرف على رؤوس أصحابها مهما كانوا يكن منكم قلة أو قليلي العدة، فقال تعالى: ﴿ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا﴾ (سورة الأنفال: آية: 65) ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (سورة البقرة: آية: 249).
فالأمة إذن تنتصر قبل أن تخوض المعركة لأنها انتصرت نفسًا، وعزت روحًا، وانتفضت عزمًا، وهان عندها كل صعب، ووهن في عينها كل عدو، وعزت بعزة الله ووثقت بتأييده فارتفعت إلى عنان المجد واشرأبت إلى مواقع النجوم لتقتنصها اقتناصًا، وتمتلكها امتلاكًا، فأني لمثل هؤلاء أن يجاروا ويباروا ولو كانت الدنيا كلها في كفة وهم في كفة، ولهذا نسمع الرسول ﷺ يقول لابن عباس: «واعلم أن الدنيا لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعت على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك».
هكذا كانت تربى أطفال المسلمين وتلقن من الصغر وتدرب على القوة، وكان المجتمع المسلم يحافظ على كرامة أفراده وعلى أن يسقيهم لبان الرجولة والفتوة والفروسية، حتى في عبادتهم لله سبحانه ودعائهم وتضرعهم إليه، ولهذا نسمع الرسول ﷺ يقول: «اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن وأعوذ بك من العجز والكسل وأعوذ بك من الجبن والبخل وأعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال، أي من كل ما يضعضع النفس ويوبقها ويحنيها سواء كان همًا وحزنًا أو كسلًا وعجزًا أو جبنًا وقعودًا. ومن أجل هذا، وقع في خاطري موقف المسلمين عند لقاء عدوهم وكأنهم مقبلون على عرس يزفون إليه أو إلى لقاء تهفوا إليه النفوس وتتعانق أتصور هذا في قوله تعالي:﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا (22) مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ (سورة الأحزاب: آية: 22).
كان أحدهم يتمنى الشهادة ويخاف أن يموت في غير لقاء، أو بدون معركة ولهذا نرى بطل الإسلام خالد بن الوليد عند موته يقول متحسرًا لموته على فراشه: لقد حضرت زهاء مئة معركة وما في جسدي موضع الشبر إلا وفيه ضربة بسيف أو طعنة برمح، وهأنذا أموت على فراشي كما يموت البعير فلا نامت أعين الجبناء وكان أحدهم إذا أحس برد الرمح في صدره قال: «فزت ورب الكعبة»، همة وإحساس ونفس تواقة إلى المجد والعلا، كان المسلم لا يخيفه إلا ربه، ولا يرهبه أحد سواه، ولهذا كان ينصر بالرعب على عدوه مصداقًا داقًا لقوله ﷺ: «نصرت بالرعب مسيرة شهر»
أما اليوم، فإنه يعيش فترة غثائية لا قوة له ولا ساعد، ولا عزم له ولا همة مهزوم النفس، مرتعد الفرائص، ساعده على ذلك أسباب عديدة منها:
1- ذهاب هويته وضياع رسالته ونسيانه لهدفه وغايته، تلك المقومات التي هي معين لا ينضب للنشاط الموصول والحماسة المذخورة واحتمال الصعاب ومواجهة الأخطار، وتلك طبيعة المسلم إذا تغلغل الإيمان في قلبه واستحكم، فإنه يضفي على صاحبه قوة تنطبع في سلوكه كله وتجعله رأسًا لا ذيلًا، وقد نهاه دينه عن أن يكون إمعة، قال ﷺ «لا يكن أحدكم إمعة، يقول أنا مع الناس، إن أحسن الناس أحسنت وإن أساءوا أسأت!! ولكن وطنوا أنفسكم إن أحسن الناس أن تحسنوا، وإن أساءوا أن تجتنبوا إساءتهم» أجل يجب أن يكون المسلم شاعرًا بقوة اليقين في شخصه، وروعة الإيمان في نفسه، وأن يفرض ذلك على من حوله حتى يكون الجسد المسلم عظيمًا قويًا قويمًا.
2- هوان المسلم في وطنه، وضياعه في أمته وفرض الأخطاء عليه وعلى حياته، وامتهان رجولته ومحاولة إذلاله وإذهاب كرامته، وفرض الخنوع عليه حتى يكون طبيعة حياة، وسليقة نفس، فيتعود السكوت بدون كلام والخضوع بدون رأي حتى قال من قال:
یا قوم لا تتكلموا
إن الكلام محرم
ناموا ولا تستيقظوا
ما فاز إلا النوم
فصمت الناس وقطعت ألسنتهم، وناموا وضاعت عزائمهم وصاروا دمى حتى قال قائلهم:
ها هم كما تهوى فحركهم دمي.
لا يَفْتَحُونَ بِغَيْرِ مَا تَهْوَى فما
إِنِّي أَرَاهُمْ هَهُنَا قَدْ جَمْعُوا
ليُصصَفُقُوا إِنْ شِئْتَ أَنْ تَتَكَلَّمَا
نعم دمى تتحرك وتصفق وترقص حتى على الجراح، وتقيم للمصائب الأفراح والليالي الملاح، وترضى بالتعذيب والسجون والمعتقلات، وقد يدهش الإنسان لسلطات تدعي الإصلاح بغير حياء تسطو على المساجد وتأخذ العباد لتعذبهم في العشر الأواخر من رمضان بالضرب المبرح والصعق بالكهرباء بعد خلع الملابس تمامًا وتسلط الكهرباء على الأماكن الحساسة وبخاصة الخصيتان والمخ، وهم معلقون كالذبائح تمامًا، ويصاحب كل هذا القذف والسب والامتهان، وذلك كله بغير ذنب أو جريرة إلا الإخلاص وحب الإسلام والاتجاه إلى الله، أظن أن هذا ما لا يفعله مستعمر أو عدو، فهل تكون ذلك رجولة أو عزم، تقابل الأمة به عدوًا، أم أن هذه الشعوب قد هزمتها سلطاتها قبل أن يأتي العدو، وعن أي شيء يستطيع أن يُدافع المسلم بعد ذلك والأمة في حاجة بعد ذلك؟!! نعم يحدث إلى بنيها المؤمنين، ليردوا الهجمة عليها.
أيها السادة هل يمكن أن تسيروا في الطريق الصحيح؟ نسأل الله ذلك.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل