العنوان عرائس في سجون عبد الناصر (۲-۲) زواج على أعتاب السجن الحربي
الكاتب مريم السيد هنداوي
تاريخ النشر السبت 21-نوفمبر-2009
مشاهدات 55
نشر في العدد 1878
نشر في الصفحة 40
السبت 21-نوفمبر-2009
- الطيار ضياء الطوبجي، ألقي القبض عليه ليلة زفافه بين يدي المأذون واقتادوا معه أخاه وأخته وعروسه بفستان زفافها
- نادية عبد المجيد زوجة علي عشماوي، لاحظت أن زوجها يعامل معاملة حسنة في السجن بينما شقيقها وزوج أختها يعذبان ثم جاءت المحاكمة لتفسر اللغز!
- لقد فوجئت من زوجها بموقف غير إنساني، فقد انقلب ضد إخوانه لصالح الباطل فطلبت منه الطلاق
- مرسي مصطفى زج به في السجن الحربي بينما زج بزوجته في سجن القناطر الخيرية وقضى الزوج ما يقرب من ٢٥ عامًا ثم نعما معًا بالحياة في رحاب أرض الله الحرام
كانت لنا وقفة في العدد الماضي عن بعض عرائس الدعوة في القرن العشرين، وكيف كانت حياتهن منذ أول ليلة لهن مع شريك العمر، فقد عرفت كل أخت أنها تسير على طريق محفوفة بالأشواك، غير أنهن جميعًا تحدين هذه الأشواك إرضاء لله جل وعلا.
العروس الثالثة: زوجة الطيار ضياء الطوبجي:
التحق ضياء الطوبجي بجماعة الإخوان المسلمين كباقي زملائه الطيارين، وكان ضمن الأسرة التي أشرف عليها علي عشماوي.
كان محمد ضياء الدين عباس الطوبجي قائدًا لطائرة بوينج بين القاهرة ولندن وبعد السفر سنوات أراد أن يستقر مع زوجة طاهرة عفيفة؛ فوقع اختياره على بنت خالته.
وافقت على الزواج منه، فأخذ الزوج في إعداد شقة الزوجية، فاستأجر الدور الثاني في فيلا الحاجة زينب الغزالي لكي تنعم زوجته بالصحبة الطيبة، وتعيش وسط الأخوات اللاتي يترددن يوميًا على الحاجة زينب.
جهز ضياء شقته على أحدث طراز؛ حيث اشترى كثيرًا من الأثاث من لندن، وتم تحديد موعد البناء «الزفاف» يوم السبت الموافق ٢١ أغسطس ١٩٦٥م، ويومها ارتدت العروس ثوب الزفاف الأبيض، وارتدى العريس «بذلة» العرس، وتوجه إلى بيتها ليأخذها معه إلى عش الزوجية، غير أن القدر كان يخبئ له ولها شيئا فقد قابلته المباحث الجنائية العسكرية واعتقلته، وظلت الزوجة منتظرة الزوج فترة طويلة حتى علمت باعتقاله وتعذيبه عذابًا شديدًا في السجن الحربي.
وتقول الحاجة زينب: «وسألت غادة عن ضياء الطوبجي، وهل تم زفافه؟ وكان الجواب: أنهم قبضوا عليه ويده في يد عروسته والمأذون، وقبضوا على عروسته وهي في ملابس الزفاف وعلى أخته «منى» وأخيه الدكتور».
وتضيف: «تحت التعذيب سألني شمس بدران: هل كان عبد العزيز علي يجتمع مع علي عشماوي وعبد الفتاح إسماعيل وضياء الطوبجي، ويحيى حسين وعبد المجيد الشاذلي، ومجدي عبد العزيز، وأنه اجتمع مع سيد قطب عدة مرات بعد خروجه من السجن، قلت: لا أدري شيئًا عن هذه الاجتماعات».
قدم الزوج للمحاكمة وكان عمره ۲۸ عامًا، بناء على أمر إحالة إلى المحكمة العليا في الجناية رقم «١٢- ١٩٦٥م أمن دولة عليا»، وحكم عليه بـ (١٥) عامًا في القضية الثانية.
بدلت الزوجة فستانها الأبيض الجميل بفستان يملؤه الحزن والفراق، غير أنه مع مرور السنين ضغط أهلها عليها حتى تزوجت فيحزن الزوج داخل السجن غير أنه فوض أمره لله.
يقول المهندس محمد الصروي: داعبت ضياء فقلت له: يا ضياء، أتعرف تفسير حديث النبي صلى الله عليه وسلم: «ما أخطأك لم يكن ليصيبك»؟ فيقول: ماذا تقصد؟ فأقول: يعني تبقى في بقك وتقسم لغيرك»، فيقول: لا، تبقى في زورك وتقسم لغيرك»، ثم يقوم فيتوضأ سريعًا، فأقول له مداعبًا: ضياء، أنت تتوضأ قصرًا، فيقول: «لا، أنت تتوضأ تحت الجلد أما أنا فأتوضأ فوق الجلد فقط».
وخرج ضياء الطوبجي عام ١٩٧٤م ورزقه الله بزوجة صالحة عوضت له كل ما مر من حياته.
العروس الرابعة
نادية عبد المجيد عبد السميع
نادية عبد المجيد هي أخت القيادي الإخواني في تنظيم ١٩٦٥م أحمد عبد المجيد، وأيضًا أخت الحاجة فوزية عبد المجيد زوجة الأستاذ سيد نزيلي أحد قادة التنظيم والتي تحدثنا عنها من قبل.
نشأت نادية عبد المجيد عبد السميع حيث ولدت لأب كان يعمل سائقًا، وقد سافر إلى ليبيا للعمل فيها سائقًا للملك «السنوسي» أواخر الأربعينيات، وكانت والدتها ربة منزل، وكانا من كرداسة وإخوتها: أحمد، ومصطفى، وكمال، ومحمد، وأسامة، وفوزية، وابتسام.
الأخ والزوج
أخوها الأكبر هو أحمد عبد المجيد والذي ولد في ٢٧/ ٩/ ١٩٣٣م، وتخرج في كلية الحقوق جامعة عين شمس، وكان أحد قادة تنظيم ١٩٦٥م مع الشهيد سيد قطب، تعرف بعلي عشماوي من خلال دعوة الإخوان المسلمين، وكانا عضوين في اللجنة الخماسية المسؤولة عن إعادة الحركة إلى نشاطها في الدعوة إلى الله وهي التهمة التي وصفها نظام عبد الناصر بـ «إحياء التنظيم»، حيث تولى علي عشماوي -والذي كان يعمل كاتب الحسابات في إحدى شركات القطاع العام- مسؤولية القاهرة، وتولى أحمد عبد المجيد مسؤولية الصعيد وقسم المعلومات.
يقول أحمد عبد المجيد: «ومن المعلوم أن نشاط الإخوان كان قد توقف بعد محنة ١٩٥٤م، وقامت بعض المحاولات المتواضعة ولم تستمر إلا أن المحاولة المهمة التي ارتبط بها وتولى قيادتها هي تنظيم ١٩٦٥م، الذي تأسس عام ١٩٥٧م بين كل من الضابط المهندس أمين شاهين -يرحمه الله تعالى- وأحمد عبد المجيد وعلي عشماوي من جهة، والشيخ عبد الفتاح إسماعيل التاجر والشيخ محمد فتحي رفاعي المدرس بالمعاهد الأزهرية من جهة أخرى، تم دمجهما عام ١٩٦٢م، وانضم لهم بعد ذلك تنظيم الإسكندرية والبحيرة، ومثله مجدي عبد العزيز متولي، وانضم كذلك صبري عرفة الكومي بدلًا من الشيخ فتحي رفاعي الذي سافر للجزائر».
تزوجت من علي عشماوي في يونيو ١٩٦٥م، وقضت بضعة أيام من شهر العسل في ضيافة الشهيد سيد قطب في رأس البر، لكن هذه الفرحة وهذه السعادة لم تدم كثيرًا، حيث قبض على زوجها وأخيها وزوج أختها وأختها في أغسطس ١٩٦٥م، فما جزعت.
شجاعة نادرة
وقدم الزوج والأخ وزوج الأخت للمحاكمة؛ فحكم على زوجها وأخيها بالإعدام شنقًا، وعلى زوج أختها الأستاذ سيد نزيلي بالأشغال الشاقة المؤبدة، ثم خفف الحكم عن زوجها وأخيها للأشغال الشاقة المؤبدة.
غير أن الزوجة كانت قد لاحظت أن زوجها منذ أول أيام اعتقاله يعامل معاملة حسنة، فهي تأتي له بالملابس المكوية والأكلات الطازجة من البيت كل أسبوع، في حين أن أخاها وزوج أختها يعذبان ولا يلقيان معاملة حسنة، مما زاد من حيرتها وسارت تبكي دموعًا حارة في صمت.
ثم جاءت المحاكمة لتزيل هذا الشك، فقد وجدت من زوجها موقف الخزي والعار، حيث إنه اعترف على التنظيم بالتفصيل التام، مما سهل على المباحث معرفة كل أفراد التنظيم، فقد اعترف علي عشماوي بالأشياء التي أرادتها المباحث والأشياء التي لم تسأله عنها، مما كان السبب في صدور الأحكام الشديدة ضد الإخوان مقابل أن يخرج من السجن، لكن القدر لم يعطه هذه الأمنية فبالرغم من كونه اعترف على التنظيم تفصيليًا، إلا أنه ظل في السجن حتى وفاة عبد الناصر في سبتمبر ۱۹۷۰م ولم يخرج منه إلا عام ١٩٧٤م.
موقف لا تقبله الإنسانية
لقد وجدت الزوجة من زوجها موقفًا لا تقبله الإنسانية، فقد اعترف على شقيقها وعلى الشهيد سيد قطب، ومحمد يوسف هواش غير أنها لم تجد الوقت مناسبًا للنقاش.
يقول المهندس محمد الصروي «أحد الشهود على أحداث ١٩٦٥م»: ثم صدرت الأحكام، فصدر الحكم بإعدام زوجها، فصارت بين فرح أنها زوجة شهيد، وألم فراق الزوج الحبيب، وحيرتها من موقف زوجها في خدمة أهل الباطل الذين ضحوا به في النهاية وحكموا عليه بالإعدام، ثم خفف الحكم وتم ترحيل الجميع من السجن الحربي إلى سجن ليمان طره، فشكا لها زوجها سوء معاملة الإخوان له، فسألت أخاها الذي أخبرها بموقف زوجها الذي باع القضية كلها، وسلم رقاب الإخوان كلهم قربانًا لشمس بدران الذي صعد السلم إلى الوزارة على جماجم الشهداء، وخاض في دماء الإخوان خوضًا بالمعونة الكبيرة من علي عشماوي».
ظل الزوج يبتعد شيئًا فشيئًا عن الإخوان، وهي تناقشه وتتفاهم معه دون جدوى، ثم علن زوجها تركه الإخوان وبدأ يغمز ويلمز فيهم.
فما كان منها إلا أن خيرته وقالت له: لقد تزوجتك أخا من الإخوان، وهذا هو الميزان الذي أزن به الرجال، أما إذا بعدت عن الإخوان فلا شأن لي بك، وعاشا شهورًا قاسية، فهو في سجن لا تبدو له نهاية، فلقد شبع من وعود الجلادين بالإفراج عنه غدًا، ومع ما فعله لهم لم يفرج عنه إلا بعد تسع سنوات سجن.
أما هي فعندما لم يعد لإخوانه طلبت منه بشجاعة لا يقدر عليها إلا عظائم الرجال الطلاق وتم لها ذلك، إلا أن الله عوضها خيرًا، فما كاد الإخوان يخرجون من السجون حتى سارع إليها الأستاذ عبد الرحمن بارود -أحد مسؤولي الإخوان بفلسطين والذي كان معتقلا على ذمة وبعد التنظيم وحكم عليه بسبع سنوات- زواجهما حصل على الدكتوراه في الأدب.
والشاعر د. عبد الرحمن بارود «أبو حذيفة» من مواليد قرية «بيت داراس» بمحافظة غزة عام ١٩٣٧م، هجر من قريته عام ١٩٤٨م وكان عمره آنذاك ۱۱ عامًا، درس في قريته حتى الصف الخامس الابتدائي نظم أول قصيدة له بعد الهجرة، وكانت في أثناء الدراسة الابتدائية وتحدث فيها عن معركة «بيت داراس» حصل على شهادة الليسانس من كلية الآداب قسم اللغة العربية في جامعة القاهرة بتفوق، ومن ثم أكمل دراساته العليا ليحصل على درجة الماجستير والدكتوراه من نفس الجامعة، انتقل بعدها للعمل في جامعة الملك عبد العزيز بجدة بوظيفة أستاذ جامعي، وقضى في الجامعة ما يقارب ٣٠ عامًا، متنقلًا بين أقسام اللغة العربية والدراسات الإسلامية حيث تخرج على يديه الكثير من الطلاب والطالبات وكان له الكثير من المشاركات الأكاديمية والبحثية في هذه الفترة تفرغ بعد ذلك للعمل العام حيث يقضي أغلب وقته في الكتابة وتأليف الشعر ومتابعة الشأن العام وكان له دور واضح وبارز ومؤثر في أوساط الجالية الفلسطينية في السعودية عمومًا وفي جدة خصوصًا.
العروس الخامسة
زوجة مرسي مصطفى مرسي
كان مرسي مصطفى يعمل معيدًا بالمركز القومي للبحوث، حيث وفق في الزواج من ابنة لواء في الجيش، وسكنا سويًا في الشقة التي أعدها في المساكن الشعبية بإمبابة بلوك ١٥ شارع ١٤، وعاشا سويًا في هذه الشقة وكان الزوج قد التحق بجماعة الإخوان.
لم تكن الزوجة تعلم أن زوجها وشقتها سيكونا طعمًا تتخذه المباحث العسكرية الجنائية للقبض على الإخوان، فقد سقط ما يعرف بـ«تنظيم ١٩٦٥م» أثناء التحقيق في قضية حسين توفيق بعد أن اعترف أحد المتهمين على الأستاذ يوسف القرش -أحد إخوان ميت غمر- فتوجهت المباحث وقبضت عليه وعذبته وظلت تقبض على من تعرف أسماءهم، غير أن الأمر كان عاديا لم يتجاوز بضعة أفراد، وتحت التعذيب اعترف الأخ محمود فخري على شقة الباحث مرسي مصطفى مرسي، فتوجهت المباحث وقبضت عليه وعلى زوجته، واتخذت منها مركزًا تقبض على كل من يأتي إليها، وممن قبض عليهم علي عشماوي، وعبد الفتاح إسماعيل وغيرهم، ولم يكن التنظيم قد اكتشف غير أن اعترافات علي عشماوي كانت البوابة التي صب النظام الناصري أهوال التعذيب منها على الإخوان، فما كاد عبد الناصر يعلم بأمر التنظيم حتى أصدر قرارًا باعتقال كل من سبق اعتقاله.
وزج بالزوج إلى السجن الحربي حيث العذاب الرهيب، كما زجت زوجته إلى سجن القناطر مع بقية الأخوات اللاتي اعتقلن وقدم زوجها للمحاكمة بناء على قرار النيابة، وحكم عليه بالأشغال الشاقة المؤبدة لمدة ٢٥ عامًا.
عاش الزوج في السجن يرتل القرآن كما وصفه المهندس الصروي بقوله: «ولقد كنت أتبادل الحفظ مع الأخ د. مرسي مصطفى مرسي حتى أتممنا حفظ القرآن الكريم بفضل الله».
خرجت الزوجة من المعتقل وبعدها بسنين عددا خرج الزوج لينعما بالحياة في رحاب أرض الله الحرام؛ حيث عمل بكلية الزراعة جامعة الملك عبد العزيز بالرياض.
المراجع
أحمد عبد المجيد عبد السميع: سيد قطب بين مؤيديه ومعارضيه، كتاب المختار الإسلامي.
محمد الصروي: الإخوان المسلمون ومحنة ١٩٦٥م، الزلزال والصحوة دار التوزيع والنشر الإسلامية، ٢٠٠٤م. ص ۳۸۱
حوار أجراه عبده مصطفى دسوقي مع الأستاذ أحمد عبد المجيد عبد السميع يوم ٢٥/ ٧/ ٢٠٠٧م.
موقع الشاعر د. عبد الرحمن بارود.
زينب الغزالي: أيام من حياتي، دار التوزيع والنشر الإسلامية.
مجلة المجتمع الكويتية، العدد ١٧٥٥ الموافق ٩/ ٦/ ٢٠٠٧م.
أحمد عبد المجيد: الإخوان وعبد الناصر، القصة الكاملة لتنظيم ١٩٦٥م، كتاب المختار، الطبعة الثالثة، ١٤٢٧هـ/ ٢٠٠٦م، ص ٨٠.