العنوان عشاق العربية
الكاتب عبدالوارث سعيد
تاريخ النشر الثلاثاء 13-أبريل-1993
مشاهدات 17
نشر في العدد 1045
نشر في الصفحة 50
الثلاثاء 13-أبريل-1993
عُرف عن العرب في جاهليتهم عشقهم الشديد للغتهم العربية واعتزازهم بها إلى حد الغلو في التعصب لها، والتعالي على غيرهم من الأمم بسببها؛ لقد قسموا الناس إلى قسمين على أساس من صفة «الإعراب» و«البيان»؛ فهم «عرب» أهل بيان وفصاحة وسواهم «عجم» لا يبينون وإن كانوا ينطقون، و«العجمة» هي الإبهام والخفاء في الكتابة وعدم الإفصاح في الكلام.
و«العجمي» المنسوب إلى العجم من كان
من بلاد العجم وإن كان مفصحًا. وفي الكتاب العزيز: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ
يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌۗ لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إليه
أَعْجَمِيٌّ وَهَٰذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ﴾ (النحل: ١٠٣).
وحين أكرهت امرأة عربية، وهي ليلى
بنت لكيز، على أن تكون من بين نساء كسرى أعلنت رفضها الحاسم ونبذت كسرى بوصف
العجمة، فقالت:
يكذب
«الأعجم» ما يقربني ومعي
بعض حساسات الحيا
غللوني،
قيدوني، ضربوا ملمس
العفة مني بالعصا(۱)
وإذا كان العرب قد دفعهم حبهم
وتعصبهم للغتهم أن يجاوزوا الاعتدال إلى التنقص من الشعوب الأخرى، فتلك من لوثات
الجاهلية التي لم تنج منها تلك الشعوب، فها هو جالينوس اليوناني يقول: «إن لغة
اليونانيين أفضل اللغات؛ لأن سائر اللغات إنما تشبه إما نباح الكلاب، وإما نقيق
الضفادع»(۲).
«واستجاز اليهود الكذب، والحلف على
الباطل بغير العبرانية، زاعمين أن الملائكة لا يعرفون غيرها»(۳) لكن تميز العربية بطاقات
جمالية وتعبيرية فريدة كان سببًا مهمًا ومشروعًا لإعجاب العرب وتباهيهم بها.
ولما نزل القرآن الكريم بالعربية
وفجر من طاقاتها التعبيرية ما نقله إلى مستوى رفيع تقاصرت دونه وعجزت عنه قرائح
فرسان البيان من العرب فضلًا عن غيرهم، وما زادها استعدادًا وكفاءة للتعبير الفذ
عن كل المستجدات الحضارية، عظمت مكانتها في القلوب وقوي أسرها للنفوس والمشاعر؛
فهام في حبها المسلمون عربًا وغير عرب لا عصبية ولا تنقصًا من الشعوب الأخرى
ولغاتها، بل اعتزازًا نابعًا من إيمانهم بكتاب ربهم وإجلالهم له.
وجاء تعبيرهم عن هذا الحب والإعجاب
مطبوعًا بأدب الإسلام، فعمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: «تعلموا العربية فإنها
من دينكم».
والبيروني -الخوارزمي المبرز في
العلوم البحتة- يقول: «والله لأن أهجى بالعربية أحب إلي من أن أمدح بالفارسية».
والزمخشري -المفسر النحوي اللغوي-
يقول في مقدمة كتابه «المفصل» في النحو: «الله أحمد على أن جعلني من علماء
العربية، وجبلني على الغضب للعرب والعصبية، وأبى لي أن أنفرد من صميم أنصارهم
وأمتاز، وأنضوي إلى لفيف الشعوبية وأنحاز».
ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية: «إن
اللغة العربية من الدين ومعرفتها فرض واجب؛ فإن فهم الكتاب والسنة فرض، ولا يفهم
إلا باللغة العربية، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب».
حتى الدكتور طه حسين يقول: «إن
المثقفين العرب الذين لم يتقنوا معرفة لغتهم ليسوا ناقصي الثقافة فحسب، بل في
رجولتهم نقص كبير ومهين أيضًا(٤).
فأين نحن اليوم -عربًا ومسلمين- من
ذلك المستوى الرفيع والواجب المفروض؟!
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الهوامش
(1) الشيخ أحمد رضا– مولد اللغة- دار
الرائد العربي اللبناني- لبنان- 1983- ص120.
(2) السابق ص119.
(3) محمد جابر الفياض- أهمية اللغة
في الحياة الإنسانية- في اللغة العربية والوعي القومي- بيروت- 1984- ص279.
(4) نقلا عن د. مازن المبارك- نحو
وعي لغوي- مكتبة الفارابي- دمشق- 1970- ص18- 21.
اقرأ أيضًا:
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل