; عشت وشفت | مجلة المجتمع

العنوان عشت وشفت

الكاتب مبارك فهد الدويلة

تاريخ النشر الثلاثاء 04-نوفمبر-1986

مشاهدات 77

نشر في العدد 790

نشر في الصفحة 10

الثلاثاء 04-نوفمبر-1986

قرأت كثيرًا عن المقالب التي تحدث للمسافرين عند منافذ الدولة الجوية منها والبرية، وكنت أستكثر على دولة قليلة في عدد سكانها صغيرة في مساحتها أن تحدث مثل هذه المفارقات العجيبة فيها، خاصًة أننا في عصر التكنولوجيا عصر الكمبيوتر، بل كنت أجزم أحيانًا بأن بعض ما ينشر في الصحف مبالغ فيه ولا يمكن أن يحدث في دولة متطورة مثل الكويت.

المهم- اختصارًا للحديث- يبدو أن القدر اختارني هذه المرة كي أقوم بدور كبش الفداء، كي أجزم دائمًا وليس أحيانًا بأن كل ما ينشر وما نشر- وليس بعضه- عما حدث ويحدث عند المنافذ الرسمية قليل من كثير وغيض من فيض.

في يوم الخميس الموافق ٢٣ /١٠ /١٩٨٠ صليت الفجر في مسجد مركز السالمي الحدودي، وبعد الصلاة توجهت إلى قاعة الجوازات كي أختم الخروج متوجهًا إلى المملكة العربية السعودية في رحلة قصيرة لا تستغرق أكثر من ساعات معدودة، وبعد تسليم الجواز إلى الموظف المسؤول أخذ يبحث في سجل أمامه تتجاوز أوراقه عدة آلاف من الصفحات، وأخذ يقلب أوراقه لبضع دقائق، وفجأة جحظت عيناه واكفهر وجهه واحمرت وجنتاه- وكان أسمر- فقال بلهجة مقتضبة: انتظر لحظة! فخشيت أن يكون قد ظن أنني مجرم حرب أو هارب من العدالة! فرجع بعد برهة ومعه اثنان من رجال الشرطة، فتحسست معصم يدي استعدادًا للمفاجأة، فقال المذكور سلفًا:

أنت ممنوع من السفر!

- خيرًا إن شاء الله.. وما ذاك؟

- أنت مطلوب بمبلغ من المال لشركة سيارات!

- ولكنني أنهيت الموضوع ورفعت المنع منذ فترة!

- القضية قديمة وعليك منع سفر، فالرجاء أن ترجع من حيث أتيت.

- هل تسمح لي أن أشرح لك؟!

- لا تشرح ولا تطولها، تفضل ارجع من حيث أتيت، وبدون تردد أدخل جواز سفري في مظروف خاص وختمه وشمعه بالشمع الأحمر.

وفي الحقيقة استكثرت أن أرجع كل هذه المسافة بدون سبب مقنع فأعدت المحاولة لعل وعسى.

- هل تسمح لي أتكلم مع المسؤول؟

- «ما في مسؤول هنيه»!

 - هل تسمح لي أن أتصل بأحد المسؤولين بالداخلية؟

فقال بكل تبجح: المسؤول هنا هذا الختم، بغيره لا يمكن أن تغادر.

ثم جلست أفكر في حالي وفي طريقة أستطيع أن أتفاهم من خلالها مع هذا الموظف الذي ابتليت به، ومن يعلم كم حلت بلواه من قبل على غيري.

وفجأة يشاء الله أن أكسر خاطره، حيث كنت في هيئة لاجئ أو غريب لا يعرف ماذا يفعل، فقال لي بلهجة انكسار:

قل لي: ما هي قصتك؟

فقلت: الحمد لله.. لاح الفرج، اسمع يا أخي الكريم:

كنت كفيلًا لشخص غير كويتي وكان ملتزمًا في دفع أقساطه الشهرية لشركة السيارات المذكورة، وعندما سافر لزيارة أهله في إجازة طويلة، تأخر عن دفع أقساط بقيمة سبعين دينارًا فقط فصدر حكم محكمة عليه وعلى كفيله دون علم مني.

 وعندما علمت بالأمر ذهبت إلى الشركة ودفعت المبلغ المتأخر سداده وأنهيت الموضوع في لحظات وذهبت إلى إدارة الإبعاد ومنع السفر وتأكدت من رفع اسمي من منع السفر، فقال لي الموظف في ذلك الوقت هل لديك سفرة قريبة؟ فقلت من باب الاحتياط بعد ثلاثة أيام فقال خلالها سيكون التعميم وصل إلى جميع المنافذ، واحتياطًا أخذت منه ورقة بذلك.

واستطردت قائلًا: فأنا يا عزيزي قد رفعت اسمي منذ ذلك التاريخ أي منذ حوالي ثلاثة أسابيع.

وكم كانت المفاجأة عندما قال: ولكننا لا نملك كمبيوتر هنا، بل سجلًا يتغير كل ١٤ يوم.

- ولكن الموضوع قبل تلك الفترة ويفترض أن يكون وصلكم منذ زمن. فقال: يبدو أنه في الطريق إلينا! عندها استأذنته في استخدام الهاتف للاتصال بمدير المنافذ، فتكرم عليّ وأذن لي، وليته لم يفعل!

كانت الساعة حوالي السادسة والنصف فاتصلت بمنزل مدير الهجرة والمسؤول العام عن المنافذ، ويبدو أنني أزعجته في هذا الوقت، ولكني كنت مضطرًا لأن ارتباطي بموعد مهم والتأخير بسبب أحد موظفيه أو جهازه.

- صبحك الله بالخير أبو فلان

بالخير.. نعم!

- معاك فلان الفلاني

خيرًا!

- والله جماعة مركز السالمي معرقلين خروجي بسب منع سفر كنت قد رفعته منذ ثلاثة أسابيع وإلى الآن يقولون لم يصلنا أمر رفع السفر، فأرجو الموافقة على خروجي ثلاث ساعات وأرجع بعدها مباشرة لأقدم لكم لاحقًا ما يثبت ذلك.

- آسف! انتظر إلى أن يداموا جماعة منع السفر واتفاهم معاهم.

- ولكن ما ذنبي في هذه القضية مادام الأمر لم يصل لكم بعد منذ ثلاثة أسابيع!

- آسف. وانتهى الحديث.

عندها لم أجد بدًا من الانتظار حتى السابعة صباحًا -الدوام الرسمي- واتصلت بالهاتف بإدارة الإبعاد ومنع السفر، فقال أحد الموظفين هناك بعد أن شرحت له الموضوع:

- «ما عليك منهم! الأوامر ترسل خلال يومين لكن الجماعة ما لهم خلق يدورون عدل».

عندها لم أتمالك نفسي فخرجت على الموظف وقلت له بصوت عال: يا أخي موظفو منع السفر يقولون- فقاطعني بحدة مماثلة: «لا تتعب حالك، لا منع السفر ولا غيره يطلعك اليوم من هنيه إلا بكتاب رسمي».

ولما أدركت بأنني أتعامل مع نوع آخر من المخلوقات التي ابتلي بها أبناء آدم لم أجد بدًا من الاتصال بمنزل أخي في العمرية الذي أحضر إثبات رفع السفر والذي احتفظت به من باب الحيطة فقط لا غير، فأحضره أخي إلى مركز السالمي بعد أن ألغى ارتباطه الوظيفي، وقطع أكثر من ١٥٠ كيلومترًا ليثبت للمحروس في مركز السالمي أنني غير ممنوع من السفر منذ أكثر من ثلاثة أسابيع!

وبعد أن استلم الإثبات سلم إليّ جوازي المحجوز عليه دون كلمة اعتذار واحدة لكل هذا الإزعاج ولو مجاملة، ولكن بعد أن استرجعت أسلوب مسؤولهم العام في محادثتي معه بالهاتف لم أستغرب عدم صدور كلمة اعتذار أو مجاملة من هؤلاء الموظفين.

المهم طلبت أن يرجع لي الإثبات للاحتفاظ به عند الحيطة فقد أغادر بعد ثلاثة أسابيع- عفوًا أقصد ثلاث سنين- عن طريق النويصيب أو العبدلي قبل أن يكون أمر رفع المنع قد وصلهم بعد! ولكنه رفض إعطائي الإثبات، فقلت صور عليه صوره! فقال ما عندنا آلة تصوير!

وفجأة انقطعت الكهرباء عن المركز فقال أحد أفراد الشرطة: «لا تنزعجوا يا جماعة الحين ترجع الكهرباء».

فأدركت بعد فترة أن المركز يعمل على مولدات كهرباء من نوع كتر بللر، ولم تصل له الكهرباء الحكومية بعد!

عندها قلت لنفسي: معذرًة.. فالذي لم تصله الكهرباء بعدُ كيف تطلب منه أن يتعامل بالكمبيوتر؟!

الرابط المختصر :