العنوان عشية موعد استفتاء تقرير مصير الجنوب.. ملفات شائكة تواجه الحكومة السودانية
الكاتب محمد حسن طنون
تاريخ النشر السبت 08-يناير-2011
مشاهدات 49
نشر في العدد 1934
نشر في الصفحة 12
السبت 08-يناير-2011
مخاوف من إقدام «الحركة الشعبية» على إعلان الانفصال من جانب واحد إذا تم تأجيل الاستفتاء بسبب عوامل طارئة
أحزاب المعارضة تتحدث مجددًا عن عدم شرعية الحكومة الحالية.. وتدعو إلى ضرورة تشكيل حكومة قومية انتقالية
البشير: الحكومة باقية حتى عام ٢٠١٥م.. وعلى الأحزاب التي تريد الحكم الاستعداد للانتخابات القادمة من الآن
مع حلول موعد استفتاء تقرير مصير جنوب السودان المقرر إجراؤه غدًا الأحد التاسع من يناير ٢٠١١م، تواجه حكومة الخرطوم قضايا معقدة، في مقدمتها آليات تنفيذ البند الوحيد المتبقي من اتفاقية السلام الشامل، بعد أن تم تنفيذ جميع البنود بدقة وفي مواعيدها، رغم ما صاحب التنفيذ من عقبات وعراقيل مقصودة وغير مقصودة.
ليس هناك من يتحدث عن التأجيل، فالكل يريد إجراء الاستفتاء في موعده المحدد، ولكن برغبات مختلفة ورؤى متباينة.. والجديد أن في الشمال انفصاليين يدعون بقوة إلى «انفصال الجنوب كي يرتاح الشمال الذي ما ذاق طعم الراحة منذ أن قرر الاستعمار الرحيل بجنوده في أغسطس ١٩٥٥م، وهو الذي اشتعلت فيه نار التمرد ليس ضد الحكومة وجنودها وإنما ضد أي شمالي كان موجودًا في الجنوب في ذلك الوقت، حيث لم يسلم منها لا طفل رضيع، ولا نساء، ولا رجال مدنيون ذهبوا لخدمة الجنوبيين فتم إبادتهم بلا رحمة ولا شفقة»!
الأغلبية الصامتة
انفصاليو الشمال أسسوا منبرهم الذي يدعو إلى الانفصال، وأطلقوا عليه «منبر السلام العادل»، ويقوده المهندس الطيب مصطفى خال رئيس الجمهورية المشير عمر البشير، وللمنبر صحيفة يومية اسمها «الانتباهة»، شعارها «صوت الأغلبية الصامتة»، وهي الأولى في التوزيع «تسعون ألف نسخة»، مع أن الصحيفة التي تليها في الترتيب لا يصل توزيعها إلى ربع توزيع صحيفة «الانتباهة»، ما يشير إلى أنها فعلًا صوت الأغلبية الصامتة.
بعد الاستفتاء وانفصال الجنوب، وتحقق الهدف الذي من أجله أنشئ المنبر ما مستقبله؟ وأي هدف سيسير عليه؟ لاسيما أن رئيسه أعلن أنهم سيقيمون احتفالًا كبيرًا، وسيؤدون صلوات الشكر وسينظمون مسيرات الفرح والابتهاج بانفصال الجنوب.
هل سيتجه المنبر إلى المشاركة في السلطة عن طريق المشاركة في الانتخابات القادمة؟ يجيب رئيس المنبر قائلًا: «إن قضية المشاركة تعتمد على معطيات معينة وقت الانتخابات هي التي ستحدد ما إذا كنا سنشارك أم لا، وإذا شعرنا بحاجة المجتمع إلينا سنخوض غمار الانتخابات».
تحذيرات جنوبية
إذا صرفنا النظر عن انفصاليي الشمال ووجهنا أبصارنا تلقاء غلاة الانفصاليين الجنوبيين - الذين يسمون الانفصال بالاستقلال، ويدعون بـ «أولاد قرنق» - فسنجدهم أكثر السودانيين الذين يثيرون المشكلات، ويقودون التشاكس مع الحكومة رفضًا للتوجه الإسلامي، وما يسمونها بهيمنة العنصر العربي المسلم على المركز.
وتخشى الحكومة والشماليون عمومًا ما يمكن أن تؤول الأمور إليه إن حدث ما يشبه المعجزة، وتم تأجيل الاستفتاء بتوافق شريكي الحكم بصفقة مرضية للطرفين؛ بسبب عوامل خارجة عن إرادة الجميع، فما رد فعل هؤلاء الغلاة المتطرفين وأكثرهم - إن لم يكن جميعهم - صنعوا على أعين الغرب؟!
ربما نتوقع أن يقدم هؤلاء على إعلان الانفصال من جانب واحد، وهو الحدث الذي تتخوف منه الحكومة المركزية وأطراف خارجية، لما سيكون له من تأثيرات على كل المنطقة التي تشمل حوض النيل والقرن الأفريقي.. وقد صرح السيد «رياك مشار» نائب رئيس الحركة الشعبية ونائب رئيس حكومة الجنوب بأن «الإعلان من جانب واحد لن يحدث إلا إذا أجبر شعب وحكومة الجنوب على ذلك، وإن لم تلتزم حكومة الخرطوم بإجراء استفتاء حر ونزيه في الموعد المحدد طبقا لاتفاقية السلام»، محذرًا من أن «الإعلان من جانب واحد سيؤدي إلى تدخل عسكري، وربما إلى تدخلات أجنبية».
مغامرة خطرة
فرنسا التي يحكمها رئيس من أصل «يهودي مجري» هي - مثل الولايات المتحدة وبريطانيا - من أكثر الدول استهدافًا للسودان لا من أجل أهداف إنسانية، وإنما انطلاقا من عقيدة راسخة في قلوبهم؛ تضمر العداوة والبغضاء للعروبة والإسلام.
وآخر تصريحات رئيسها «نيكولا ساركوزي» تؤكد أنه يتعين الالتزام بالمواعيد المنصوص عليها في اتفاقية السلام، وترى الدول الغربية عموما أن التأجيل غير المبرر سيقود حتمًا إلى إعلان الانفصال من طرف واحد ما يفتح بابًا واسعًا للحرب.
وتقول بعض المصادر الفرنسية حسب ما ورد في تقرير موقع «أسفيري»: إن هناك انشقاقا داخل صفوف الجنوبيين، فهناك فريق متشدد يريد الانفصال بأي ثمن ومهما كانت الظروف، وفريق معتدل يريد أن تمضي الأمور بهدوء حتى يتحقق الانفصال بسلام ينعم به الجنوب والشمال.
أما حزب «المؤتمر الوطني» الشريك الأكبر في الحكومة، فيرى أن أي محاولة لإعلان الانفصال من جانب واحد تعد خرقًا واضحًا للاتفاقية، واستبعد إقدام الحركة الشعبية على مثل هذه الخطوة غير المحسوبة، التي قد تكون مغامرة خطرة لا يُحمد عقباها، لاسيما وأن صحيفة سودانية قد أوردت أن الحركة تقدمت بطلب استشارة من مكتب محاماة أمريكي يدعى «بليج»، وجاءت نصيحة المكتب مؤيدة إعلان تقرير مصير منفرد باعتبار الخطوة بمنزلة تقرير مصير داخلي يسبق الاستفتاء الكبير.
شرعية الحكومة
من القضايا الساخنة التي تواجه الحكومة إثبات شرعيتها بعد الانفصال وذهاب ما يقارب ربع مساحة البلاد، وقد عادت «المعارضة الشمالية» تتحدث من جديد عن عدم شرعية الحكومة.. وعقب اجتماع موسع حضره ۱۷ حزبًا منهم رؤساء أحزاب الأمة والشيوعي والشعبي، وممثلون للاتحادي الديمقراطي حزب السيد «الميرغني»، وقطاع الشمال للحركة الشعبية أعلنت في بيان لها أنه عقب الانفصال تكون الحكومة الحالية قد فقدت شرعيتها. ودعت إلى ضرورة تكوين حكومة قومية انتقالية تكون أولى مهامها عقد مؤتمر دستوري لتحديد شكل دولة الشمال وكيفية حكمها، بجانب التصدي للقضايا الملحة، وعلى رأسها قضية دارفور والأزمة المعيشية والحريات.
والواقع أن التشكيك في شرعية الحكومة ليس جديدًا، فقد مارست المعارضة بشخوصها ورموزها نفسها اللعبة السياسية ذاتها عند تأجيل الانتخابات فترة محدودة لعدم اكتمال عمليات التعداد السكاني، فسارعت إلى إعلان أن الحكومة فقدت شرعيتها في التاسع من يوليو ۲۰۰۹م، وهي المدة المحددة لإجراء الانتخابات، ولكن مضت الحكومة تمارس سلطاتها بهدوء غير عابئة بإعلان المعارضة.
ممارسات المعارضة
وفي السياق ذاته، أعلن السيد «الصادق المهدي» رئيس حزب الأمة القومي، أنه بعد الانفصال سيمهل الحكومة فترة زمنية حتى ٢٦ يناير ۲۰۱۱م لتكوين حكومة قومية أو الانضمام إلى المعارضة الساعية للإطاحة بالنظام، أو اعتزال السياسة كليًا.. والتاريخ المحدد يوافق الذكرى الـ (١٢٥) لفتح الخرطوم بقيادة جده «محمد أحمد المهدي» الذي قاد ثورة عارمة ضد الحكم التركي على أساس أنه «المهدي المنتظر».
أما «د. حسن الترابي» زعيم حزب المؤتمر الشعبي المنضم للمعارضة، فيتوقع حدوث «عصيان مدني» أو انقلاب ضد الحكومة بعد الاستفتاء، على أساس أن الشعب سيكون مهيًا للانتفاضة ضد النظام نظرًا للضائقة الاقتصادية، بعد ذهاب النفط وفرض المزيد من الضرائب، وحمل حكومة الخرطوم الجزء الأكبر من مسؤولية الانفصال.
وتتحدث أحزاب المعارضة في يأس مقيم عن الحكومة القومية كلما ضاقت بها السبل، وكأنها هي المخرج الوحيد للسودان من قضاياه وأزماته، وهذه الأحزاب تعلم يقينا أن هذا المطلب بعيد المنال: نظرًا لبعد الشقة بين الفريقين المتعارضين وتباين مواقفهما.
الباب مازال مفتوحًا
الحكومة بدورها لم تسكت؛ بل ردت بقوة على لسان الرئيس عمر البشير، الذي رفض تشكيل حكومة قومية مؤكدًا شرعية الحكومة الحالية التي جاءت عبر صناديق الاقتراع.
وفي خطاب جماهيري بولاية «الجزيرة» خلال احتفالات «عيد الشهيد»، أعلن البشير تمسك الحكومة بتطبيق الشريعة الإسلامية، وقال: «إن الشريعة التي يرفضها الغرب هي طريق الأنبياء والشهداء ولن نتراجع عنها، لأنها النهج القويم لحكم البلاد، والمخرج من الانحطاط الأخلاقي الذي أصاب الدول الغربية»، مشيرًا إلى اعتراف تلك الدول بزواج «المثليين»!
وشدد البشير على أن الحكومة باقية إلى مدتها القانونية حتى عام ٢٠١٥م، مؤكدًا التزامه بإجراء انتخابات حرة ونزيهة في موعدها، وقال: «على الأحزاب أن تستعد منذ الآن إن كانت تريد الحكم».. ورغم أنه أعلن أنه لا سبيل إلى حكومة قومية» إلا أنه رحب بحكومة ذات قاعدة عريضة ينضم إليها من يؤمن ببرامج متفق عليها، وهذا يعني أن الباب ما زال مفتوحًا للتوافق على مفاهيم ترضي الجميع.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل